|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأثنين  4 /  12 / 2017                                 فرات المحسن                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

أسباب انهيار الاتحاد السوفيتي
حوار مع الدكتور خليل عبد العزيز

أجراه : فرات المحسن
(موقع الناس)

ـ بعد سنوات دراستك الطويلة في الاتحاد السوفيتي وأيضا عملك في أحد أهم مراكز البحوث هناك، وبعد حياة حافلة بالأحداث السياسية، يا ترى ما هي الحصيلة التي تكونت لديك عن أسباب انهيار الاتحاد السوفيتي ومن ثم المنظومة الاشتراكية؟
هل تعتقد أن سياسات القيادة السوفيتية وتوجهاتها في إدارة السلطة كانت أحد العوامل في ذلك السقوط المدوي؟

نعم،بالفعل أن تلك السياسات وغيرها الكثير من العوامل الداخلية والخارجية كانت تعمل على تآكل التجربة الاشتراكية، وهناك الكثير من الوقائع أخذت تنخر وتطعن بالقيم الشيوعية الماركسية.فما عاصرته وشاهدته وأطلعت عليه كان في أغلبه يدفع بالاتحاد السوفيتي نحو الهاوية، وما كان انهياره غير نتيجة طبيعية ومنطقية لتلك السياسات العقيمة.

ورغم أن الحدث كان كبيرا ومأساويا ومؤذيا ليس فقط للدولة السوفيتية وإنما للعديد من شعوب العالم التي كانت تجد في الاتحاد السوفيتي نصيرا لها.فلا ينكر أن الاتحاد السوفيتي كان قوة توازن دولية عظمى ومكانته كانت تفرض جبروتها في المحافل الدولية ويقف بالند من الخصوم وبالذات أمريكا وحلفائها في العالم الغربي، وكان في الكثير من مواقفه نصيرا للسلم العالمي ولقوى التحرر الوطني.

في رأيي الشخصي،أن السبب الداخلي الرئيسي في ذلك الانهيار وهو المهم، يتمثل في تغافل القيادات السوفيتية المتعاقبة وفي جميع المراحل،وعدم اهتمامها بالحاجات النفسية للفرد ومطالبه الاجتماعية والاقتصادية، واتجهت القيادة وحرصت على جانب بناء الترسانة العسكرية، وكان الغرض من ذلك، محاولة إثبات أن الاتحاد السوفيتي دولة عظمى وقوة لا تقهر، والعمل على الترويج لمقولة أيدلوجية تؤكد على أن هذه العظمة والجبروت جاء كنتاج طبيعي لثورة أكتوبر العظمى وواقع صنعته وفرضته النظرية الاشتراكية، ودون تلك النظرية لم يكن الاتحاد السوفيتي قادر على بناء مثل هذه القوة والحصول على هذه المكانة.

كان يترافق مع هذا التنظير الإعلامي واقع حال آخر، فحاجات الناس اليومية كانت بعيدة جدا عن تفكير القيادات فلم يكونوا يلتفتون لما يجري ويحصل من مآسي داخل المجتمع،وهناك الكثير من الأمثلة التي من المكن ذكرها للاستدلال على ما كان يحصل. فمثلا هناك أساتذة جامعات وضباط في القوات المسلحة وأطباء وغيرهم، يسكنون مع عوائلهم وعوائل أخرى في غرفة واحدة وليس شقة، أي غرفة واحدة لعائلتين ، وتسمى تلك الغرف وتلك التجمعات السكانية بالبيوت المشتركة، وبقيت هذه الأوضاع لحين انهيار الاتحاد السوفيتي، لا بل إن بعضها باق لحد الآن، ولم تحل هذه الأزمة، ودائما ما كان التبرير يعلق على شماعة الحرب الأهلية والحرب الثانية، حيث دمر الجيش النازي بعد أن اقترب في هجومه من حدود العاصمة موسكو، آلاف المدن والقرى وهجر سكانها، ودائما ما كانت تلك الحالة عصية على الحل، فكيف يتسنى للسلطات السوفيتية إعادة أعمار وبناء كل ما تهدم وتوفير السكن لملايين البشر، ومثل هذه المشكلة الحيوية والتي تفرض وضع خطط محكمة لتقدير حاجات البلد لوحدات سكنية، كانت الحلول تواجهها معضلات حقيقية، فهي تتطلب توفير سيولة نقدية أي ميزانية ضخمة للأعمار، في الوقت الذي كانت تعمل القيادة السوفيتية على تخصيص جل ميزانية الدولة للأنفاق العسكري، لذا ترك الناس يعيشون في تلك الأماكن الضيقة وفي ظروف سكن قاسية ووضيعة. ودائما ما كانت المبررات تأتي عبر وسائل الإعلام لتطلب من الناس كبت مشاعرهم ورغباتهم والترويج والهتاف للبناء الاشتراكي والاتحاد السوفيتي، فهذا الشيء يتقدم فوق كل الرغبات الاعتبارات، والبناء الاشتراكي دائما ما كان وسيكون الهدف المباشر للأعداء وبالذات العدو الأول الولايات المتحدة الأمريكية، لذا على الشعب التوحد تحت راية الحزب في مواجهة الأعداء.

كان سباق التسلح وتخصيص جل ميزانية الدولة للمؤسسة العسكرية وصناعة الأسلحة، أخلالا فاضحا في مستوى أنجاز باقي قطاعات الاقتصاد، وبدوره فقد أثر هذا اجتماعيا واقتصاديا في سلوك الأفراد والجماعات، ومن ثم أنعكس بدوره على نظام وطرق عمل مؤسسات الدولة.وكان من أهم الأسباب في انتشار الفقر بين أوساط الشعب وإشاعة طرق الرشوة وسرقة المال العام، فكان بعض أساتذة الجامعات يتقبلون الرشوة بابتذال ومثلهم أفراد الشرطة والأمن لا بل الكثير من موظفي الدولة، فأحد أساتذة الجامعات يقبل من طالب عراقي أو أجنبي استضافته على وجبة طعام لغرض ما، أو يقدم له قنينة شراب مقابل خدمات دراسية، رغم إن قنينة الشراب أو وجبة الطعام كانت جد رخيصة، ولكن شخصيات تلك المؤسسات كانوا يفتقدون المال الذي يوفر لهم مثل تلك الأشياء، ووصلت بعض الحالات إلى أكثر تعاسة من هذا. فنحن طلاب أجانب تمنحنا الدولة السوفيتية راتبا شهريا قدره 90 روبلا والمهندس السوفيتي صاحب التحصيل العلمي العالي يستلم مثلنا 90 روبلا أيضا، والطبيب يستلم بين 90 إلى 100 روبل وهذا ينطبق على العديد من موظفي الدولة من ذوي الاختصاصات العلمية العالية.

ـ ولكن ما كانت دوافع الاتحاد السوفيتي من تقديم مساعداته السخية للعديد من البلدان؟

في الوقت الذي كان الكثير من أبناء الشعب السوفيتي يعانون من العوز والفاقة، كان المرء يلاحظ أن الاتحاد السوفيتي يقدم بسخاء مساعدات طائلة للعديد من بلدان العالم، ولكن من السهولة معرفة السبب الجوهري لكل تلك المساعدات، فالغرض منها كان كسبا لمواقف تلك البلدان وضمان وقوفها بجانب الاتحاد السوفيتي في الأمم المتحدة وباقي المحافل الدولية وأيضا وهذا مهم للساسة السوفييت، وقوفها بالضد من سياسات الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي واحدة من تلك المهازل نستطيع أن نعود لتاريخ العلاقة بين العراق والاتحاد السوفيتي وبالذات على عهد الزعيم عبد الكريم قاسم، حيث طُلب من الحزب الشيوعي أن يتخذ موقف المساندة الدائم للزعيم والامتناع عن إثارة الخلافات معه، لا بل ضرورة الاصطفاف معه وتأييده في مجمل سياساته، وقد وقفت القيادة السوفيتية موقفا قامعا لجميع الأصوات داخل الحزب الشيوعي العراقي والتي كانت تندد بسياسة الزعيم عبد الكريم أو تشير لبعض أخطائه. ويعود السبب الرئيس لهذا الموقف، لضمان وقوف الزعيم عبد الكريم والدولة العراقية مع الاتحاد السوفيتي في المحافل الدولية. فلم يكن الاتحاد السوفيتي بحاجة لنفط العراق ولا خيراته الأخرى، ولكن صوت العراق وموقفه الإيجابي من سياسات الاتحاد السوفيتي ،كان السبب الرئيس في المساعدات الكبيرة التي قدمت للعراق .
ونفس السياسة كانت تستخدم مع باقي البلدان وبالذات السائرة في طريق التحرر والاستقلال الوطني، ولم يكن هذا الموقف ببعيد عن بلدان المنظومة الاشتراكية التي كان الاتحاد السوفيتي يبذل قصارى جهده لكي تقف على قدميها فيقدم لها العون المادي والمعنوي.

كان السوفييت يقدمون للعديد من البلدان أسلحة بالمجان و بأبخس الأثمان، ويرسل خبرائه ومعداته ويساعد في بناء ورش ومصانع وأبنية، وكان يقدم كل ذلك بأسعار أقل بكثير من أسعارها العالمية، وكان في الكثير من مبيعاته، يتقبل أسعار أعماله وإنجازاته بدفوعات رمزية. وكان الهدف ذاته، خلق مناصرين وضمان تأييدهم في الساحة الدولية، وكذلك وقوفهم بوجه الولايات المتحدة وحلفائها، وكنت شاهدا على أغلب تلك الأحداث التي وقعت أمامي في العديد من بلدان العالم التي زرتها أو عملت فيها، منها سوريا ومصر والعراق والصومال واليمن، وقد لاحظت أن جميع تلك البلدان ومنها أيضا بلدان المنظومة الاشتراكية، لم تكن لديها القناعة الحقيقية الراسخة ليس فقط بالفكر والنهج الاشتراكي، وإنما بقيادة الاتحاد السوفيتي .

ـ ألم يكن هناك من يعترض أو يصحح تلك السياسات؟

هذا السؤال حيوي لذا يمكنني القول، لم تكن هناك في الاتحاد السوفيتي ديمقراطية وكان نظام الحكم قمعيا وكابحا للحريات، وكل ذلك يجري تحت شعار دكتاتورية البروليتاريا، ووفق ذات الشعار يصنف أي معترض أو معارض، وحول أية قضية كانت، بأنه معادي للدولة الاشتراكية ومروج للأفكار الرأسمالية. وكانت جميع قوائم الانتخابات داخل الحزب تعد سلفا ولا يقبل أي صوت معارض لها.

فمقولة الحزب الأوحد لا تعطي أي مجال للتعبير عن الرأي. ولكن قولي هذا لا يعني خلو الساحة من العقلاء والحكماء والعلماء والمفكرين ولكن جميع هؤلاء لا يجدون مجالا للإفصاح عن آرائهم وبالذات في المسائل الحيوية التي تهم المجتمع والحزب والدولة،ودائما ما تقمع تلك الآراء لصالح سيادة ووحدة الحزب، وخلال الاجتماعات الحزبية لا توجد هناك آراء مخالفة يسمح بمناقشتها، وبشكل حاسم يصوت على التوصيات والقرارات بنعم، ودائما ما تظهر النتائج للعلن وكأن الحزب كتلة متجانسة تحافظ على وحدتها وإيمانها الراسخ بالاشتراكية العلمية، ولكن تلك الوحدة تتصدع لتتغير العبارات خارج الاجتماع وأثناء أوقات الاستراحة، وبشكل سري وهامس يبدأ حديث مخالف كليا لما طرح في الاجتماع وما قاله الحزب وسلطة الطبقة العاملة .

كانت هناك نظرة فلسفية للقيادة وإدارة الدولة والمجتمع، فالدولة تلبي الحاجات العامة للدولة ولكن تهمل بشكل مفرط الحاجات الحياتية للفرد الإنسان.فقد سعى النظام لبناء البنية التحتية للبلد، ولولا الإيغال في سباق التسلح والبحث عن كسب تأييد بلدان العالم من خلال بذل المساعدات،لأستطاع النظام أن يعيد ويبني الكثير، وربما أضعاف ما بناه وقدمه، ولكان الوضع أفضل مما هو عليه، فسياسة السلطات كانت تنظر إلى أهمية تقديم وتوفير الحاجات العامة وتأهيل البنية التحتية، لذا بنت وعبدت الشوارع والحدائق ومواقف السيارات وإنارة المدن وشيدت الجامعات والمدارس والمصحات والمسارح ودور العجزة والمستشفيات والطرق الحديثة التي ربطت عموم الاتحاد السوفيتي وغير ذلك الكثير، و قدم النظام جهدا كبيرا شارك فيه خيرة أبناء الوطن لبناء تلك الصروح العظيمة. وكان واحدا من أضخم المشاريع العمرانية، مترو موسكو، هذا المشروع الجبار الذي أنشأ على عهد السكرتير العام للحزب الشيوعي جوزيف ستالين، فكان بحق منجز مبهر للناظر، فجميع محطاته عبارة عن قصور ومتاحف تحت الأرض تدل على عظمة الإنسان السوفيتي وقدرة الدولة الاشتراكية على البناء وصنع المعجزات.وكانت جميع أعمال تطوير البنية التحتية تقدم كواجهة لعظمة الاتحاد السوفيتي وقدرة الاشتراكية .

ومع كل تلك الانجازات فأن القصور وعدم تلبية الحاجات الفردية للإنسان كانت ظاهرة للعيان ويعاني منها المواطن السوفيتي، فالشخص الذي بحاجة إلى شقه للسكن كان يقف في طوابير الانتظار ما لا يقل عن عشرة إلى خمسة عشر عاما لكي يصله الدور، وإذا أراد شراء سيارة شخصية فعليه الانتظار أكثر من تلك السنين ليحصل على تلك السيارة، لهذا كان البعض يقوم بتسجيل أبنائهم في هذا الطابور منذ اليوم الأول لولادتهم. لم تكن هذه الحالة نكته يتداولها الناس بقدر ما هي حقيقة وواقع مؤلم يعانيه المواطن السوفيتي.فالمفارقة تكمن بكون أن الخدمات العامة كانت في أحسن حالاتها والسلطات تقدم جل اعتنائها وقدراتها على تطويرها وتحسينها ، ولكن يبتعد شوطا عن حاجات المواطن النفسية والاجتماعية وكذلك الاقتصادية وجلها كانت شحيحة جدا، وهذا ما جعل المواطن السوفيتي متذمرا شاكيا، وعند انهيار الاتحاد السوفيتي لم نشاهد من يهب للدفاع عنه ، وانهارت بعده قلاع المنظومة الاشتراكية برمتها لذات الأسباب والمشاكل التي ابتلى بها الاتحاد السوفيتي، والتي أسفرت عن العلاقة الواهية التي كانت تربط تلك البلدان بمسمى النهج الاشتراكي.

ـ وما هو تأثير سباق التسلح على المواطن السوفيتي؟

منذ بداية الحرب الباردة والتي أشعلت سباق التسلح والبحث عن طرق إيذاء الطرف الأخر، عملت السلطة السوفيتية ولغرض المطاولة بذلك الشوط ، على تقنين لقمة العيش للمواطن السوفيتي، وحولت أغلب موارد الدولة المالية نحو ذلك السباق الأهوج المحموم.وفي الطرف الآخر أدركت الولايات المتحدة وحلفائها عسر الأوضاع وسوء التخطيط وقلة الحكمة عند السوفييت فراحت تعمل بجهد على تغذية ذلك الهاجس الذي سيطر على القيادة السوفيتية، وراحت تروج عبر الإعلام المؤدلج وممنهج لتصعيد مخاوف السوفييت ودفعهم أكثر وأكثر لبذل الأموال الطائلة على برامج التسلح وإدامة معركة مفتوحة بعيدا عن خطط التنمية الاقتصادية الحقيقية وتقديم ما يناسب من خدمات للشعوب السوفيتية.

وهنا دعني أوثق حديثي هذا فأتوقف عند حديث وزير الدفاع الأمريكي على عهد الرئيس كندي وهو السيد ماكنمارا .ففي محاضرة ألقاها أمام أساتذة كلية الدفاع الوطني في واشنطن في 14 / 09 / 1961 قال الوزير (( علينا أن نرغم الاتحاد السوفيتي على تغيير أولوياته، فالنظام الشيوعي يعد جماهيره بمجتمع من الرفاهية ينتفي فيه الفقر، ومجتمع للمساواة ينتفي فيه التمايز الطبقي ولتحقيق هذه الأهداف فإن الاتحاد السوفيتي مطالب بأن يضع التنمية كأولوية أولى قبل الأمن. علينا أن نرغمه على أن يرفع أولوية الأمن ويضعها قبل التنمية، وعلينا أن نشده إلى سباق تسلح يقطع أنفاسه ويرهن موارده ويتركه في النهاية ترسانة نووية دون رغيف خبز أو قطعة لحم.كذلك فإن غلبة الأمن على الأولويات في الاتحاد السوفيتي، سوف تنعكس من الخارج إلى الداخل فيزيد تركيز السلطة في يد المسولين في أجهزة الحزب والدولة مما يباعد بينهم وبين عامة الناس ويعزلهم ))

نجحت الولايات المتحدة في ذلك أيما نجاح وتكللت جهودها بالسقوط المدوي للاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية. فعلى عهد الرئيس الأمريكي رونالد ريغان روج لما سمي ببرنامج حرب النجوم وكان الأساس من هذا البرنامج هو خداع الاتحاد السوفيتي ودفعه للهرولة في سباق محموم لحرب مقبلة تصبح السماء الفضاء الواسع لمعركة بالأسلحة الليزرية المتطورة التي ممكن لها الوصول وتدمير أية نقطة في العالم وبالذات الاتحاد السوفيتي وحلفاءه. كان هذا البرنامج من إعداد أجهزة المخابرات والجاسوسية العالمية التي تسيطر عليها الولايات المتحدة، ولم يكن له من الواقع شيئا، بقدر ما كان جزءا من محاولات دفع السوفييت للهرولة وراء سباق التسلح وهدر المال العام. والغريب إن القيادة السوفيتية قد انطلت عليها الخدعة وراحت تبذل المال والجهود من أجل كشف ذلك البرنامج ووضع معادل له. ولكن من الممكن القول بأن هناك داخل القيادة ذاتها من كان يدفع نحو ذلك السلوك ليس من أجل مصلحة السوفييت بقدر ما كان عملا تخريبيا منظما للإطاحة بالنظام السوفيتي لصالح الولايات المتحدة وحلفائها. وكانت هذه الخطة المحكمة هي القشة التي قصمت ظهر الاقتصاد السوفيتي الذي كان مقصوما من أساسه حيث استنزفت ميزانية الدولة وأفقرت الناس.

ـ هل الانهيار أقتصر على تلك العوامل التي ذكرتها؟

كلا، فانهيار الاتحاد السوفيتي لا تقتصر أسبابه على ملمح أو جانب واحد، فقد تعددت الأسباب واستشرى الإيذاء ووصل إلى حد، ما عادت الناس معه تطيق تصرفات حتى أبسط رجال السلطة،وبات الشارع يعرف أن قوى القمع الممثلة بالشرطة والشرطة السرية وقوى الأمن هم من يحكم ويدير البلد، وتلك الحالة كانت تعمل آلاتها على نخر جسد الدولة بعدة آليات أولها الرشوة والتعديات الفجة على حياة المواطن دون مسائلة، ويأتي كل هذا مع الفقر وقلة الحاجات، لا بل عدم توفر ابسط مستلزمات الحياة الكريمة ويترافق ذلك مع انعدام الحريات وكبح وتكميم الأفواه ودكتاتورية الحزب الواحد. كل ذلك جعل المواطن دائما ما يشعر بالتهديد وقسوة قبضة السلطة وإرهابها. فالشرطي السوفيتي كانت لديه صلاحيات مطلقة ليتحكم بمصائر الناس، فأن أراد تفتيش أو دخول أحد الدور فهو لا يطلب الأذن من أي شخص يعنيه أمر هذا البيت، وكذلك لا يحتاج الحصول على ورقة أذن من السلطات العليا تخوله تفتيش أو دخول ذلك البيت ، فهو يدفع الباب بقوة ويدخل عنوة ويقوم بالتفتيش ويستطيع أن يهدد وأيضا يلقي القبض على من يريد، فالقانون يسمح له فعل ذلك، وهو مخول بفعل هذا من أعلى الجهات وبصلاحيات مطلقة، ولذا كنا نعرف عين المعرفة وبالمكشوف والتجربة اليومية، أن من كان يحكم الدولة السوفيتية هي الأجهزة القمعية وليس غيرها.فالمخابرات العامة والشرطة السرية والأمن والشرطة كانت قراراتها وإجراءاتها وسلطتها فوق سلطة الحزب وباقي مؤسسات الدولة. وأنا الآن أتذكر حادثة حصلت لنا نحن رفاق الحزب الشيوعي العراقي في منظمة الاتحاد السوفيتي.

كان هناك طالب شيوعي عراقي محكوما حكما ثقيلا في العراق واستطاع الحزب تهريبه من العراق إلى الاتحاد السوفيتي، وكان يدرس في جامعة كييف في أوكرانيا. في أحد الأيام حصل شجار بينه وبين أستاذه في الجامعة، فقام الطالب العراقي بصفع الأستاذ مما حدي بعمادة الكلية الاتصال بالأمن الذين جاؤوا وألقوا القبض على الطالب وأودعوه الحبس. ثم بعد اقل من ساعتين صدر بحقه قرار فصل من الكلية وتسفيره إلى العراق. بعد أن عرفت منظمة الحزب الشيوعي العراقي بالحادث كلفتني شخصيا الاتصال بالسيد نيجكين والطلب منه التدخل لإيقاف الأجراء بحق هذا الطالب كون تسفيره إلى العراق سوف يكون نهاية لحياته هناك ،ونيجكين هذا هو عضو الارتباط والمنسق العام بين السلطات السوفيتية ومنظمة حزبنا الشيوعي العراقي.

