|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

السبت  13  / 9 / 2025                                 فاروق الرماحي                                  كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

كيف وُلدت فكرة الإله في وعي الإنسان؟

فاروق الرماحي
(موقع الناس)

أيمكن لعقل الإنسان أن يولد محايدًا، ثم تُنقش فيه فكرة الإله لاحقًا؟

أم أنّ هذه الفكرة كانت معه دومًا، كامنةً مثل بذرة تنتظر نضج التربة لتتفجّر؟

منذ اللحظة التي رفع فيها الإنسان العاقل بصره إلى السماء وتساءل عن الرعد والبرق والموت والحياة، بدأت رحلة السؤال عن القوّة الخفية التي تتجاوز فهمه.

هل كان ذلك استجابةً فطرية لنداءٍ داخلي أم انعكاسًا لرهبة الطبيعة وإسقاطًا لصورته هو على الكون؟ سؤالٌ يقودنا إلى جذور الدين في الوعي الإنساني؛ أهو وحيٌ مفارقٌ أم ابتكارٌ اجتماعي وأخلاقي صنعه الإنسان ليهذّب نفسه ويضبط جماعته؟

الإنسان الأول والدهشة الكبرى
ما إن وقف الإنسان العاقل أمام الولادة، و الموت ، والعواصف، حتى ارتسم أمامه سؤال المعنى:

من يحكم هذه الظواهر؟
من يدير هذا المسرح الكوني؟

هنا بدأت بذرة الإله، لا كمعرفة جاهزة، بل كإحساس غامض بقوة تتجاوز الحسّ .

كانت الكهوف والرسوم والدفن الطقسي أولى الشواهد على أن وعيه لم يعد يقف عند حدود الغريزة، بل صار يتلمّس عالماً غير مرئي.

من الرمز إلى الطوطم
مع الزمن تحوّل الخوف والدهشة إلى رموز وطقوس: حيوان مقدّس، شجرة، صخرة، نجم.

لم يكن الطوطم إلهًا بالمفهوم اللاحق، بل علامة على القوة والحماية والهوية.

ومع هذه الرموز بدأ الإنسان يضع أولى القوانين الأخلاقية: محرمات، نذور، أعياد، كأنّ الدين في بدايته قانون غير مكتوب ينظم حياة الجماعة أكثر من كونه عقيدة ميتافيزيقية .

من الآلهة إلى الإله الواحد
في حضارات وادي الرافدين والنيل والهند واليونان، تتكاثر الآلهة بتكاثر الظواهر، لكن فكرة الواحد بدأت تلوح:

إله للسماء، للقدر، للحق .

ومع الرسالات الإبراهيمية ظهر التوحيد بصفته نقلة نوعية:

لم يعد الإله قوةً ضمن قوى، بل مصدرًا للوجود والأخلاق معًا .

فهل كان ذلك تطورًا طبيعيًا لرحلة العقل الديني، أم تدخلاً مفارقًا حمل للإنسان وحيًا جديدًا ؟

الفطرة أم الابتكار؟
هل فكرة الإله مغروسة في طبيعة الإنسان كحاسة سادسة، تنبض في داخله وتدعوه إلى التسليم؟

أم أنها حصيلة الخوف والدهشة والحاجة إلى النظام والمعنى؟ الأنثروبولوجيا والفلسفة تترنح بين هذين القطبين، والإنسان المعاصر ما زال يحمل في أعماقه السؤال نفسه الذي حمله أجداده:

من أين جاءت هذه الفكرة، ومن أين تأتي سلطتها علينا؟

الدين كقانون للوجود
في كل مراحله ظلّ الدين قانونًا للوجود: يضبط الغرائز، يبرر السلطة، يؤنسن الخوف من الموت، يمنح الأمل والمعنى.

هذه الوظيفة المزدوجة (روحية وأخلاقية) تجعل فكرة الإله أكثر من مجرّد “افتراض”؛ إنها أفق مفتوح يتجاوز التجربة الفردية ويؤسس للعيش المشترك .

بعد كل هذه القراءات، يبقى السؤال مفتوحًا:

هل كان الإنسان يبحث عن الإله أم أنّ الإله هو من أودع في الإنسان شوق البحث عنه؟

هل الدين انبثق من الخوف والدهشة أم من الوحي والفطرة؟ بين الخيال والأسطورة، بين الطقس والقانون، ظلّت فكرة الإله تتحوّل مع تحوّل وعي الإنسان، لكنها لم تفقد أبدًا قدرتها على إثارة السؤال الأكبر: من نحن، ومن أين جئنا، وإلى أين نسير؟



13 أيلول سبتمر 2025

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter