|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الخميس  13  / 11 / 2025                                 فاروق الرماحي                                  كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

العراق ورهان الرجل المناسب

فاروق الرماحي
(موقع الناس)

 ما الذي يحتاجه العراقيون من رئيس حكومتهم القادم؟ سؤال لا يُجاب عليه بالشعارات ولا بالوعود، بل بما تختزنه التجربة المريرة من دروس، وما تركته السنوات الماضية من جراحٍ وندوبٍ في جسد الدولة والمجتمع. العراق اليوم بحاجة إلى رجل قويّ ومرن في آنٍ واحد. قوّته مطلوبة في الداخل لضبط إيقاع الحياة السياسية المنفلتة، ولإعادة هيبة الدولة التي أرهقتها المحاصصة وأضعفتها الولاءات الفرعية. فقوة القيادة هنا ليست تسلطاً، بل قدرة على تنظيم المشهد وترسيخ منطق الدولة فوق كل انتماء. أما المرونة، فهي الحاجة الخارجية التي لا غنى عنها في زمنٍ تتشابك فيه المصالح وتتصارع فيه القوى.

السياسي العراقي اليوم مطالب أن يتحرر من أعباء الأيديولوجيات الجامدة التي عفا عليها الزمن، وأن ينفتح بعقلٍ راشد على المحيط العربي والإقليمي، ليعيد للعراق موقعه الطبيعي جسراً بين الشرق والغرب، لا ساحةً لتصفية الحسابات. لقد أثبتت الانتخابات الأخيرة أن رهان المقاطعين قد فشل، وأن الخطاب الطائفي والشحن التحريضي لم يؤدِّ إلا إلى نتيجة عكسية، إذ زاد من حماس الكتلة الرمادية ، تلك الشريحة الواسعة من العراقيين التي لا تنتمي إلى حزبٍ أو جهةٍ سياسية أو طائفية ، فاختارت أن تمارس حقها الديمقراطي وتذهب إلى صناديق الاقتراع، بحثًا عن التغيير ورفضًا لاحتكار الصوت والقرار.

وهذه الإشارة تمثل تحولًا مهمًا في الوعي الشعبي العراقي، الذي بدأ يدرك أن العزوف لم يعد وسيلة للاحتجاج، بل فرصة تُمنح من جديد لطبقة فاسدة لتعيد إنتاج نفسها.

التوازن مع الجارتين الكبيرتين، تركيا وإيران، ليس خياراً بل ضرورة وجودية، في ظل حضور اللاعب الأكبر وعرّاب التجربة الديمقراطية ، الولايات المتحدة الأميركية ، التي ما زالت تمسك بخيوط دقيقة من المشهد العراقي.

نجاح أي رئيس وزراء مقبل سيتوقف على قدرته في الإمساك بهذه الخيوط دون أن تنقطع أو تلتف حول عنقه. ولأن الدولة لا تُبنى بالقوة وحدها، فإن دعم القضاء المستقل يجب أن يكون الركيزة التي يُقام عليها البناء، لأنه الضمانة الوحيدة لعدالةٍ تُعيد ثقة المواطن وتكبح جماح الفساد.

إن أمام رئيس الوزراء القادم مهمتين كبريين ستحددان نجاحه أو فشله ..

الأولى، مكافحة الفساد بجدية لا تعرف المساومة، وتفعيل قانون (من أين لك هذا) ليكون سيف العدالة فوق رقاب الجميع دون استثناء.

أما الثانية، فهي إصدار قانون لاجتثاث الطائفية، تلك الآفة التي نخرت جسد الدولة منذ تأسيسها عام 1921 حتى اليوم، وبددت مفهوم المواطنة، وحولت التنوع العراقي من مصدر غنى إلى ساحة صراع ، وهذه مهمة مجلس النواب .

لقد تجاوز العراقيون حجم مهامٍ كبرى بثمنٍ باهظ من التضحيات، وما زالوا بانتظار من يحول تلك التضحيات إلى منجزٍ حقيقي. إنهم لا يريدون حاكماً يقوّي قبضته على الشعب، بل رجلاً يقوّي الدولة ويصون كرامتها وهيبتها، ويؤمن بأن العراق أولًا وآخرًا هو شعار الفعل لا القول، وبوصلة القرار لا واجهته. رجل دولةٍ لا رجل سلطة.

إن صعود الكتلة الرمادية إلى واجهة المشهد الانتخابي يمثل منعطفًا في الوعي السياسي العراقي، لأنها تعبّر عن صوتٍ وطني خرج من عباءة الأحزاب والطوائف، وبدأ يفرض إيقاعه الجديد على اللعبة السياسية.

شرعية المرحلة المقبلة لن تُمنح من صفقات الكتل ولا من توازنات الخارج، بل من إرادةٍ شعبية تريد دولة عادلة لا زعيمًا متنفذًا. وهكذا، لن يكون المرشح الأوفر حظًا هو الأقرب إلى مراكز النفوذ، بل الأقرب إلى نبض الشارع الذي سئم الوعود ويريد دولةً تحكم بالقانون لا بالمحاصصة .



 12 نوفمبر 2025
 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter