من سمات الدولة المدنية: عدم استحواذ الجيش أو رجال الدين عليها، واستقلالية القضاء المستوعب لتراكم الخبرة الإنسانية في تقاضي المواطنين، ومع سلطات الدولة، وبين سلطات الدولة، بضمان حقوق المواطنة بدون أي تمييز.
وشهدنا طيلة ارتقاء البشرية سلطات تحت شعارات براقة رائعة، لكنها في الممارسات العملية تحولت إلى قمع للمواطنين ومصادرة حقوقهم والأستحواذ بذريعة الحرص على المبادئ أو التخويل الالهي. هكذا كانت الدولة الرومانية المقدسة، التي حولت المسيحية إلى غطاء فصارت دين محارب يستعبد الشعوب (المسيحية المقاتلة)، بعد أن كانت المسيحية دين التسامح قبل تحول الدولة الرومانية، وتلاشت ومن بعدها سلطة الفاتيكان متوج الملوك والأباطرة.
وكانت الثورة الفرنسية انطلاقة كبيرة في الأحتكام لـ"الحرية والاخاء والمساواة"، حتى جاء نابليون غازياً اوربا باسم الثورة، فنهضت الشعوب دفاعاً عن حريتها رافضة سلطة الأمبراطور الذي استقبلته بترحاب حتى احتلال فيينا وغزو "روسيا الأم"، فانقلبت عليه الشعوب، كما يوثق تولستوي الكبير.
توالت السلطات في تاريخ البشرية ملكية وجمهورية، وظلت قضية الدولة المدنية الضامنة لحقوق الإنسان بدون قمعه باسم الدين أو المبادئ كذباً، كما فعلت البيروقراطية السوفيتية لمداراة عجزها التمسك بالحرية، ركيزة سلطة الأحزاب "الإشتراكية الديمقراطية" ومحفزها وليس العكس.
نحن في العراق أتاحت لنا "المتغيرات" الدولية فرصة ذهبية لبناء دولة مدنية، في دستور تمت صياغة مبادئه الأساسية في ظل إدارة بوش الأبن (مبعوث السماء)، ومعايير الأمم المتحدة المعاصرة لحقوق الإنسان والمكونات والمرأة والطفولة والتعبير. لكننا نشهد تراجعاً متواصلاً، ابتعاداً عن المعايير الدولية الأساسية، في مقدمتها البعد المدني، فأية دولة مدنية يتم تحويل رجال الدين فيها إلى أعضاء في المحكمة الاتحادية لهم حق النقض. وأية دولة مدنية يجري فيها إعادة تشريع القانون البريطاني الخاص بالعشائر لعام 1918، فيما كان الزعيم الركن عبد الكريم قاسم قد الغاه بعد 14 تموز 58، من منطلق أن المواطنين متساوون أمام القانون، وليس هناك من سلطة تنازع الدولة في فرض القانون ومقاضاة المواطنين، فيما كان فيصل الأول عام 1932 يشكو من غياب شعب، واستحواذ الطوائف والعشائر.
إن ردة كبيرة مغلفة تتسرب، لكن سعد زغلول وحزب الوفد رفعوا شعاراً رائعاً حتى قبل ثورة 1919 "الدين لله والوطن للجميع"، في توجه للإلتزام بقيم الإسلام ومبادئه، فالدول الدينية سقطت مع سقوط الدولة العثمانية، وإن كانت إسرائيل وباكستان ودويلة الفاتيكان دينية فهي استثناء، وإن كانت إلسعودية دينياً فهي في ممارساتها شيء آخر، وإن كانت للفقيه ولاية في إيران، فأنها لن تدوم مهما كان الحماس لها،
فهل نحرص على ما بنيناه بمساعدة "المحررين" والأمم المتحدة أم نتراجع إلى ما قبل عصر الحريات المدنية نازعين إلى القمع وعسكرة المجتمع؟!؟