|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الجمعة  1 / 9 / 2023                               د. حسام آل زوين                                  كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

منهم أُسـتمد العـزم

د. حسام آل زوين
(موقع الناس)

لم يخطر على البال يوما بان تتسلل عبر حـدود وطنـك خروجا او دخولا وتخترق حدودا اخرى وان تواجه الصعوبات او حتى الموت ، قالها احد الانصار والذي دخل عقده السادس ؛ عبرنا الحدود وهـدير نهـر دجلـة الجارف بوسائل لم تخطر في البال ولم تخضع حينها لتصويرالاقمارالاصطناعية بفضل حنكة ابو محمود ومساعـده ابو حسن ، فتيممْنا بطمي النهر وتراب الوطن ، لحظات والمفرزة فوق الجرف وفي هذا الهزيع من الليل تعصر ملابسها ، تلملم نفسها ، تقطع الطريق الدولي لتسير بقافلة صوب الجبل الابيض بعد ان مكثت غاطسة في مستنقع لغرض الاختفاء والتمويه من الطيران الذي ظل حائما فوقنا من العصر حتى الغروب ، وما ان وصلت المفرزة فاذا بقطع جبلي امامك يغلق عليك النفاذ كان العالم قد انتهى ، ماعـز أسود وابيض يتقافـز من حولك وبرد يقص الظهر. بهذه الحالة من التعب والارهاق ، اشار قائد المفرزة ليس لنا خيارا الا المكوث في الاعالي فهناك مغارة (شكفته) وما ادراك ما الاشكفته ، الاشكفته غار مفروش ارضيته من بعرورالماعز وفضلات الحيوانات والقراد والدود واغصان متفرقة هنا وهناك ورائحتها كانها مقصب المدينة فكانت هي المأوى ، الحافز الذي اوصلنا لهذا المكان العالي هو ضحك وسخرية الشهيد ملازم جواد يقول ؛ ان امي تظن بانني الان انام على وسادة مطرزة ، ماذا اقول لها ؟ . قضينا ليلتنا بقصف يكاد يفجر طبلات الاذان .

مبكـرا منذ الصباح والمفرزة عاودت المسير والتجوال بالجبال واكتافها المغطاة بالاشجار والخضرة والزهـرالاحمر والاصفر والندى وبالوديان بانهارها وهديرها والسواقي ورقراقها ، ومن السفوح تلوح للناظر اديـرة بيضاء بانعكاس ضوء الشمس عليها ، تقفز للمخيلة تصورا وكأن كازانتزاكـيس الروائي اليوناني يمكث فيها يخط مخطوطته الاخوة الاعـداء وبنهايـة الوادي يستريح جيفــارا يدخن سيكاره مع رفاقـه وسوف يكون معهم اللقـاء . ويذكر ؛ وما هي الا ساعات معدودات وصلنا قاطع بهدينان حيث كان الملتقى واللقاء ؛ مع رفاق ووجـوه طيبة قريبة وبعيدة مرت خلال محطات العمروالـذاكـرة ؛ ذلك ابو بدر الطبيب (ببيريته الجيفارية) ورفاق اخرين مثله ؛ ورفاق حزب واصحاب واصدقاء وزملاء من الريف والمدينة والمدرسة والجامعة والجيش والمحافظة والعمل من بغـداد، البصرة ، الناصرية ، الحلة ، الديوانية ، العمارة ، الرمادي ، بعقوبة، دهوك ، اربيل ، السليمانية ؛ متأبطين بنـادقهم ، واخـرون تركـوا كل غـال ونفيـس وتركوا كل ملـذات الـدنيا واستجابوا لنـداء الحزب والوطن ، كيف أتوا ! ، ومن أتى بهم !. فجأة تنتصب امـامك قامة قائـد بطل اسطوري متسلح احمرالوجه طيب ابو جـوزيف تومـا توماس ، وبجـواره مسؤول حزبي بهيئته الوسيمة من منطقة الفرات الاوسط ؛ ابو سـامي (د. كاظم حبيب) ، ونظراتهم تتفحص القادمين ، والاداري ابو تحسين ، ورفاق سـمرٌ ورفيقات من الجنوب والوسط واخريات كانهن راهبـات للتو نزلـن من تلك الاديـرة الجبلية.

ويستذكر صاحبنا النصير ؛ لم يمض يوما او يومين بعد عناء الطريق ، الا وصوت الطيران يطرق الاسماع يدوي في الجبل ، انزال الجندرمة الاتراك على قمم مشرفة على القاطع ، هب الفتية الانصار لصده ، قاوموه بما امتلكوا من قـوة وعزيمة ولغرض تغطية عملية الانسحاب ، انسحبت المجموعات المتصدية ، وبقيتُ والملازم جواد وثالثنا البغل عند خيمة الدوشكة ونحن في حيرة لانزالها ، نزل العنـاد على صاحبنا البغل في هذه اللحظات ، خاطبه جواد بلهجة عتاب ، فحـرن ولم يرأف لحالنا وتعبنا ، فمزقنا ما احتوت الخيمة وفككنا الدوشكا على عجل وحملناها على الاكتاف نزولا ، فكان ملازم جواد في المقدمة لطوله وعرض كتفيه حاملا مخزنها وكنت خلفه حاملا (السبطانة) على الكتف واقـود صاحبنا البغل باليد الاخرى ، ونحن بهذه الحالة وكهكهات ملازم جواد الغير متناهية عالية يتردد صدها من قطع الصخر.

توقف اطـلاق النار وانتهى الانزال ، والتحقوا بنهاية الفجـر مع التائهين منهم ملازم سلام العبلي والطبيب البيطري باسل السماوي الذي سقط متألما من القطع الصخري اثناء المواجهة مع الاتراك. بعد استراحة توجهت المفرزة الى الفوج حاملة بالسدية ابو سـرور(ابوالحشيش) وملازم باسل ، وبوصفه يقول ؛ كأننا قوافل السبايا وحيث حتى البغال لا تجـد طريقها . وبعدها من هناك التوجه الى بشتأشان قاطعة انهارا ووديانا ، عابـرة بالحبل نهـر الشــين (اعبـرانت وربك ياموسى) ونقطة نهاية العالم المخيف (عادل بك) عالم القجقجية ، ومنها بين منحنى الحدود وبين كمائن الجندرمة الاتراك التى لاترحم ، وقرى مهجورة محروقة وصولا الى الوادي المقدس حصاروست والبقاء فيه ، حيث مقـرالســرية وبطلها الاسطوري خضر كاكيل ، تحيط بالوادي جبال حصاروست وقممها التى لا تزال مغطاة بالثلج . اية قـوة واصرار ملكتم ! .
هذه ارض الوطن ، وهذه حصاروست الجميلة وقراها ومزارعها واناسها الكرماء الطيبون والذين نالوا العذابات والتهجيرمن قبل نظام مجرم لم يرحم ولم يرح مواطنيه. المقـر قـاعـة متروكة تجمعت فيها اعـداد غفيرة من البيشمركة ومنهم فتية من الشباب وفتيات بعمرالزهـور قـدموا من داخل المحافظات ، اختلطت الوجوه ، حيث انطبعت صور بعضهم ومن المعارف في الذاكـرة منذ سنين .

ويقول ؛ نزلنا من قمة شاخ رش المشرفة على مجمع سـديكان بعد انتهاء مهمة الاستطلاع والمراقبة مع النصيرالملازم فـائـز للتوجه الى مقر السريه وفي بداية الطريق تجمعت حلقات حلقات من الانصار بملابس مهترئة وعيون محمرة كانها لم تنم وللتوقد خاضت معركة قاسية ، لم يعرف ماذا حدث وماذا يدورمن حديث، ترددت الى السماع تسميات ؛ بشتأشان ، قنديل .. شـق طريقه الى التقرب منهم ، ترددت الاسماء بين السؤال والجواب والنفي والتأكيد .. استشهد محمد فؤاد ، اسرت احلام ، استشهد ابو تيسير ، من ابو تيسير !؟ ، كيف ذلك هل اوصلوا له كاسيت تسجيل صوت ابنه الذي تركه قبل اشهر في البيت الاخضر طفلا يحبو!، هل هو صديقي سـمير بعينه ؛ رفيق الغـربة ، يالهول المصيبة ، كما الوعـد اردت الالتـحاق به ، لاتصدق هذه الاخبارفقد تكون مشوشة ! . تجمع الانصار في السرية ، وتيقن من تتبع الاخبار من كل مصدر، انها كارثة حلت بالحزب وانصاره في بشتأشان ، سالت دماء طاهرة لشبيبة اتت من كل بقعة من ارض العراق لرفع السلاح بوجه اعتى النظم قساوة وظلما وهمجية وشـراسة. كانت صدمة كبرى والم اثرت على مجمل الوضع النفسي لفترة طويلة من تواجده .

لمه اقتتال الاخوة ابناء الوطـن الواحـد .
ويقول ؛
دستُ على الجرح وضمدته واستقمتُ .

لملم الانصارالشباب قواهم ، ولم تهزهم وتهزمهم المصائب ولم تثنيهم الجراح بل ازدادوا عزيمة واصرارا بالمضي في النضال بتحقيق ما يصبو اليه الحزب في بناء وطن تسوده مفاهيم العـدالة الاجتماعية ، ونهض الحزب مرة اخرى بفضل تظافـر جهودهم وبنكران الذات . دبت حركة الحياة من جديد في الانصار والحق يقال بانها تمثلت بجهود واصرارهذه الشبيبة بعمر الزهـر والتى لا تعد ولا تحصى من بنات وابناء العراق ، عندما تنظرالى عيونهم الجميلة تراها تفيض بالامل والعزيمة والاصرار ؛ وهي التى قد حثت وحفزت من هم اكبرعمرا منهم واصبحت مثلا يحتذى بهم (مخلص ، ابوحاتم ، سركوت خضر كاكيل ، بوتان كريم احمد ، وجبارأسعد خضر، دكتورعادل ،عمـار، سعيد رش ، محمد شاه مـراد ، ابو تغريـد باسل الطائي ، حسن بلبل، عباس ، اوميد وغيرهم الكثير ومن المجهولين ، احلام ، باسمة ، نسرين ، ناديا، تانيا، فاتن ، ليلى ، سـمر، استيره ، بهار وغيرهن الكثيرات ومن النصيرات المجهولات اللاتي سطرن اعظم اساطيرالتضحية والايثار)، هذه الشبيبة هي التى قهرت صعوبة وقساوة الجبال فمنهم أُسـتمد العزم والموقف والدرس والشجاعة وكلهم صور رائعة جميلة من الرفيقات والرفاق في التضحية والايثار والعـزيمة والغيرة والبسالة والشهادة وهم سـر وديمومة وبقاء الحزب ، ويبقى الحب لهم ولكل شهيد في القلب .

لقد شهدت السماء وملائكـتها وبكت دماً لكم وتصلـد صخرالجبال من شجاعتكم .

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter