|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

السبت  20  / 11 / 2021                                 حامد خيري الحيدر                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

المعتقدات الدينية والمجتمع العراقي القديم
القسم الأول

حامد خيري الحيدر  *
(موقع الناس)

تمهيد
تُمثل المعتقدات الدينية في كافة بقاع العالم وبمختلف أصنافها ومتغيراتها وحالاتها التطورية، مرحلة فكرية انسانية حتمية، مَهدّت الطريق أمام العقل الانساني لتقبل الأفكار العلمية الحديثة، ثم لتغدو بمرور الزمن وبسبب ما مَرَّت به البشرية على مدى تاريخها الطويل، من تَغيّرات بيئية وتقلبات اجتماعية وصرعات سياسية عنيفة، وما أنتجه كل ذلك من مآسٍ ونكبات وآلام، مَلاذاً للمُعدمين البسطاء والمقهورين والمظلومين، الذين اعتنقوا مَضامينها المُجرّدة، آملين منها أن تمنحهم شيئاً من العيش الكريم ونفحة من المساواة الاجتماعية التي يتطلعون إليها، وأن يستعيدوا من خلالها كرامتهم الانسانية.

لقد ظهرت تلك المعتقدات التي محورها تصوّر وجود قوة أو قوى خارقة غير منظورة في عوالم ما وراء الطبيعة تسيطر على مقدرات الكون، منذ ظهور الأنسان على وجه الأرض، وبعد أن تحددت هيئته الطبيعية وقابلياته العقلية والجسمانية المتطورة، التي مَيزّته عن سائر المملكة الحيوانية، ثم أخذت ترافقه طيلة مسيرته التاريخية اللاحقة، فبعد أن أخذ تفكير الأنسان بالنضوج ثم التأمل لمحيطه وبيئته القاسية، لم يجد نفسه إلا وحيداً ضعيفاً أمام جبروت الطبيعة الهائل.

حيث كانت حالة الضعف الجسماني الذي يَمتاز بها الأنسان، مقارنة بالقوى والكائنات الحية الأخرى التي تشاركه بيئته، والتي وجد نفسه عاجزاً عن مقارعتها والتغلب عليها، قد دعته بأن يبحث في ظروف شدته وحاجته، عن قوى غيبية ذات امكانات كبيرة وطاقات غير محدودة، تعينه وتساعده عند تلك الظروف، وتزيد من قدراته لمواجهة بيئته الصعبة، ليتمكن من الحفاظ على حياته واستمرارية جنسه البشري، وهذا الشيء ظل يلازم تفكير الأنسان حتى الوقت الحاضر، ومن هنا كانت البدايات الأولى لنشأة المعتقدات الدينية.

وبالرغم من التباين النسبي وطول الفترة التي أستغرقها تطور ونضوج تلك المعتقدات بين مناطق العالم المختلفة، سواء في بلاد الشرق الأدنى القديم وواديي السند والصين، أو في أوربا عند بلادي اليونان والرومان وكذلك في أمريكا، إلا أنها كانت متقاربة في أطارها العام ومتشابهة من ناحية المفهوم والغاية، ويُعتقد أن السبب في ذلك يرجع الى أن المجتمعات البشرية، قد عاشت نفس الظروف التطورية في بيئاتها رغم التباين فيما بينها، مما انتج تشابهاً في الأفكار الحياتية والمعيشية التي تولدت لديها ومنها المعتقدات الدينية، مما ترتب عنه تكرار تلك الأفكار من الناحيتين النظرية والعملية، وفي الغالب فأن أساسيات المعتقدات الدينية وبلورتها، قد ظهرت بشكلها الناضج أول الأمر في بلاد وادي الرافدين، كوّنها المنطقة الأقدم في العالم التي اكتملت فيها عناصر ومقومات الحضارة الانسانية، ثم انتقال العديد من خصائصها ومقوماتها بشكل أو بآخر من هذه البلاد مع تعاقب الأزمان وتوالي الدهور، أما عن طريق السفر والتجارة أو الهجرات والتنقل الاستيطاني، الى العديد من المناطق الأخرى، وخاصة منطقة الشرق الأدنى القديم.

لقد تم الاستدلال على الافكار الدينية وخاصة البدائية منها، من خلال الآثار التي تركها الأنسان خلفه، والتي تم العثور عليها عن طريق التنقيبات الأثرية، التي اجريت في البيئات التي عاشها وأتخذ منها مستوطنات لحياته، ومنها تم التوصل الى أن البدايات المبكرة للمعتقدات الدينية كانت بشكل أفكار سحرية، ترجمها الانسان في حياته بشكل مجموعة من الطقوس والممارسات، أعتقد أنه من خلالها وبواسطتها يمكنه السيطرة على القوى الطبيعية المحيطة به، وتلك المنافسة له في بيئته من أجل اخضاعها لسلطته وتسييرها وفق إرادته. ومن أقدم وأوضح الأمثلة على ذلك، الطقوس الجنائزية التي مارسها أنسان "النيادرتال" خلال عمليات دفن موتاه، حيث كشفت التنقيبات الأثرية التي أجرّيت داخل كهف "شانيدار" في شمال العراق، حيث عاش ذلك الأنسان هناك قبل حوالي ستين الف سنة، أنه كان يُسجّي موتاه في قبورهم ومعهم الورود والأزهار، وهم بوضع القرفصاء، أي بطريقة تشابه وضع الجنين في رحم الأم، مُعتقداً بذلك أمكانية عودتهم للحياة مرة أخرى، أي بهيئة حياتهم الأولى، لتكون هذه الممارسة الطقوسية هي أولى محاولة البشر لقهر الموت.

ومن الأمثلة الأخرى أيضاً في هذا الجانب، ما كان يؤديه الأنسان الحديث "الهوموسيبينس"، الذي ظهر قبل حوالي خمس وعشرين الف سنة، حيث كان يرسم صور الحيوانات التي يَروم صيدها مثل الثيران والوعول والغزلان، على جدران الكهوف والمغاور التي سكنها ليجعلها قريبة منه وتحت نظره، كي يسهل عليه حسب تصوره البدائي، السيطرة عليها وبالتالي تَمكنّه من صيدها، وذلك وفق أسلوب ما يُعرف بـ"السحر التشابهي" القائم على فكرة.. (العِلل المتشابهة تُؤدي الى نتائج متشابهة)، وهذا ما تم اكتشافه في العديد من الكهوف في العالم، ولعل أشهرها تلك المكتشفة في أوربا، مثل كهوف "كاستيلو" و"كانتبيرا" و"التميرا" في اسبانيا و"لاسكو" و"بيتش ميريل" في فرنسا، كما كان هناك ممارسة أخرى لأنسان "الهوموسيبينس" أيضاً في محاولة إعادة الحياة الى المتوفين، تتمثل بطلي جثث موتاه بالصبغة الحمراء لإعطائها علامة من علامات الحياة ألا وهي لون الدم، وذلك لنفس غاية وفكرة سَلفه أنسان "النيادرتال".

البدايات
لقد ظهرت البدايات الأولى لمفهوم الديانة بمعناها الحقيقي لدى الأنسان العراقي القديم، في فترة العصر الحجري الحديث، أي الفترة التي رافقت استقراره في قرى ثابتة بعد اكتشافه الزراعة في شمال وادي الرافدين، وانتقاله من طور "جمع القوت" الى طور "إنتاج القوت"، وذلك في مطلع الألف التاسع قبل الميلاد، وما صاحب هذا التَحوّل الاقتصادي الهام من تطور فكري مفصلي، أقنعه بعدم جدوى فكرته الأولى "السحر"، وفشله الذريع في اخضاع القوى الطبيعية لمقدراته، لتنضج وتتبلور إثرها فكرته الثانية المُتمثلة بالتخضّع والتقرب لتلك القوى، كي تمنحه مُتعطفةً قواها وطاقتها الخفية الخارقة، حيث كان الأنسان في تلك الفترة بأمس الحاجة لها في حياته الزراعية الجديدة، رغم أن الممارسات السحرية لم تختفي كلياً من حياته، لكن ممارستها ظلت وفق أطار ثانوي موازٍ للمعتقد الديني الذي أخذ يترسخ في عقليته شيئاً فشيئاً.

لقد تصور الأنسان الرافديني القوى الطبيعية في بداية تبنيه لمفهوم الديانة بهيئة آلهة، تسيطر على بيئته الطبيعية وبالتالي على أقداره ومجريات حياته ومعيشته، ونظراً لتعدد تلك القوى المحيطة به مثل الهواء والماء والشمس والقمر والأرض، فقد تعددت بالمقابل الآلهة التي تمتلك تلك القوى، فأصبح لكل منها إلهها الخاص بها، حتى المرأة في بداية تبلور الفكر الديني أحيطت بها هالة من القدسية باعتبارها العنصر الولود، ومنبع الحياة والمُسبب الرئيسي للإنبات الزراعي، حيث تكاد تجمع أغلب آراء الباحثين والمؤرخين، الى أن المرأة هي التي اكتشفت وطورت الزراعة، وكان ذلك وليد الصدفة ونتيجة الملاحظة الذكية من قبلها، بسبب واقعها آنذاك الذي حتّم عليها البقاء ضمن حَيّز وحدود الأرض الزراعية لمراعاة شؤون البيت في القرى الأولى، حينما كان الرجل وقتها مشغولاً يؤدي مهامه في جلب الطعام من خلال الصيد أو جمع الثمار البرية، وما يُشير بوضوح الى هذه الفكرة، هو العثور في العديد من مواقع العصر الحجري الحديث في وادي الرافدين وأرض الشام وهضبة الأناضول وغرب أيران، على دمى أنثوية بولغ في ابراز وتضخين أثدائها وأعضائها التناسلية، أي رموز الجنس والخصوبة لدى المرأة، عُرفت بين الباحثين باسم "الآلهة الأم".

بالمقابل ظهرت أيضاً لكن في فترة زمنية لاحقة، ممارسة تقديس العنصر الذكري باعتباره الطرف الثاني من عملية الخصب، وكان ذلك خلال الفترة التاريخية المعروفة بـ"سامراء" الذي تتوضح معالمها وآثارها في مناطق شمال بغداد مع أواخر الألف السادس قبل الميلاد، والتي تُعّد فترة انتقالية بين العصر الحجري الحديث والعصر الحجري المعدني، حيث عثر في المواقع التي تُمثل هذه الفترة على دمى لحيوانات مُقرّنة، كانت تُعّد رموزاً للخصب مثل الثيران والوعول داخل بعض البيوت والمَزارات البدائية، كما عثر أيضاً داخل عدد من قبور النساء كما في مستوطنة "تل الصوان" بالقرب مدينة سامراء، على نماذج تجريدية للعضو الجنسي الذكري، معمولة من الحَجَر أو الطين.

ومن الممارسات الهامة التي ظهرت خلال "عصر سامراء" أيضاً، تلك المحاكاة الغيبية التي يمتزج فيها السحر بالدين، والمتمثلة بالرقصات الطقوسية التي كانت تُمارس آنذاك بشكل خاص من قبل النسوة، وتتم أما بشكل صف متواز تشابك الراقصات اياديهن مع بعضهن مع تحريك الأقدام والاجساد، بطريقة تشابه الى حدٍ بعيد الدَبكات العربية والكردية، التي مازالت تُمارس حتى اليوم بشكلٍ عفوي جميل كتعبير فني عن الغِبطة والفرح خلال الأعياد والمناسبات السعيدة، أو أن تتم تلك الرقصات بهَزّ شعور النسوة واجسادهن بطريقة مشابهة كثيراً لرقصات فتيات الغَجَر، كانت الغاية في الحالتين الالتماس من قوى الطبيعة أن تُهطل الأمطار عند انحسارها، حيث أن الزراعة البدائية في مناطق شمال بغداد كانت بطبيعتها دَيّمية، وانقطاع الأمطار يعني حلول القحط والمجاعة، وهذا ما وَضحته الرسوم والنقوش المُنفذة على الأواني الفخارية العائدة الى هذه الفترة، والتي صَوَّرت تلك الرقصات والى جانبها أشكال تجريدية مُحوَّرة لرمز الجفاف المُتمثلة بالعقارب، بالإضافة الى رسوم ونقوش أخرى، تُبيّن تزاوج الحيوانات البرية مثل الغزلان والأيائل والطيور، أراد الأنسان الرافديني من خلالها التعبير عن تفاصيل وجزئيات طقوس إحلال الخصب والنماء في الأرض، حيث أن الكتابة لم تكن معروفة بعد.

ويمكن اعتبار هاتين المُمارستين البدايات الأولى لفلسفة الخصب والنماء وازدهار الأرض، وبداية تصور آلهتها لدى الأنسان العراقي القديم، وفي ذلك أيضاً إشارة قوية الى بداية انتقال التوجهات والمفاهيم الدينية من الزعامة الدينية للعنصر الأنثوي الى الذكوري، والتي تَوضّحت بشكل كبير فيما بعد خلال فترة العصر الحجري المعدني عند الألف الخامس قبل الميلاد، بعد أن أدى تغيّر أسلوب إدارة وسائل الانتاج الى تحول السلطة الدنيوية بيد الرجل بشكل شبه مطلق، وذلك أثر انتقال العيش جنوباً والاستيطان في السهل الرسوبي من وادي الرافدين، نتيجة التَغيّر الجذري الذي حصل في طبيعة أساليب ري الارض، من الاستسقاء الدَيّمي المعتمد على الامطار الذي كان سائداً في السابق، الى الإرواء الاصطناعي السَيّحي المتأتي من مجاري الأنهار، ووجوب تولي الرجل هذه المهمة معتمداً على قوته الجسدية.

حينها أخذت الزعامات القروية الذكورية ذات العقلية القبلية الموروثة من الفترات التاريخية السابقة، تسيطر وتستحوذ تدريجياً على السلطة السياسية في المجتمعات الجديدة الناشئة، جامعة في يدها المكانتين الدينية الاعتبارية والدنيوية التسلطية، حيث غدت تلك الزعامات تمتلك دون منازع تلك السلطتين في مجتمعاتهم، مُعتمدة على مكانتها المعنوية والعائلية السابقة وقدرتها على السيطرة الفكرية، وبالتالي تسلطها وبسط نفوذها على القوى الانتاجية الفاعلة، من خلال قدرتها على إدارة وتوحيد الجهود البشرية والأيادي العاملة لاستصلاح الأراضي وشَق قنوات الري، كل هذا أدى الى تراجع دور المرأة في العملية الانتاجية وتقلصه تدريجياً، ثم انكفاءها في آخر المطاف للعمل داخل البيوت لمراعاة شؤون الأسرة فحَسب.

الآلهة
أخذت المعتقدات الدينية في وادي الرافين بالنضوج والوضوح في أواسط الألف الرابع قبل الميلاد، أي في فترة "الوركاء" التي شهدت ازدهار ونمو المدن فيها وحدوث ما يٌعرف بـ"ثورة الاستيطان المدني"، حيث ثبتت مُميزاتها بالرغم من بعض الاختلافات والتباينات الجزئية البسيطة، لكنها ظلّت محافظة في جوهرها طيلة الفترات التاريخية اللاحقة، كما بيّنت هذه المعتقدات أهم صفات ومُميزات آلهتها المعبودة، والتي كانت بدرجات متفاوتة، تباينت حسب أهميتها ودورها في حياة الناس، حيث فرض الواقع الاجتماعي الجديد مبدأ تقسيم العمل، وتوزيع التخصصات المهنية على سكان المدن كي تتم الدورة الاقتصادية داخل مجتمعها، ليَنجّر ذلك التحول الهام على عالم الآلهة كذلك وفق مُتغيّرات الواقع الانساني، حيث أختص كل إله بجانب معين من مقومات الحياة، فكان هناك آلهة ذات جانب روحي أو اعتباري، وأخرى عُنيّت بشؤون التعليم والثقافة والإلهام الفني والفكري، وآلهة لها طابع خدمي أختص بالمهن والحرف العامة، وأخرى أنيطت بها مهمة إدارة شؤون العالم الأسفل حيث مُستقر أرواح الموتى، كما كان هناك آلهة اكتسبت أهمية خاصة من الجانب السياسي بسبب الصراعات المُحتدمة بين المدن الرافدينية، بالمقابل كان هناك أيضاً آلهة بدرجات متدنية أبيح قتلها وأسالة دمها والتضحية بها من أجل تنفيذ رغبات كبار الآلهة، كما حدث مع الإله المسكين "كَنكَو"، الذي ذُبح وعُجن دمه مع الطين كي يُخلق منه الأنسان، حسبما ورد في أسطورة الخليقة البابلية "أينوما أليش"، التي كتبت في مطلع الألف الثاني قبل الميلاد.

ويتوضح من هذا التباين الإلهي كما حددته الفلسفة الدينية الرافدينية تماشياً مع طبيعة الحياة الجديدة، بأن مجتمع وواقع الأنسان الارضي ما هو في الحقيقة إلا صورة مُصّغرة لمجتمع الآلهة وواقعها في السماء، بكل تفاصيله وتناقضاته وبما يَحويه من غرائز وأهواء وطموحات، ومصالح متضاربة تؤدي أحياناً الى صراعات عنيفة بين طبقاته ومكوناته، وبهذا التفسير الفلسفي الذكي عَكسَ المفكر العراقي القديم، واقعه الاجتماعي والسياسي والطبقي الذي يعيشه في في عالمه الأرضي، تماشياً مع مبدأ تقسيم العمل الذي ثَبت وتَرسّخ مع تشييد المدن وغدا أحدى مُيزاتها وعلاماتها الفارقة.

وفق ذلك تصوَّر الأنسان العراقي القديم الآلهة قد توزعت في كيانين يفصلهما التمايز الطبقي لا الاجتماعي، كوّن الأثنين من نفس الجنس، ألا وهو "الألوهية"، الكيان الأول تمثله الآلهة السبعة الكبار المسماة "الأنوناكي"، التي تتحكم بمصائر وطبيعة الكون وتدير وتنظم أموره وكذلك توجهات بقية الآلهة الأخرى، وهم... "أنو" إله السماء.. "انليل" إله الهواء.. "أنكي" إله الارض والمياه العذبة السفلى.. "ننخرساك" إلهة النسل والانجاب.. "نانا"/"سين" إله القمر.. "أوتو"/"شَمَشَ" إله الشمس.. "إينانا"/"عشتار" إلهة الحب والحرب، وهؤلاء يمثلون تماماً الطبقة السياسية الحاكمة في الارض.

أما الكيان الآخر من الآلهة والمسماة "الأيكيكي"، فهؤلاء غير مُحددي العدد أو الأسماء، وهم بذلك يٌمثلون السواد الأعظم من الناس الدائمي السعي للمطالبة بحقوقهم المغبونة من قبل طبقة الآلهة العليا "الأنوناكي"، والذي وصل مسعاهم أحياناً لدرجة التمرد الثورة في سبيل ذلك، وهذا ما وضحه بشكل جَلي القسم الاول من أسطورة "الطوفان" البابلية لبطلها "أتراحاتسس"، التي دوّنت في النصف الأول من الألف الثاني قبل الميلاد والمُتعلق بعملية خلق الأنسان، وكيف ثارت هذه الآلهة ضد الإله "أنليل" وباقي الآلهة الأخرى، من أجل نيل حوقها ومساواتها مع باقي الآلهة، أي أن الفكر الرافديني قد صَوَّر لأول مرة في تاريخ البشرية فكرة الصراع الطبقي بشكل فلسفي ناضج ذو طابع ديني حتمته مرحلته التاريخية، مُميزاً إياه ببصيرة ثاقبة عن شكل الصراع الاجتماعي المُتمثل بطبقتين غير متساويتين اجتماعياً هما الاحرار والعبيد من اجل المُساواة الانسانية، كون الأول هو صراع من أجل العدالة في توزيع وسائل الانتاج بين طبقتين متساويتين في السُلم الاجتماعي، حتى وأن كان ذلك شكلياً، أذ أن الأثنين من صنف الآلهة (أي ضمن طبقة الاحرار في المجتمع البشري)، لكن التباين بينهما يعود الى الفارق الاقتصادي المتناقض، وهذا كله يجعل المُطلّع ينظر الى ذلك التشبيه المُبهر الذي صوره ببراعة متناهية الفكر الرافديني وكيف خلق تلك الرمزية الدينية في مجتمعه لغرض تثبيت حقوقه في هذه الحياة.

ومن خلال دراسة تطور المعتقدات الدينية في وادي الرافدين، يمكن أجمال صفات ومُميزات الآلهة التي وردت فيها وتجسدت في مفاهيمها بما يلي..

التجسيد... هو تجسيد القوى الطبيعية والأشياء المؤثرة في حياة الأنسان ومعيشته في هيئة آلهة تديرها وتسيطر عليه، وكان لكل من هذه الآلهة صفات خاصة ومسؤوليات معينة في الكون، وكذلك رمز وشكل معين في المنحوتات وصور الاختام الأسطوانية.

التعددية... نتيجة تعدد الظواهر الطبيعية تعددت بالمقابل الآلهة الممثلة لها، والتي أخذت بالازدياد تدريجياً بمرور الوقت، خاصة مع نشأة المدن وحدوث مبدأ تقسيم العمل فيها، حتى أصبح هناك عدد هائل منها، حيث أصبح لأبسط الوسائل المستخدمة من قبل الأنسان في حياته إلهها الخاص بها مثل الفأس والمحراث والميزان وغيرها، وقد أتخذ كل إله من هذه الآلهة مدينة معينة، لتكون مقراً له ومركزاً رئيسياً لعبادته، ليغدو الإله الحامي لها ولشعبها والراعي لمصالحها والمدافع القوي عنها.

التشبيه... وهو تشبيه الآلهة بالبشر في هيئتها العامة وحياتها وحواسها وعلاقتها الاجتماعية، لكنها تتميز عنه إضافة الى طاقاتها الخارقة وامكاناتها الغير محدودة بصفة الخلود، وقد ظهرت الآلهة في المنحوتات وصور الأختام الأسطوانية بهيئة بشر يَضعون على رؤوسهم التيجان المُقرّنة.

التفضيل... بالرغم من وجود العدد الكبير من الآلهة في فكر المجتمع العراقي القديم، إلا أنهم لم يكونوا بنفس القوة أو الأهمية في حياة الناس، حيث كان يتم تفضيل إله على آخر حسب أهميته وقوته ومدى تأثيره في حياتهم، وكان هذا التفضيل يَتباين من منطقة لأخرى ومن مدينة لثانية، حيث كان مركز المدينة السياسي هو الذي يحدد أهمية وقوة إلهها، وكان الاعتقاد الراسخ هو أن الصراع بين المدن الرافدينية هو تمثيل لصراع آلهتها الحامية، حيث كان يذكر دوماً في النصوص المسمارية عند انتصار مدينة على أخرى في الحرب، بأن إلهها قد غلب إله الثانية وأخضعه لسلطته.

مجلس الآلهة... صَوَّرت المعتقدات الدينية الرافدينية بأن الآلهة كانت تعيش في السماء في مجتمع تحكمه قوانين ونُظم وضوابط، وبهيئة مجلس كبير يقف على رأسه زعيم الآلهة يُساعده عدد كبير منها، وكان هذا المجلس هو الذي يحدد مُجريّات الكون وواجبات وسلوك ومصائر البشر، بالمقابل كان هناك آلهة مقرها العالم الأسفل (عالم الموت)، لإدارته والسيطرة على البشر الموتى وكذلك المعاقبين من الآلهة الأخرى، ويُساعد في حراسة ذلك العالم عدد كبير من العفاريت والشياطين.

وكما سبق التنويه فقد بيّنت المعتقدات والأفكار الدينية الرافدينية، أن كل إله قوي يتمتع بسلطة ونفوذ بين باقي الآلهة كان له مدينة خاصة به يَتسيّدها، تعتبر مَقر أقامته ومنها يمارس سلطته الإلهية، ويكون سيّدها وحاميها وراعي مصالح سكانها، وله فيها معبد مخصص له يُمثل مسكنه على الأرض، يرَوّج فيه لجبروته وقوته ومكانته، وباسمه ووكالة عنه يقود حكام هذه المدينة رعيّتها، ووفق هذا المنظور تم تحديد مهام الآلهة ومدى قوتها وسطوتها وتسلسل مقاماتها حسب ذلك، أي استناداً الى القوة الاقتصادية والسياسية لكل مدينة، أي اعطاء الآلهة قدسية ومكانة معينة تتناسب مع نفوذ مُدنها ومدى قوتها وسطوتها.

وكان من أهم الآلهة المؤثرة في المجتمع الرافديني التي أوردتها النصوص المسمارية...
"آنو" إله السماء، وهو أبو الآلهة وكبيرها، ومقره مدينة "أوروك".. "أنليل" إله الهواء، وهو أقوى الآلهة وزعيمها الفعلي، ومقره مدينة "نيبور".. "أينكي" إله الأرض والمياه السفلى، وهو الحكيم المدافع عن الأنسان ومقره مدينة "أريدو".. "أينانا"/"عشتار" إلهة الحب والخصب والحرب، ومقرها مدينة "أوروك".. "أوتو"/"شَمَشَ" إله القانون والعدل، ومقره مدينة "سبار".. "نابو" إله العلم والمعرفة ومقره مدينة "بورسبا".. "نانا"/"سين" إله القمر ومقره مدينة "أور".. "ننكَرسو" إله دويلة "لكَش" ومقره في مدينة "كَرسو".. "مردوخ" كبير آلهة البابليين ومقره مدينة "بابل".. "آشور" كبير آلهة الآشوريين، ومقره مدينة "آشور".. أريشكيكَال وزوجها "نركَال" إلهي العالم الأسفل... كما كان هناك العديد من الآلهة الأخرى التي تَتوزع عبادتها في عموم مدن وادي الرافدين.

وإضافة الى تلك الآلهة والعديد غيرها، ظهر في المعتقدات الدينية الرافدينية ما يُعرف بـ"الإلهة الشخصية"، التي تعود بدايات فكرتها الى فترات موغلة في القدم عند نشأة التصورات الدينية البدائية، ثم ترسّخها في عقلية الأنسان الرافديني مع نشوء قراه الزراعية الأولى، ليستمر اعتناق مفهومها مع المتغيّرات العديدة التي أضيفت عليها طيلة الفترات التاريخية اللاحقة، حيث أتخذ كل أنسان لنفسه في فترات حياته الأولى إلهاً خاصاً به، يُمثل بالنسبة اليه شيئاً حسّياً لا يَشعر به سواه ولا يُحدد طبيعته غيره، يبّث له معاناته ومخاوفه وهُمومه، ويَستمد منه القوة والعَزم، ويدعوه لعونه عند الشدائد والمُلمات، ويكون بمثابة حارس وحامي له ولعائلته، ومُرشد لتوجيه حياته ومُلهم لتفكيره في الحياة الدنيوية وبنظرته نحو الموت، وكذلك يكون وسيطاً شفيعاً بينه وبين الآلهة الكبيرة، ويمكن ملاحظة تلك الآلهة في المشاهد التي صورتها الأختام الأسطوانية، العائدة الى فترة العصر البابلي القديم في مطلع الألف الثاني قبل الميلاد، حيث أظهرت أشكال العديد منها وهي تمسك بأيادي أحد المُحتمين بها لأجل تقديمهم الى إله أكبر وأعلى منزلة وسطوة، من أجل نيل رضاه، وتقتضي الإشارة هنا الى حالة الشبه الكبير بين حالة تقديس "الإلهة الشخصية"، وظاهرة التقرب والتخضع الى القديسين والأولياء والاتقياء المعصومين في وقتنا الحاضر، الذين يتخذ منهم بسطاء الناس وعموم المُتعبين والمظلومين شَفيعين لهم عند الذات الإلهية.

نضوج الفكر الديني
في مطلع الألف الثالث قبل الميلاد أخذت المعتقدات والأفكار الدينية في وادي الرافدين تنحى منحاً وتوجهاً جديداً، بسبب التطور الاقتصادي السريع في البلاد، الذي أدى الى أتساع المدن في قسمها الجنوبي، ونمو الإدارات السياسية فيها وتحديد أماكن نفوذ كل منها، من خلال سيطرتها على الأراضي الزراعية الخصبة ومصادر الإرواء، إضافة الى تَغيّر وتعدد أشكال وسائل الانتاج وتنوع أساليب إدارتها، حيث ازدهرت الحركة التجارية والأشغال الحرفية أيضاً، وكذلك ظهور وتسلط الطبقات المترفة المتمثلة بطبقة الأقطاع التي سيطرت على المشهد العام في المجتمع الرافديني، وهنا أخذت المصالح الاقتصادية تلعب دوراً أساسياً في توجيه الفكر الديني بما يتوافق مع تلك المصالح والمُتغيّرات الجديدة، بعد تحول هدف الوجود الحياتي لمجتمعات المدن من مبدأ "الاكتفاء الذاتي" الى مبدأ "الأثراء الاقتصادي".

ورغم تشعّب تلك المعتقدات والأفكار وتنوع أغراضها، بسبب طول مَسيرتها الزمنية، وكذلك أثر التحولات الكبيرة التي حدثت في واقعها السياسي والاجتماعي والاقتصادي، بالإضافة الى تنوع الاقوام التي تعايشت ضمن جغرافيتها، والتأثيرات الفكرية المتبادلة بينها والبلاد الأخرى، إلا أنها تَمَحّوَرت ضمن العقائد الأتية... عقائد نشأة وتنظيم الكون وخلق الأنسان، عقائد الآلهة، عقائد الموت والخلود، عقائد الخصب والنماء، عقائد الاعياد والمآتم، عقائد الطقوس والشعائر الدينية.

وقد توَزعت أفكار هذه العقائد في الكتابات والمدونات الدينية ضمن الأنماط التالية...
1- الأساطير.. وهي بعدة أنواع..
أساطير الخليقة والتكوين، أساطير تنظيم الكون، أساطير نشوء الآلهة وأعمالها وبطولاتها، أساطير خلق الأنسان، أساطير الفناء والكوارث، أساطير الموت والانبعاث.
2- مدونات الطقوس والشعائر الدينية والأعياد
3- مدونات التراتيل والأدعية
4- مدونات السحر والعرافة والتنجيم
5- مدونات تفسير الأحلام

ويمكن أن نفهم من مضامين هذه المُدونات وما حوَته من فكر فلسفي كُتب بأسلوب رمزي عميق، تصوّر الانسان الرافديني لواقعه الديني الموروث، الذي وجد نفسه يعيش ضمن اطاره، ويتصرف وفق قيوده الفكرية المفروضة عليه، بما فيه من رؤى لحياته ومَماته والكون الفسيح المُحيط به، وذلك من خلال نظرته الى الآلهة ومَهامها وتأثيرها في حياته، وكذلك المُمارسات والطقوس التعبدية التي كان يتطلب منه القيام بها لبيان تسليم أمره لسلطتها، والتي تعني خضوعه الغير مباشر للسلطة السياسية ذات الطابع الديني التي تدير شؤون مجتمعه وفق إرادة أفراده أو دونها، كونها ممثلة عن السلطة الإلهية في السماء، ومن خلال هذه الحركة التفاعلية بين الآلهة والبشر تَخيّل أبن الرافدين أن الكون يحوي ثلاثة عوالم مختلفة متناقضة، لكل منها مجتمعها الخاص وسلطتها التي تُدير شؤونها، وهذه العوالم هي.. عالم سَماوي يُمثل موطن الآلهة الخالدة، وعالم أرضي يَكدح فيه الأنسان الفاني من أجل أعماره نيابة عن الآلهة، والعالم الأسفل الذي يذهب اليه البشر بعد موتهم حيث تسكن أرواحهم هناك الى الأبد.

ومن بين العقائد الدينية التي تركت أثراً عميقاً في النفس البشرية الرافدينية، وأخذت حَيّزاً بارزاً في الفكر والأدب العراقي القديم، هي "عقائد الموت والخلود"، حيث ترسّخت من خلالها لدى فكر الأنسان العراقي القديم مع تتابع الأجيال، قناعة صعبة وقاسية تتمثل بحتمية الموت والفناء واستحالة الخلود، الذي احتكرته الآلهة لنفسها فقط دون سواها، مما جعل هذه العقائد تحدد الكثير من سلوكياته ومفاهيمه وتطلعاته لمستقبل حياته، حتى يمكن القول أنها قد أثرت بشكل سلبي على انجازاته وما خلفه من إرث حضاري مادي، رغم عظمة ما تم كشفه حتى الآن، قياساً لموروثه الفكري الخالد الذي عَجزت أن تضاهيه أي مفاهيم فكرية أو أخلاقية في جميع حضارات العالم القديم، ولاتزال مادته حتى اليوم آخذة بالتجدد لتضاهي حتى ما يرد من أفكار عصرنا الحديث، فتبدو لمن يطلع عليها كأنها كتبت بالأمس القريب فقط.

حيث رفع الأنسان العراقي القديم من ذهنيته وتفكيره بشكل مطلق وجود حياتين يُفترض أن يعيشهما، وما يتبعهما من فرضيتي العقاب والثواب، لتثبت في عقليته القناعة المطلقة بوجود حياة واحدة فقط، تبداً بالولادة وتنتهي بالموت، وأنه يحيى ما بين هاتين الحقيقتين الأزليتين المتناقضتين، لذلك عليه أن يعيشها بكامل أيامها مُتقبلاً واقعها أياً كان شكله في عالمه الأرضي الواقعي الذي وهبته الطبيعة إياه، بما فيه من سلبيات وايجابيات، ولم يُمّني النفس أبداً بعالم آخر خلقته الآلهة ليعيش فيه الى جوارها بعد أن يحين أجله، بل أن يذهب بروحه من دون الجسد الى ذلك العالم المخيف الذي تحرسه الشياطين، وتحكمه إلهة الموت القاسية "أيريشكيكَال" وزوجها الإله "نركَال"، ذاك العالم الذي يُدّعى "العالم الأسفل"، ويُسمى بالسومرية "كورنوكَي" وبالأكدية "أرصة لاتاري"، اللتان تعنيان "أرض اللاعودة"، ليغدو هذا القدر مكتوب على جميع البشر دون استثناء بغض النظر عن مكانتهم وسلطتهم وقوتهم في الحياة الفانية، حيث يكون طعامهم هناك الطين والتراب فقط.

ولا يمكن فهم وأدراك هذه الحقيقة وكيفية ترسّخها في عقلية وذهنية الأنسان العراقي القديم، إلا من خلال فهم طبيعة واقعه البيئي والاجتماعي والاقتصادي، والظروف العامة التي أحاطت حياته، وطبيعة الارض الجديدة في سهل الرافدين الجنوبي التي شَيّد عليها أولى مدنه وجعل منها مَهداً لحضارته، والتي من خلال تأثيرها فيه جعلته يُصوّر ويُبلوّر افكاره الدينية بمقتضاها، حيث كانت قساوة تلك البيئة الموحشة القاسية بحيواناتها المفترسة وعواصفها الرملية، والمتناوبة بين قحط وجدب بسبب شح المياه محدثة المجاعات تارة، الى خير وفير في الغلة الزراعية نتيجة وفرة المياه تارة أخرى، ثم الى فيضانات مُدمرة تُهلك الأرض ومن عليها في أحيان كثيرة أخر، قد طبّعت شخصية أبن الرافدين بنفس صورتها المتناقضة المُتطرفة تلك، حيث أمتلك ازدواجية غريبة تكاد أن تكون أزلية، قطباها عنصر الخضوع وعنصر الثورة، تَجسّدت في شخصيته المتناوبة بين قسوة وغضب الى سَكينة وصفاء، وأجبرته أن يكون عُنصراً متفاعلاً مع تلك البيئة، والعمل بديناميكية متصاعدة لكبح جماحها، ليتطور ذلك التفاعل ويغدو بهيئة صراع مُحتدم أخذ في معظمه شكل العنف، بين إرادة تلك البيئة الصعبة وبين تطلعاته الرامية لأنشاء مجتمعه وكيانه الخاص، والتي كانت تنتهي غالباً ليس في صالحه أو صالح أمنياته وطموحاته.

ونتيجة لذلك غدا هاجس الموت والخوف من المجهول، هو الغالب والمسيطر على مخيلة الأنسان العراقي القديم، مُتخيلاً كل ما هو آت مع قادم الأيام تَتجسّده صورة الفناء، بعد أن عرف مُسبقاً كيف ستكون خاتمة الاشياء وتناقضات أقدارها، ليتخذ من الماضي البعيد محطة لاستراحة مخيلته، وحُلماً لعصر ذهبي يتغنى بزهو ذكرياته، جاعلاً من فسحة الأزمان السالفة حياة جميلة لن تتكرر أبداً، ويتوضح ذلك بشكل بَليغ في النص الأدبي المتأتي من الألف الثالث قيل الميلاد، والمعروف باسم "الفردوس السومري"، وفيه تصوير مُعبّر عن ذلك الماضي، حيث كان عصر سعادة كاملة للإنسان.. (في سالف العصور، لم يكن وجود لحية أو عقرب، ولم يكن وجود لضبع أو أسد، ولم يكن وجود لكلب وحشي ولا لذئب، ولم يكن هناك خوف ولا فزع، حيث الطير يزقزق في الأعال، والحمامة لا تحني رأسها، ولم يكن للإنسان من منافس في أرضه، فالعجوز لا تقول أبداً أنها هَرَمت، والشيخ لا يقول أنه طاعن في السن، والمنشدون لا يرددون قصائد الرثاء، وفي طرف المدينة لا يوجد ندب ونواح).

لذلك ورغم حتميه هذا القدر المُحزن الذي رسمه شعب النهرين في مخيلته، تراه قد وَهَب حياته لواقعه الآني، وأدام سَعيه الدؤوب لرقيه وتألقه، لكنه بذات الوقت ظلَّ مُكبّلاً بهاجس المعاناة وصورة الحزن القاتمة التي طبّعت شخصيته، مُقيدة تفكيره الحالم بجمال الحياة وفرحها، بعد أن عَرَف الخاتمة الحتمية لسوداوية مستقبله، وهذا تماماً ما قاله "أوتونبشتم" الأنسان الوحيد الذي مَنَحته الآلهة الخلود بعد حادثة الطوفان الشهيرة، وهو يبرر جَدليتي الموت والحياة للبطل "كلكَامش" لدى وصوله إليه وهو بطريق بحثه عن سر الخلود.. (أن الموت قاس لا يرحم.. هل بنينا بيتاً يقوم الى الأبد؟ وهل ختمنا عقداً يدوم الى الأبد؟ وهل يقسم الأخوة ميراثهم ليبقى الى آخر الدهر؟ وهل تبقى البغضاء في الأرض الى الأبد؟ وهل يرتفع النهر ويأتي بالفيضان على الدوام؟ أن الفراشة لا تكاد تخرج من شرنقتها فتبصر وجه الشمس حتى يحين أجلها، فلم يكن دوام وخلود منذ القدم، وما أعظم الشبه بين النائم والميت، ألا تبدو على الأثنين هيئة الموت؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يُميّز بين العبد والسيد إذا وافاهما الأجل؟ أن الآلهة العظام حين قَدّرت المَصائر بين الموت والحياة، أبقت على الموت سراً لم يَكشفوا عن يومه).

ولعل أبلغ ما قيل لوصف هذه الحالة المُحزنة، ما أورده عالم المسماريات " ثوركلد جاكوبسن" وهو يقارن ما بين فلسفتي حضارتي وادي الرافدين ووادي النيل.. (لو قُدّر للمصري القديم أن يعود الى الحياة اليوم، فأنه سوف يُسَر لمرأى أهراماته الفخمة وهي لا تزال باقية بنفس شُموخها مُتحدية الأزمان والدُهور، لأنه كان يؤمن دوماً بخلود المنجزات المَلموسة، بنفس الوقت لو عاد العراقي القديم أيضاً الى الحياة، لما أضطرب كثيراً أو أبتأس لمرأى مبانيه وقد غَدت رُكاماً مَنثور، ومُدنه مُجرّد كثبان وتلال من الرمال ليس لها أية معالم، لأنه كان يعرف مُسبقاً بأن الأنسان أيامه معدودة وحياته زائلة غير مُخلّدة، وأن كل ما يصنعه أو يبنيه أو ينجزه في الحياة سيذهب يوماً ما أدراج الرياح).
 


المصادر:
_ فاضل عبد الواحد علي ... سومر أسطورة وملحمة ... بغداد 2000
_ فاضل عبد الواحد علي ... الطوفان في المراجع المسمارية ... بغداد 1975
_ فوزي رشيد ... ظواهر حضارية وجمالية من التاريخ القديم ... دمشق 2011
_ ماريو ليفراني ... أوروك أولى المدن على وجه البسيطة ... ترجمة/ عزالدين عناية ... أبو ظبي 2012


Bibliography:
_ D. Lambert … Prehistoric Man … LONDON 1987
_ F.C. Howell … Early Man … HARVARD 1968
_ H. Frankfort (And anther) … Before Philosophy … CHICAGO 1959
_ J. Cambell … The Masks of God … NEW YORK 1959
_ S. N. Kramer … Sumerian Mythology … PHILADLPHIA 1944












 

* باحث آثاري

 

 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter