| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الآثنين 15 / 7 / 2025 فاروق الرماحي كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
الملوك حين يُحاكمون في الشوارع – من باريس إلى بغداد
فاروق الرماحي
(موقع الناس)الذاكرة والموعد المتكرر: 14 تموز
في الرابع عشر من تموز، تعيد الذاكرة تقليب دفاتر ثلاثة قرون، من باريس عام 1789 إلى بغداد عام 1958، مرورًا بسانت بطرسبورغ عام 1917 والقاهرة عام 1952. تشترك هذه المدن التي شهدت لحظات سقوط التيجان، لا في التوقيت وحده، بل في اللغة الصامتة للفقر والجوع والخذلان، حين يقرر الشعب أن لا يعود شعبًا، بل محكمة تاريخ.
فرنسا: المقصلة كعدالة شعبية
في فرنسا، لم يكن 14 يوليو 1789 مجرد اقتحام لسجن الباستيل، بل كان اقتحامًا لأسطورة السلطة الإلهية، وسقوطًا مدويًا لمفهوم (الملك - الرب)،حين سار أبناء باريس الحفاة نحو الأسوار الحجرية، حاملين صراخهم ومناجلهم. وبعدها بسنوات، سقط رأس لويس السادس عشر تحت شفرة المقصلة، لتُدفن معه آخر بقايا الهيبة الملكية، بعدما جاع الشعب، ومرض، وذُلّ، وسمع من ملكته ماري أنطوانيت: (فليأكلوا الكعك)
العراق: تكرار المشهد بلون الدم العراقي
ومرّ أكثر من قرن، حتى جاء 14 تموز آخر، في بغداد عام 1958، حين تكررت المأساة بنسخة عراقية.
لم يكن الملك فيصل الثاني طاغية ولا مستبدًا، بل شابًا لم تكتمل ملامح حكمه بعد.
ومع ذلك، حين تدفّق الضباط والشعب إلى قلب السلطة، لم يشفع له شبابه ولا دماثته، فأُطلق عليه الرصاص في باحة القصر، ونُقل إلى مستشفى قريب، حيث أسلم الروح هناك، بعيدًا عن وهج الجموع، ودون أن تُمثّل بجثته كما فعلت الثورات الأخرى. لكنّ دويّ الرصاص ظلّ صدى لخيبة كبرى، ولغضب شعب أنهكه التفاوت الطبقي، وخذلته وعود الدولة الملكية .
لكنّ الغضب الشعبي لم يكن موجّهًا إلى فيصل الثاني وحده، بل إلى رموز نظامه الذين التصقوا بالاستبداد والتبعية كالتصاق الطحالب بجدران النهر. فكان نوري سعيد، العجوز المتشبث بالسلطة حتى الرمق الأخير، أشبه بشبح بريطاني في بدلة عراقية، وقد نُكّل به الشعب في الشوارع، في مشهد يعكس حجم الكراهية المتراكمة تجاه طبقة سياسية لم ترَ في العراق وطنًا، بل محطةً في خدمة المصالح الإمبراطورية.
أما الأمير عبد الإله، خال الملك وولي عهده، فقد كان في نظر الجماهير رمزًا آخر للهيمنة الأجنبية، ظلّ يُمسك بخيوط الحكم من وراء الستار، ويعيد إنتاج الولاء لبريطانيا على حساب طموحات العراقيين. ولم ينجُ هو الآخر من الغضب الشعبي، فلاقى مصيره على أيدي من لم تعد لديهم رغبة في الإصغاء، بل في الانفجار .
15 تموز 2025