|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الثلاثاء  13 / 8 / 2013                                             حامد كعيد الجبوري                                         كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

( الخيط والخويطات )
الباقلاء أكلة شعبية

حامد كعيد الجبوري

ربما الكثير من العراقيين لا يعرفون إلا عادات وطقوس محافظاتهم ، والقلة منهم يبحث في التقاليد المجتمعية للمحافظات الأخرى .ومن التقاليد الحلية التي أدركناها (أكلة الباقلاء) كوجبة أساسية للفطور ، ومن الطريف ذكره أن الباحث السيد هادي كمال الدين رحمه الله ألف كتاباً بعنوان (مداعبات) عام 1949 م ضمنه قصيدة (أرجوزة) عن دعوة الدكتور (يوسف عبود) الحاصل على شهادة الدكتوراه في الكيمياء من (ألمانيا) بعد عودته لبغداد مجموعة من أصدقائه - أدباء وعلماء ورجال ساسة وأساتذة جامعات - لوليمة في داره ، وكانت المفاجئة (أكلة الباقلاء) وما يرافقها من مستلزماتها ، والحليون متمسكون بمثلهم الشعبي الذي يقول (باكله ومذهبها وياها) ويعني ذلك أن صحن الباقلاء لا تتم فروضه ما لم يقدم معه (البصل) والبيض المقلي ، وحينما يتمازح العراقيون مع أصدقائهم الحليين - طلاب جامعة ، موظفون ، عسكريون - فيقولون لهم (خيطك) ؟ وتأتي إجابة الحلي (مثل خيطك) ، وإن أحس بسؤاله سخرية ما ، تأتي إجابته (مثل أخويطاتك) والفرق واضح وجليٌ بين الإجابتين ، ولتوضيح ما أُلبس بهذا الخصوص الخيط والخويطات ومما أتت نقول ، أيام زمان - متحدثاً عن الحلة - والناس لا يملكون شيئاً إلا قيمهم التي تربوا عليها ، و هناك عدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة ممن يملكون قوت يومهم ،والقلة أيضاً يتناولون الفطور ، وأغلب العوائل الفقيرة – وباعتزاز أنا منهم – فطورهم (استكان شاي) وقطعة من خبز شريف ، وبما أن الحكومات المتعاقبة لم تكن توزع مفردات الحصة التموينية ومنها الطحين فأغلب العوائل تشتري ( طحينها ) من أصحاب المحال التجارية ، وبما أن هؤلاء أصحاب المحلات هم أنفسهم يشترون الحنطة من مصادر شتى وبنسب جودة متفاوتة ويلجئون لأصحاب المطاحن البدائية لتصنيعها ، أذن فهي تتفاوت في جودتها تبعاً لنوعية الحنطة المشتراة ، ولأن الناس مختلفون بأرزاقهم فمنهم من يشتري الطحين الدرجة الأولى والأخر الثانية وهكذا ، أما القلة الميسورون فطحين عائلتهم من الدرجة الأولى ، وبما أن الجميع يذهبون صباحاً لبائعة الباقلاء التي سهرت ليلها لإنضاج باقلائها ، ويتحلقون حولها ، صبية وشباناً ، وكباراً من الرجال والنساء وكل يريد أن ينجز مهمته قبل الأخر ،فتطلب صاحبة قدر الباقلاء من المشترين منها أن يُعلّموا أرغفتهم بخيوط نسيجية للتعرف عليها من قبلهم بعد أن تضعها بقدرها الكبير ، وهنا يبدأ السؤال منها ل(معاميلها) قائلة لهم (خيطك) ؟ فيأتي الجواب من هذه الصبية أو الصبي (أحمر) فتعطيها أرغفتها المبلولة(المنقوعة) بماء الباقلاء مع كمية من الباقلاء الناضجة ، وهكذا للبقية بألوان الخيوط المختلفة (أبيض ، أسود) الخ ،وكثيراً ما تحدث منازعات بين المشترين لتشابه الخيوط ، مما أضطر صاحبة الباقلاء ابتكار طريقة للخيوط المتشابهة بإضافة خيط آخر بلون آخر حسماً للنزاعات غير المرغوبة فيها صباحاً ،والسؤال كم يدفع المشتري من الباقلاء من مال لصاحبة القدر الكبير من الباقلاء ، وهنا نعود كما أسلفنا حسب الحالة المادية فمنهم من يدفع (عشرة فلوس) ومنهم من يدفع (العانة) - عملة نقدية استخدمت قبيل ثورة 1958 الباسلة - ومنهم من يدفع (فلسان) والفقير المعدم يدفع (فلس) ، وكل هذه الاختلافات في العملة تؤل للكمية التي سيحصلون عليها من حبيبات الباقلاء الناضجة كل حسب ما دفعه وبتقدير صاحبة الباقلاء ، والى هنا أنجزت المهمة الأولى ، تعقبها مهمة أخرى تنجز في بيوت المشترين وكما أسلفنا حسب الموارد والإمكانيات المادية ، فمنهم من يضع عليها (الدهن الحر) المستخرج من الأغنام وهو الدرجة الأولى وأقله المستخلص من حليب (الماعز والأبقار والجاموس) ، ومنهم من يضع عليه (دهن الأخشاب) – دهن الراعي أو ما يشبهه من الذي يتوفر آنذاك في الأسواق - كما تسميه العامة من الناس وهو للفقراء ، والأغنياء طبعاً يستخدمون دهن الحر والبيض المقلي ويرش على الباقلاء مادة نباتية مطحونة تسمى (البطنج) ، وهو نبات طفيلي ينبت على السواقي أقرب نكهة وطعماً من (النعناع) ، لم أسمع أو أقرأ لأحدهم أن الرجال مارسوا هذه المهنة ، ولا ضير من أن يساعد الرجل زوجته لإتمام عملية (سلق) الباقلاء ، نعم أستخدم الرجال هذه المهنة – بيع الباقلاء – ولكن بعربة تدفع يدوياً ، وبالطبع فأن المشتري لها توضع له بآنية فخارية صغيرة ويضاف لها الخل ويرش عليه شئ من ( البطنج ) ، والباعة الذي أعني يجوبون طرقات الحلة وأزقتها عصراً قرب المقاهي الشعبية لبيع باقلائهم ، وبداية الليل يذهبون قرب النوادي الليلية لبيع الباقلاء لرواد الليل ، وما ألذها مع الشراب الذي يحتسى ،لم نعد نرى في فيحائنا الحلة هذه العادات وأستعيض عنها بمحلات مزججة جميلة تستقطب المتذوقون لهذه الأكلة الشعبية أن لم تطبخ في بيوتهم أو من يستثقل عملية إنضاجها الشاقة .

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter