| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الجمعة 17 / 4 / 2015 حسين فوزي كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
بحر العلوم معارض مبكر للشمولية
حسين فوزي
h_f_alsahi@yahoo.com
قليل من الرجال يمتلكون رؤية يرسمون بناء عليها مواقفهم، لكن الراحل السيد محمد علي هادي بحر العلوم شخص في وقت مبكر طبيعة النظام الذي اقامه انقلاب 1968، فكان من اوائل معارضيه، اميناً على نهج المدرسة النجفية الساعية للأعتدال.
ولم تكن بصيرته السياسية الاجتماعية حالة منفردة في تناول قضية معينة، إنما هي حصيلة سيرة عائلية بدأت على زمن النظام العثماني وتوجت في الجهود التي بذلت بجانب فيصل الأول في تأسيس الدولة العراقية البرلمانية الديمقراطية عام 1921. وقد شذب كل التجربة العائلية والاجتماعية للنجفيين وبقية آل البيت وشيعتهم بنيله شهادة فلسفة الشريعة الإسلامية من القاهرة، بعد مطاردات حالت دون اكمال دراسته في بغداد، ليعزز منهجياً "شريعة" الأعتدال النجفي والتشيع العراقي. ولا غرابة في هذا التلاقح العملي بين مدرسة الأزهر الوسطية والفكر الجعفري، فبرغم كل ما صنع باتباع آل البيت ممن انقلبوا على الفاطميين، فأن المزاج الشعبي العام لمصر بقي ابداً يبجل آل البيت، وظلت سيرتهم مناسبات كبرى في الوجدان الشعبي المصري.
التقيت ابنه البكر مرات عديدة وكان مثال الدماثة والرأي العميق في توازنه وطروحاته المنهجية العلمية، واسعفني الحظ لقاء سماحته بصحبة زميلي نائب نقيب الصحفيين جبار الشمري، وقد فاجأني بعمق تناوله لأزمة الوضع السياسي العراقي وسبل حلها. وكان الرجل يميز بين الطروحات السطحية المتحمسة وبين التناول المسؤول لمعالجة عميقة تضع العراق على الطريق الصحيح للبناء والتقدم. وهو في كل هذا يؤمن بقوة بضرورة احترام حقوق كل مواطن ومعتقده وحقه في المشاركة بالحياة العامة واحترام خصوصياته. وكانت له مآخذ على ممارسات اميركية دفعت الوضع العراقي باتجاه معاكس لطموحه في ترسيخ الأعتدال والتسامح.
برحيل السيد بحر العلوم فقد العراق بصيرة مبكرة وصلابة رأي ورفض المغريات. لكن الشيء المهم انه رحل وترك لنا ابنين يبدعان في الربط المتفتح بين الإسلام والعقائد وبين الديمقراطية، وابناء كثر ممن تتلمذوا على يديه في مدرسة المعرفة العميقة التي دأب عليها، ليكون الجميع مع العمل الدؤوب النزيه لبناء العراق.
وعسى ألا يضعف رحيل هذا المفكر الإسلامي المعتدل غياب لثقله في مواجهة التطرف والانفعال، وهو ما يستدعي حضور اكبر لمدرسته العلمية في الحياة العامة من اجل الحفاظ على العراق والمنطقة والتراث الإنساني لقوى الأعتدال من كل المذاهب والمعتقدات.