اتصلت بنيجكين وطلبت منه مقابلة مستعجلة فرفض بادئ الأمر معللا ذلك بانشغالاته، بعدها استطعت أقناعه فطلب مني الحضور. قابلته وشرحت له حادث الطالب العراقي ورغبة الحزب الخروج من هذه المعضلة ومنع تسفير رفيقنا إلى العراق.تجاوب نيجكين معي قائلا كيف يحدث هذا، كيف يعاد هذا الطالب إلى العراق، لا عليك سوف أعمل اتصالاتي وأبذل جهدي لحل المشكلة. بعد مرور ساعتين من رجوعي إلى السكن أتصل بي نيجكين ليخبرني بأن لا هو ولا الحزب الشيوعي السوفيتي يمكنهما التدخل في هذا الآمر، فجهاز الأمن هو من قرر فصل الطالب وتسفيره إلى العراق، فسألته أليس الحزب الشيوعي هو السلطة العليا التي بيدها القرار وتعطي التوجيهات، فأخبرني بأن ما يقرره جهاز الأمن هو الأصل والفصل في أغلب الأمور وقراراته تأتي أولا وتتقدم على جميع القرارات، لذا لا يمكن للحزب التدخل في هذه القضية، ولكنه أكمل بأنه سوف يعمل جانبا وعلى مسؤوليته الشخصية ويبذل ما يستطيع من جهد لأجل عدم تسفير الطالب إلى العراق وإنما إلى بلد أخر وربما سوريا أفضل له.

نجح نيجكين في ذلك وطلب مني أخبار حزبي وإستحصال موافقته على تسفير الطالب الشيوعي إلى سوريا، وهذا ما فعلته وأخبرت نيجكين بذلك، عندها رتب لذلك الحل، واتصلت منظمة حزبنا بمنظمة الحزب في سوريا لاستقبال الطالب المسفر. وكانت هذه التجربة أثباتا واقعيا لسلطة الأجهزة القمعية، ومثل تلك الحادثة تتكرر بالآلاف مع المواطن السوفيتي العادي حين توجه له تهمة ما حتى ولو بسيطة فالحزب والمؤسسات غير الأمنية لا تستطيع التدخل.

ـ وكيف كان ينظر الإنسان العادي لما يحدث حوله وما الذي يربطه بوطنه؟

كانت مظاهر الولاء للدولة السوفيتية تتخذ شكل الطابع الرسمي العام وليس الشعبي فالمشاعر الشعبية يخالطها الكثير من الخوف والتوجس والكتمان يضاف لذلك قلة الخدمات وشح السلع الكمالية وشوق الناس ورغباتهم الحصول على المتع الفردية وتلبية مشاعرهم الإنسانية، ففي أحدى نزهاتي مع زوجتي رأينا قرب المسرح الكبير طابورا طويلا من الناس يحتشدون خارج أحد المخازن،طلبت مني زوجتي الوقوف في الطابور لحين ذهابها إلى المقدمة ومعرفة البضاعة التي يبتغي الناس الحصول عليها، ففضلت أنا أن أذهب ولتقف هي بالطابور،ذهبت وسألت عن البضاعة التي يوزعها المخزن فأخبروني بأنه تقويم سنوي صغير يوضع في الجيب، وكان يباع بكوبيكين من العملة السوفيتية،فرجعت إلى زوجتي وأخبرتها بذلك فقالت دعنا نقف لنحصل على عدد منها فسألتها وما حاجتنا لها فقالت لنهدي بعضها إلى معارفنا.

كانت تلك المظاهر تبدو شكلا مألوفا في الحياة السوفيتية فالمواطن يتوقف عند أي طابور يشهده من أجل الحصول على أية بضاعة كانت حتى التافهة منها، وكانت تلك الظاهرة ذات دلالة كبيرة على وجود شح في الكثير من الحاجات التي تلبي رغبات الناس على بساطتها، مع قلة الرواتب. ولكن في الجانب الأخر للسياسة السوفيتية كان الإعلام يجهد لتصوير الحياة في الاتحاد السوفيتي على أنها تتفوق كثيرا على ما موجود هناك في أمريكا والغرب، الواقع تحت سطوة الرأسمالية القاسية المجرمة التي لا تقدم لشعوبها غير القهر والاستلاب والجوع ، كانت آلة الإعلام السوفيتي ماكينة جبارة لطحن الخديعة وتزويق الأوضاع عن البناء الاشتراكي والاتحاد السوفيتي.

ـ ما الذي تغيير حين صعود غرباشوف للأمانة العامة للحزب الشيوعي السوفيتي؟

مثل صعود نجم ميخائيل غرباشوف حلقة جديدة في تراجيديا السياسة السوفيتية، فالرجل كان مثقفا تخرج من جامعة موسكو الحكومية عام 1955 بشهادة القانون وفي عام 1967 تأهل لشهادة الماجستير في الاقتصاد الزراعي في معهد ستافروبول للزراعة، وأنضم إلى الحزب الشيوعي حين كان يدرس في الجامعة ليصبح بعدها فعالا جدا في الحزب ويتدرج في المراكز الحزبية لحين وصوله كسكرتير عام للحزب الشيوعي السوفيتي. عملت سياساته المسماة بغلاسنوست وبيريستريكا على محاولة عصرنة الاستراتيجيات السوفيتية وهدفت كذلك إلى إنهاء الحرب الباردة وسباق التسلح.ومن خلال دراسته الجامعية وعمله أيضا في مجال الزراعة في منطقة ستافروبول أطلع على الكثير من الواقع الزراعي وكيف تسير خطط التنفيذ والإصلاح في ذلك القطاع. فقد كانت الزراعة في عموم الاتحاد السوفيتي تتعرض للكثير من المشاكل بسبب الخطط غير الناجحة والسرقات التي تطالها وفوق كل هذا البيئة القاسية التي تفعل فعلها مع المحاصيل، ويضاف لكل ذلك قلة التخصيصات رغم حيوية هذا القطاع لسد حاجات البلد للمحاصيل الزراعية.

حين أستلم غرباشوف رئاسة الدولة والحزب واجهته العديد من المشاكل الاقتصادية والسياسية، ففي المجال الذي كان مطلعا عليه وهو قطاع الزراعة، شخص غرباشوف العديد من المشاكل والمعوقات وأشار أليها في مؤلفاته وخطبه. فهو يقول بأن الكولخوزات وهي المزارع الحكومية، لم تكن ذات نفع حقيقي للسوفيت وإنما كانت أحد أكبر الإخفاقات في مجال الزراعة، ولم تقدم شيئا يذكر لمنفعة البلاد وإنما كانت عبئا ثقيلا عليه، فالسلطة تقدم مبالغ ضخمة لهذه المزارع دون أن يكون هناك أنتاج يذكر، وهناك أهدار كبير في المال العام، في نفس الوقت لم يكن هناك من يتحمل المسؤولية عن الذي يحدث كون الكولخوزات تابعة للدولة وبأشراف دوائر الدولة والحزب لذا كانت تجري فيها عمليات تسويف وسرقات منظمة للمواد والمال العام.

حين حضر غرباشوف لمؤتمر عام مدراء الكولخوزات وجه في خطابه سؤلا للحضور قائلا: أود أن أوجه لكم سؤالا، وأجد له جوابا من أحدكم، في أية سنة كان الكولخوز الذي يديره قد ربح شيئا ما، وقدمه واردا للدولة السوفيتية؟ عند ذلك لم يتقدم أحد ليجيب غرباشوف على سؤاله، عندها قال غرباشوف إذن فأن الكولخوزات تعتبر فاشلة ولا نتيجة ترتجى منها ولذا نسأل أنفسنا لماذا هي باقية لحد الآن وبهذا الحال؟

وحين سؤاله عن السوفخوزات وهي المزارع التعاونية للفلاحين، وهل أنها تخسر أيضا فتلقى الجواب بالنفي وإن السوفخوزات دائما ما كانت تربح كون العمال والإداريين فيها يبذلون جهدا كبيرا لتوفير الأرباح ويعرفون جيدا أن الإنتاج الجيد والعالي يعني عوائد جيدة يحصلون عليها . ولكن الغريب وفي ظاهر الحال كانت إدارات السلطة والحزب توجه جل عنايتها نحو الكولخوزات وكان الإعلام يعمل على ذلك أيضا ويروج لكونها النموذج الاشتراكي الفريد، وكل ذلك بسبب وجود ارتباطات ورشى وسمسرة وسرقات وتبادل منافع شخصية وحزبية.

كان لدى غرباشوف قناعة تامة بضرورة أجراء التغيير والإصلاح ولكن المشكلة التي كانت تواجهه تكمن في الكوادر والقيادات العليا في الحزب والدولة وفي مقدمتهم أعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية الذين ناصبوه العداء. فأغلب هؤلاء كانوا قد تربوا لعقود طويلة على ذات العقلية السوفيتية التي اكتسبت تقاليد حزبية صارمة تحجرت وباتت تملك آليات وتراتيبيات لا يمكن الخروج منها أو القفز من فوقها، لذا تتمسك تلك القيادات بذات النمطية البيروقراطية والتزمت والممانعة في السير نحو التغيير والتجديد الذي يمكن له أن يكسب الدولة والحزب أنماطا جديدة للعمل والنجاح.

كانت غالبية القيادة في المركزين الحزبيين العالين تتهيب كسر النمطية وقواعد العمل القديمة وتحرص على أبقاء ما هو قديم خوفا على مصالحها التي حرصت على اكتسابها ونيلها طيلة عقود والتي أبقت الصورة الواضحة للعقلية السوفيتية الثابتة رغم تغيير الزمن.

وحين يتحدث غرباشوف عن فترة وجوده على رأس الحزب والسلطة في الاتحاد السوفيتي، يقول بأن قيادة الحزب الممثلة بالمكتب السياسي وأيضا اللجنة المركزية قد قلبوا له ظهر المجن ووقفوا ضده بعد أن أعلن عن أفكاره حول طرق الإصلاح وأصبحت الغالبية منهم مناوئين له ولأفكاره، وقال أنه لاحظ ذلك في اختلاف تقاليد الحزب أيضا،فمن المتعارف عليه وحين يدخل سكرتير الحزب إلى قاعة المؤتمرات الحزبية الكبيرة يقف الجميع لاستقباله وتحيته بالتصفيق، ولكن الذي حدث معي كان العكس، فحين دخلت وقفت الأغلبية وهتفوا ضدي وضد سياسة البيريستريكا التي أعلنتها.

ـ ولكن يقال أن هناك من قيادات الحزب من وقف بجانب غرباشوف.

صحيح لكن الغريب في الآمر أن من وقف بجانب غرباشوف من أعضاء المكتب السياسي أو اللجنة المركزية هم من كان يعرف عنهم انتهازيتهم وعدائهم للنهج الاشتراكي والاتحاد السوفيتي، بالرغم من عدم إعلانهم الصريح عن مواقفهم المعارضة تلك .وقد أيدوا سياسة غرباشوف في الخروج عن سباق التسلح والحرب الباردة وأيضا تهشيم البنى الحزبية القديمة وعصرنتها مثلما قال،وقام بطرح فكرة التغيرات الاقتصادية للخروج من الأزمات المستعصية. وكانت رغبة هؤلاء الوقوف إلى جانبه، محاولة وجدوا فيها فرصة سانحة لتفكيك الاتحاد السوفيتي من خلال منهج الإصلاح الغرباشوفي، ومن صلب هذا التوجه ظهر بوريس يلتسن الذي عمل في البداية مروجا ومناصرا لإصلاحات غرباشوف ثم ركب موجة الإصلاحات ليسفر عن الوجه الحقيقي لتلك الجماعات التي كانت تعمل من داخل الحزب الشيوعي السوفيتي للإطاحة بالاشتراكية والاتحاد السوفيتي، وفي الأخير أنقلب على غرباشوف وعمل على إقصائه عن السلطة .

في جميع تلك الأحداث كانت للصهيونية العالمية أدوارا كبيرة اشتغلت بهمة عالية على هدم وإسقاط الاتحاد السوفيتي وإفشال التجربة الاشتراكية من داخل مؤسسات الحزب والدولة. فالصهيونية كانت متغلغلة في مفاصل الدولة السوفيتية والحزب منذ الأيام الأولى لثورة أكتوبر، وكان العديد من القادة والكوادر الحزبية والإدارية لهم علاقة بشكل وأخر بأوساط الصهيونية العالمية عبر علاقات أسرية أو مصالح عمل أو صداقات شخصية. فالرئيس بوريس يلتسن كان يحيط نفسه بشلة كبيرة من اليهود الذي يقدمون خدماتهم للصهيونية العالمية أولا ويعملون لغرض تهشيم الدولة السوفيتية وهم من عمل على تفكيك أواصر الاتحاد، أشرفوا على بيع المصانع والمعامل والورش والسلاح وتفكيك مؤسسات الدولة دون حساب ورقابة ليفرغوا روسيا من الصناعات، وقد تحقق هدفهم بنجاح ظاهر دون أطلاق طلقة واحدة.

ولكن يمكن القول أن السبب الرئيسي في سقوط الاتحاد السوفيتي وفشل التجربة الاشتراكية هو انعدام الديمقراطية وتسلط قوى الأمن والمخابرات، ويضاف لذلك سباق التسلح وعدم شعور القادة بمسؤولياتهم الوطنية، وضعف روح المواطنة عند الفرد بسبب المعاناة والضائقة المالية، وفي النهاية أقول، أنه لم يكن هناك أساس علمي راسخ وقناعة حقيقية بالاشتراكية العلمية التي تمثلها الماركسية، لا داخل القيادات السوفيتية ولا عند قطاعات واسعة من شعوب الاتحاد، ويمكن ترحيل مثل هذا على القيادات وشعوب المنظومة الاشتراكية التي انهارت جميعها مثل أحجار الدومينو بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

ومع كل الذي حدث وبتلك اللوحة السوداوية الملتبسة للوقائع والتغيرات، وفي خضم الصراعات، وبوجود كل تلك المساوئ، فلم يثبت لحد الآن أن الماركسية والاشتراكية كمنظومة عمل وجوهر فكري ومنهج استراتيجي علمي للسلطة، كانت فاشلة، وإنما من فشل هو النموذج السوفيتي للاشتراكية بسبب بعده لا بل تخريبه وتعديه على المبادئ الماركسية الحقيقية.




 

 

 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter