|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأحد  28 /  2 / 2016                                 فرات المحسن                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

محطات وشخوص في حياة الدكتور خليل عبد العزيز
(1)

فرات المحسن
(موقع الناس)

ولد الدكتور خليل عبد العزيز في مدينة الموصل من عائلة متوسطة الحال ، ساهم في الحركة الوطنية منذ أعوام الخمسينات حيث بادر بتشكيل اتحاد الطلبة العراقي العام في مدينة الموصل وأصبح رئيسا له. وشارك في تظاهرات انتفاضة عام 1952 .

في العام 1954 أصبح ممثلا للطلبة في لجنة الجبهة الوطنية التي شكلت آنذاك وخاضت الانتخابات النيابية، وعلى أثر قيام حكومة نوري السعيد بحل المجلس النيابي، شارك في التظاهرات الاحتجاجية وعندها صدر أمر بإلقاء القبض عليه، لذا تقرر انتقاله إلى بغداد، حيث أصبح عضوا في اللجنة العليا لاتحاد الطلبة العراقي العام. كما عمل في تنظيمات الطلبة التابعة للحزب الشيوعي العراقي.

في عام 1956 ألقي القبض عليه في بغداد وصدر قرار بالحكم عليه بالحبس لمدة عام واحد قضاها في سجن بعقوبة، وبعد انتهاء فترة الحكم ، أبعد إلى مدينة بدرة الحدودية التابعة للواء الكوت. بعد ذلك سيق إلى معسكر الشعيبة جنوب العراق لأداء الخدمة العسكرية بعد أن تم فصله من الدراسة وزوال أعذار تأجيله من أداء الخدمة العسكرية. وكان معسكر الشعيبة يضم أكثر من 150 مناضلا وطنيا من جميع أنحاء العراق. وأثناء خدمته في ذلك المعسكر قامت ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958.

بعد ثورة 14 تموز عاد إلى الموصل وتقلد مركز رئيس اتحاد الطلبة العراقي العام هناك. أعتقل ليلة مؤامرة الشواف وأودع في الثكنة الحجرية. أطلق ضباط وجنود كتيبة الهندسة الموالون للجمهورية سراحه مع بقية المعتقلين. ساهم بنشاط في عمليات قمع حركة الشواف.

في عام 1959م صدرت بحقه عدة أحكام بالإعدام بتهمة المساهمة في القتل وقمع مؤامرة الشواف، هُربَّ إلى موسكو من قبل الحزب الشيوعي، ليبدأ صفحة أخرى من حياته. أنهى فيها الكلية التحضيرية للغة الروسية، ثم درس وحصل على الماجستير عن رسالته حول الحزب الوطني الديمقراطي العراقي.

نال بعدها شهادة الدكتوراه في الإعلام، وعمل باحث علمي في معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية في موسكو، يعيش حاليا في العاصمة السويدية ستوكهولم.

يتذكر الدكتور خليل عبد العزيز الكثير من تلك الأحداث التي سبقت ثورة الرابع عشر من تموز وما تلاها أيضا :

بعد تسريحي من الخدمة العسكرية في قاعدة الشعيبة جنوب مدينة البصرة إثر قيام ثورة الرابع عشر من تموز،ذهبت إلى بغداد، حيث قابلت هناك الرفيق جمال الحيدري الذي اخبرني بضرورة ذهابي إلى مدينة الموصل لاستلام قيادة اتحاد الطلبة العراقي العام هناك، والذي كنت في الأساس المؤسس الفعلي له عام 1952 ،على أن تقرر منظمة الحزب الشيوعي في الموصل مستقبلا مركز عملي داخل الحزب. عند مقابلتي للرفيق جمال الحيدري اخبرني بضرورة الذهاب إلى مكتبة السيد يعرب البراك والتي تقع في ساحة الأمين، وهناك سوف يقابلني الرفيق عزيز الحاج ويسلمني التعليمات وأجور السفر.عندها ذكرت الرفيق جمال الحيدري بحادثة سابقة وقعت في سجن بعقوبة عام 1956 حيث التقانا مسؤول التنظيم الحزبي آنذاك الرفيق كريم أحمد،وقابلني والرفاق نافع يونس وعدنان عبد القادر، وأخبرنا بضرورة الانتباه للرفيق عزيز الحاج والاعتناء به، وقال أن الرفيق الحاج على وشك الانهيار، ويجب علينا مراقبته وأيضا رفع معنوياته.لذا سألت الرفيق جمال الحيدري عن الذي تغيير اليوم ليطلب مني استلام التعليمات من عزيز الحاج، فأجابني الرفيق الحيدري بأن ذلك أصبح من الماضي، وعليَّ أن أنسى ذلك الموضوع وأبعده عن ذهني كليا، فعزيز اليوم أحد قادة الحزب، والمهمة الملقاة على عاتقي هي الذهاب لمقابلة عزيز الحاج وأخذ التعليمات منه. وفعلا ذهبت إلى هناك ووجدت الرفيق عزيز الحاج فسألته عن التعليمات فأخبرني بعدم وجود تعليمات محددة، وأعطاني نصف دينار وطلب مني شراء بطاقة سفر للذهاب إلى الموصل وهناك سوف تحدد طبيعة عملي.

اتحاد الطلبة العراقي العام في الموصل
بعد وصولي إلى الموصل عقد اتحاد الطلبة العراقي العام اجتماعا اُنتُخبت خلاله رئيسا لهيئته القيادية. كانت الأجواء السياسية في مدينة الموصل عند نهاية عام 58 وبداية عام 1959 متوترة ومشحونة بالضغينة ومعاداة ثورة 14 تموز وكانت الأوضاع مرتبكة وحساسة جدا. كنت قد وصلت الموصل في أيلول عام 1958 وكان أعضاء اتحاد الطلبة العراقي العام ومثلهم الشيوعيون شجعانا وصداميين، رغم قلتهم، لا يتهيبون أعدائهم من القوميين والأخوان المسلمين وقوى الرجعية والمؤسسة الدينية وأغلب ضباط الجيش في المواقع العسكرية داخل المدينة.

وفي محاولة لجس النبض أو هي محاولة للإحاطة بالحدث وكشف بعض خيوطه قبل حدوثه، لذا قررنا في قيادة اتحاد الطلبة العراقي العام تشكيل وفد للذهاب ومقابلة آمر موقع الموصل العسكري العقيد عبد الوهاب الشواف، وكان موقعه العسكري يجعله أعلى سلطة إدارية وسياسية في المدينة. وبعد طلبنا المقابلة جاءنا بعد أيام الجواب بالموافقة، فذهبنا لمقابلته. في المقابلة طلبنا من العقيد الشواف المساعدة لإيجاد مقر ثابت للاتحاد، فكان رده هادئا وكيسا، حيث قال :

ــ أبنائي .. يقال عنكم أنكم شيوعيون ، وأنتم دائما تلتقون في مقهى عبد هبراية. فأنكرنا ذلك وأخبرناه بأننا اتحاد للطلبة ولا علاقة لنا بالحزب الشيوعي، ونحن منظمة مفتوحة لجميع طلبة العراق، أما جلوسنا في ذلك المقهى، فنحن نضطر أن نتخذها مقرا لنا لعدم امتلاكنا مقرا حقيقيا.

بعد هذا الحديث تعهد العقيد الشواف بإيجاد مقر لاتحادنا مؤكدا على أن الغرض من تعهده هذا هو أبعادنا عن المشاغبين والمخربين. وبارك جهودنا كمجموعة طلابية ثم دعانا للركوب معه بسيارته العسكرية وتوجه بنا إلى مكان قريب من مطار الموصل، وهناك أشار وحدد لنا قطعة أرض قال أنها سوف تكون ناديا ومقرا لكم وأنا أمنحكم إياها، فأخبرناه بأننا لا نملك ما يساعدنا على بنائها، فقال لن تتكفلوا انتم ببنائه وإنما سوف أوجه أمرا لإمرية الهندسة العسكرية للمباشرة بالبناء. وعندما كان يعرض علينا قطعة الأرض وموقعها كان هاجسنا وظننا إن الشواف يريد أن يضع الاتحاد وقيادته تحت المراقبة والسيطرة.

أثناء وقوفنا مع العقيد الشواف عند قطعة الأرض، جاء مقدم اللواء في معسكر الموصل المدعو محمود عزيز، وكان هذا ضابطا مساعدا للعقيد الشواف في الكثير من المهام التي يكلفه بها. كان المقدم محمود عزيز وهو محسوب على القوميين العرب، ضابطا شرسا يحمل حقدا كبيرا على الحزب الشيوعي وقادة ثورة 14 تموز، ولعب دورا أساسيا في التحريض على قيام مؤامرة الشواف.

بعد أن أدى المقدم محمود عزيز التحية تفاجأ العقيد الشواف بحضوره وتساءل عن سبب مجيئه، فطلب المقدم محمود الانفراد بالعقيد الشواف ليخبره بشيء خاص.فسمعنا بعضا من حديثه الذي ركز على كوننا شيوعيون، فتساءل العقيد الشواف عن الذي يدعي هذا، فأجابه المقدم محمود بأن هذا الطالب خليل عبد العزيز شيوعيا وكان سجينا في العهد الملكي،وإن اتحاد الطلبة العام واجهة من واجهات الحزب الشيوعي. وكان جواب الشواف بكلمة واحدة ـ ميخالف .. ميخالف . ثم عاد ألينا ليقول هذا هو مقركم وسوف يبنى لكم هنا ناديا. وعدنا معه أدراجنا إلى المدينة .

في تسارع للأحداث كانت مدينة الموصل تغلي والوضع يوحي بالكثير من التداعيات. جاء قرار إقامة مهرجان أنصار السلام في المدينة وبلغنا كاتحاد لطلبة العراق بالتهيؤ لتنظيم ما يليق باستقبال الوفود القادمة من مدن العراق للاحتفال في مدينة الموصل. ومع وصول خبر المهرجان هاجت مشاعر العداء بين القوميين العرب والأخوان المسلمين والكثير من الضباط المعادين للثورة وللحزب الشيوعي وحركة أنصار السلام، وبدورنا اكتشفنا أن جميع هؤلاء قد أعدوا العدة للانتفاض والعمل على تخريب احتفالات المهرجان و قبلها منعه من القيام بفعالياته في المدينة.وبدورنا فقد جهزنا كوادرنا للوقوف بوجه تلك النوايا الخبيثة.

تطورت الأحداث وقام العقيد الشواف بحركته العسكرية التي سببت قتل الكثير من المناضلين الشيوعيين والوطنيين، ووقعت حوادث مؤسفة لم يكن لأحد القدرة على تجنبها.

بعد انتهاء التمرد وحصول تغيير في سياسة الزعيم عبد الكريم قاسم وبسبب الخوف والذعر الذي أصابه جراء نشاط الشيوعيين وتصاعد شعبيتهم، وفي محاولة منه لإيجاد نوع من التوازن بين مجموعة الشيوعيين وحلفائهم من الوطنيين في مواجهة العناصر القومية والإسلامية. أصدرت سلطة الزعيم عبد الكريم أحكام بالإعدام على مجموعة من أبناء الموصل كنت واحدا منهم. حينذاك قرر الحزب الشيوعي تهريبنا خارج العراق، فكنا مجموعة من شباب الموصل وزعنا على بلدان عديدة، ذهب قسم منا إلى ألمانيا الديمقراطية وقسم أخر إلى بلغاريا والبعض إلى جيكوسلفاكيا وكنت أنا من المجموعة التي ذهبت إلى موسكو.

حين وصولي موسكو، وكان ذلك في ديسمبر عام 1961 .حينها وجدت إن الرفاق السوفييت قد قرروا أن أقوم بدراسة اللغة الروسية في موسكو، وبعد انتهاء دراسة اللغة علي الالتحاق بالمدرسة الحزبية العليا في طاشقند عاصمة جمهورية أوزبكستان.

في موسكو التقيت بالرفيق سلام عادل، وفي تلك المقابلة أكد علي الاحتفاظ بالاسم الموجود في جواز سفري المزور، والذي حملته حين عبرت الحدود متوجها إلى موسكو وكان باسم (يوسف الياس يوسف). كان هذا الاسم والجواز عائدين لشخص حقيقي من أهالي تلكيف، وأخبرني الرفيق سلام عادل بأن الرفاق السوفييت هم من طلب أن أحتفظ أنا بهذا الاسم. وكان عليّ أن أنهي كلية اللغة وأذهب بعد ذلك إلى طاشقند حيث مدرسة أعداد الكوادر الحزبية.

بعد مضي شهر على وجودي في مدرسة تعلم اللغة علمت بقدوم لجنة من وزارة التعليم العالي السوفيتية مهمتها مقابلة الطلبة. وفعلا جاءت اللجنة وقابلت الطلبة، وحين جاء دوري وبعد أسئلة عديدة وجه لي سؤال عن المهنة التي سبق أن امتهنتها في العراق، فأخبرتهم بأني لم أكمل الدراسة الإعدادية ولكني مارست الصحافة، فاخبروني بعدم أهمية شهادتي الدراسية في العراق، ومن الضروري أن أعرف بأني الآن طالب في الكلية التحضيرية لدراسة اللغة وسوف أكون مستقبلا وبعد موافقتي طالبا في كلية الصحافة بجامعة موسكو,وإثر ذلك ثبت ليَّ مقعدا دراسيا هناك.

وبعد أن أنهيت فترة دراسة اللغة في الكلية التحضيرية ذهبت لمقابلة الرفيق سلام عادل الذي بادرني القول بأن قيادة الحزب قد حجزت ليّ بطاقة سفر وعلي الذهاب إلى طاشقند. لم أعترض ولم أخبره بموضوعة المقعد الدراسي في كلية الصحافة، وسافرت إلى طاشقند.

قابلني هناك نائب مدير المدرسة الحزبية وطلب مترجما للحديث معي، فأخبرته بعدم الحاجة لمترجم فأنا أنهيت دراسة اللغة وأجيد الروسية، فاستغرب من ذلك فأخبرته باني خريج المدرسة التحضيرية لتعلم اللغة في موسكو. فاجأني معاون المدير بسؤال محرج. أذن ما الذي جاء بك إلى هنا؟ فأجبته بأن الحزب الشيوعي العراقي قرر ذلك. فقال لي والدهشة ترتسم على وجهه، هذه المدرسة ليست لكم فهي مدرسة حزبية خاصة بالكوادر الفلاحية. فنبهته بوجود رفاقي من الذين سبقوني في هذه الدورة، فقال لي أنه يعرف ذلك، ثم أخبرني بأن مدير المدرسة الحزبية سوف يأتي غدا ويقابلني. أخبرت رفاقي في الدورة بما دار بيني وبين نائب المدير فقابلوني بالصدود وطلبوا مني نسيان الآمر، وكان ردهم صريحا واضحا بأن مجمل الآمر يتعلق بقرار حزبي ، علينا تنفيذه حرفيا. عندها وجهت سؤالي إلى الرفيق عطشان الأزيرجاوي عن سبب وجوده في هذا المكان وهو أصلا ضابط في الجيش، فرد علي بأنه ينفذ قرار الحزب، وليس لديه خيار في ذلك. أصر الرفاق على التمسك بقرار الحزب والبقاء في المدرسة الخاصة بالكوادر الفلاحية. لم أترك الآمر ليمر بسهولة لذا اتصلت بالرفيق سلام عادل هاتفيا وأخبرته بحديث معاون المدير فكان جواب الرفيق سلام عادل مثلما السابق، بأن القضية تتعلق بقرار حزبي اتخذ بالاتفاق بين حزبنا الشيوعي والرفاق السوفييت وهما الجهتان اللتان قررتا ذهابك ورفاقنا إلى طاشقند وعليك أن تبقى في الدورة وعدم إثارة المشاكل والاعتراضات.

مع عطشان الزيرجاوي (يسار الصورة) في مدرسة الكوادر الحزبية الفلاحية/ طاشقند

بعد مدة، ومن حسن الحظ أخبرونا بأن اجتماع للكوادر الحزبية في جمهورية أوزبكستان سوف يعقد خلال الأيام القادمة، ونحن كمجموعة طلبة عراقيين في المدرسة الحزبية مدعوين لحضور الاجتماع كضيوف، والرفيق رشيد رشيدوف، وهو سكرتير اللجنة المركزية في أوزبكستان ومرشح لعضوية المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفيتي، وضمن كلمته التي سوف يلقيها في ذلك الاجتماع، سيشيد بمجموعتنا، ومن الموجب علينا أن نهيأ كلمة قصيرة لا تتعدى الخمس دقائق نشكر فيها رفاقنا الأوزبكيين على حسن الضيافة. وقد اتخذت مجموعتنا القرار بأن يقوم الرفيق عطشان الازيرجاوي بكتابة وإلقاء الكلمة، وقد فوجئنا بأن الرفيق عطشان قد أعد الكلمة، وعند قراءتها، قرر الرفاق التصويت عليها فنالت موافقة الجميع وكنت أنا المتحفظ الوحيد عليها، وأخبرت الرفاق نيتي عرض مشكلة وجودنا في مدرسة الكوادر الفلاحية على الرفيق رشيد رشيدوف، فرفض الرفاق بشكل جماعي مثل هذا الآمر، وأتخذ قرار بأن لا أحد يحق له الحديث عدا الرفيق عطشان الازيرجاوي . ذهبنا إلى الاجتماع وتحدث الرفيق رشيدوف ومدحنا في كلمته.

جاء دور الرفيق عطشان فقدم كلمة المجموعة وبعد أن أنهى كلمته، رفعت يدي طالبا الكلمة، عندها حاول الرفاق منعي من ذلك، حينها أنتبه رشيدوف لما كان يجري في مجموعتنا، فقال ما الذي يحدث ، ما الذي تريد قوله، فأجبته بأني أطلب مقابلتك فقال حسنا، ثم استمرت وقائع الاجتماع . في نهاية الاجتماع جاء نحوي رجلان وطلبا مني مرافقتهما ، اعتقدت بادئ الأمر، أنهما من رجال الأمن، وأن هناك أمر قد دبر ضدي. ذهبت معهم وصعدت إلى سيارة كانت متوقفة عند الباب. سألتهم عن الجهة التي سوف ينقلوني أليها، فأخبراني بأنهما مكلفان بنقلي إلى مكان ما، وهذا كل ما يعرفانه. بعد فترة قصيرة وقفت السيارة أمام قصر ضخم كان رشيدوف يقف عند بابه الرئيسي. رحب بي ترحيبا طيبا وسألني عن اسمي ثم جلسنا على بسط مفروشة على الأرض حسب تقاليد وعادات أهالي أوزبكستان، عندها بادرني رشيدوف بالسؤال عن المشكلة التي أريد عرضها عليه، فأخبرته بما نحن عليه في المدرسة الحزبية وأوضحت له بأننا كوادر عراقية حزبية متقدمة ومتعلمة ولا علاقة لنا جميعا بالحياة الفلاحية.أصيب رشيدوف بالدهشة، وشاطرني الرأي بأن هذه المدرسة الحزبية ليست لأمثالنا . بعدها أتصل رشيدوف مباشرة بجهات حزبية عليا في موسكو وتحادث معهم في هذا الشأن، فأخبروه بأن هذا يتعلق بقرار من الحزب الشيوعي السوفيتي وافق عليه الحزب الشيوعي العراقي، وأن أريد تغيير المدرسة الحزبية فعلى الحزب الشيوعي العراقي تقديم طلب بذلك، عندها نقوم نحن، أي الجهات الحزبية السوفيتية، بنقلهم إلى دورات ودراسات أخرى تختار لهم حسب الاختصاص، ونستطيع نقلهم إلى مدرسة غوركي الحزبية والتي تعد مدرسة عليا لإعداد الكوادر المتقدمة، ولا مانع هناك من اتخاذ هذا الموقف لو جاءت الموافقة والطلب عبر الحزب الشيوعي العراقي. وطلب مني الرفيق رشيدوف في نهاية اللقاء الاتصال بالرفيق سلام عادل، ليتخذ رسميا مثل هذا الأجراء. في نهاية اللقاء أعادوني إلى السكن فاستقبلت هناك بالأسئلة من قبل رفاقي عن اللقاء والمكان الذي نقلت أليه، فأخبرتهم بطبيعة اللقاء وما دار فيه من حديث ووقائع، فكانت ردود فعلهم متباينة وكان بعضها مستنكرا. ذهبت بعد ذلك لأتصل هاتفيا بالرفيق سلام عادل وأخبرته بتفاصيل ما حدث في لقائي بالرفيق رشيدوف وحصوله على موافقة القيادة العليا للحزب الشيوعي السوفيتي. فأجابني الرفيق أبو أيمان بعدم التحرك أو فعل أي شيء، وعلينا البقاء في المدرسة الحزبية في مدينة طاشقند، وأن الحزب الشيوعي العراقي لن يفعل أي شيء ولن يخاطب أية جهة لتغيير موقعنا في المدرسة الحزبية في طاشقند. بدوري وبعد إلحاح طويل سألته عن سبب ممانعتهم في نقلنا إلى مكان أخر، فأجابني الرفيق سلام بأن حزبنا قد وقع اتفاقية مع الرفاق السوفييت وهذه الاتفاقية تعد نهائية ولا يمكن تغييرها، وانتم جماعة الموصل بالذات، يجب بقائكم في طاشقند، وعلى الجميع تنفيذ هذا الأمر دون نقاش. وحين عودتي إلى موقع السكن في المدرسة الحزبية أخبرت الرفاق بمحادثتي والرفيق سلام عادل فأجابوني بصوت واحد، ألم نقل لك ذلك.

خلال فترة وجودي استطعت أن أقيم علاقة بسيطة مع مدير مزرعة للكلخوز تقع في ضواحي طاشقند، وهي مزرعة للتعاونيات، وكان هذا المدير مثلنا طالبا في المدرسة الحزبية ذاتها. وقد اتخذت قرارا منفردا كنت أعد له دون أن أخبر أحدا من رفاقي، لذا توجهت إلى الرفيق مدير التعاونية الزراعية وطلبت منه المساعدة في تنفيذ ما كان يدور في ذهني. فاتحته بحاجتي لمساعدته وطلبت منه أن يكلف سائقه بأخذ حقيبة ملابسي بسيارته ويخرجها خارج المدرسة الحزبية، فسألني مدير الكولخوز عن السبب في ذلك، فأخبرته عن وجود طلب خاص يدعوني لزيارة موسكو، وطلبوا مني أن لا أخبر رفاقي عن هذه الزيارة، ولكوني لا أود أن أثير الأمر مع رفاقي فارتأيت أن أطلب مساعدتك لإخراج حقيبة سفري مع سائقك ونقلي إلى المطار. بروح رياضية وافق المدير على مساعدتي وكلف سائقه بذلك. ذهبت وابتعت بطاقة سفر إلى موسكو وركبت الطائرة متوجها إلى موسكو مودعا طاشقند والمدرسة الحزبية للكوادر الفلاحية.

القبول في كلية الصحافة، جامعة موسكو
بعد يوم من وصولي موسكو ذهبت مباشرة إلى كلية الصحافة ودخلت إلى الإدارة وقدمت نفسي، فدهشوا وسألوني أين كنت طيلة تلك الفترة، وقد بحثنا عنك في القسم الداخلي، وتلقينا جوابا بأنك سافرت خارج موسكو. بدوري أخبرتهم بأني كنت مريضا ودخلت أحد المستشفيات. بعد استفسارات عديدة أخبروني بان الدوام قد بدأ منذ فترة ولكن لا ضير في ذلك بالنسبة لي، وأن علي الذهاب إلى القسم التعليمي كي يجهز لي أوراقي الرسمية في الكلية ويعيدون ترتيب وضعي بما يشير لبدئي الدراسة في الكلية. لم أكذب الخبر وذهبت وأنا فرح جدا إلى القسم التعليمي، وهناك تمت الإجراءات بشكل سريع وأكملت دون أبطاء، وأدرج أسمي في سجل الطلبة، وأعدت هناك أوراق تشير إلى كوني طالب في كلية الصحافة بجامعة موسكو، ثم أصدرت لي هوية انتماء للكلية ، وخصصت لي كطالب غرفة في الأقسام الداخلية التابعة للجامعة. دهشت حين أخبرت أيضا بأن علي الذهاب لاستلام رواتبي المتراكمة. وضعت النقود وهوية الكلية في جيبي وبدأت المباشرة في كلية الصحافة جامعة موسكو كتلميذ وليس كادرا حزبيا في مدرسة لإعداد الكوادر الفلاحية.

بعد أيام من مباشرتي في الكلية اتصلت بالرفيق سلام عادل فسألني مباشرة أين أنت الآن، الرفاق أخبرونا بأنك تركت المدرسة الحزبية في طاشقند، دون أن تخبر أحدا، فأخبرته بصحة ذلك، وأني الآن في موسكو، وأدرس في كلية الصحافة، فاستغرب الرفيق سلام، وقال لي، هل أن هذا الآمر هو برسم خيالك أم شيء أخر، فأجبته بأن هذا هو الواقع بعينه، وسبق لي أن أخبرتك بأن المدرسة الحزبية في طاشقند هي للكوادر الفلاحية وهي لا تتواءم وطموحي وتطلعاتي، وهي في نهاية الآمر ليست لأمثالنا. ظهرت بعض العصبية في ردود الرفيق سلام عادل وفي النهاية أخبرني بأن الرفيق عضو المكتب السياسي هادي هاشم ألأعظمي سوف يأتي ليقابلني ويتفاهم معي حول الذي جرى، فأخبرته بأن الرفيق هادي هاشم يستطيع أن يلتقي بي جوار بالشوي تياتر (المسرح الكبير) وسط موسكو.

قابلت الرفيق هادي هاشم الذي راح يوجه لي الأسئلة تلو الأخرى، ثم قال لي بشيء من الحدة بأني قد خرقت التعاليم والتوجيهات الحزبية، وعليه وحسب توجيهات الرفيق سلام عادل، علي العودة إلى المدرسة الحزبية في طاشقند، ومن الموجب ترك كل تلك الأفكار، فأنت كادر حزبي والواجب عليك قبل غيرك الالتزام بجميع ما يصدر لك من توجيهات دون جدال أو تردد، والحزب قد وقع أتفاق مع الرفاق السوفيت في مسألة أعداد كوادرنا الحزبية. عند ذلك أسرعت في عرض هوية كلية الصحافة عليه ، وقلت له أن السوفيت في جامعة موسكو كلية الصحافة، هم من عمل لي هذه الهوية، ولن أتنازل عن هذا الأمر. بعد أن أصطدم بعنادي قال علينا الذهاب إلى الرفيق سلام عادل. عندها ذهبنا إلى هناك وقابلنا الرفيق أبو أيمان وتكرر معه ذات الحديث وعرضت عليه هويتي فبدا الاحمرار يغطي وجهه ، وقال حسنا سوف نتخذ بحقك عقوبة حزبية، فقلت له بدلا من معاقبتي أعيدوني إلى العراق، فاستغرب موقفي هذا، وقال كيف نعيدك وأنت محكوم بالإعدام .

بعد ثلاثة أيام أخبرني الرفيق هادي هاشم بصدور قرار حزبي بحقي ، وهو تجميدي من العمل الحزبي لمدة ثلاثة أشهر ولحين إعادة النظر في قضيتي وموقفي. بدوري شعرت بشيء من الراحة. بعد فترة اتصل بي رفاقي في المدرسة الحزبية في طاشقند ليسألوني عن الذي جرى معي فأخبرتهم بالذي حدث وأني الآن طالب في كلية الصحافة بشكل رسمي فأصيبوا بالدهشة.

بعد مضي عقوبة الثلاثة أشهر من التجميد أخبرت من قبل الرفاق بأني أعدت إلى الحزب لأصبح مسؤول خلية، وأن موضوعة خرقي للتعاليم الحزبية مازالت مطروحة داخل قيادة الحزب. وبعد فترة طويلة أتصل بي الرفيق سلام عادل وأخبرني رغبته في لقائي فذهبت والتقيته، فأخبرني بأنه يريد العودة إلى العراق وطرح علي العودة معه إلى هناك، فأجبته دون تردد بالموافقة، فأنا جئت إلى موسكو بطلب من الحزب وأعود إلى العراق أن قرر الحزب ذلك. وخلال اللقاء شعرت بشيء من الراحة، ودار بيننا حديث متشعب تطرقنا فيه لعدة أمور وبالذات حول طبيعة دراستي، وأخبرته بأني أحد الطلبة المتقدمين في الكلية. وتطرق الرفيق سلام في حديثه عن العلاقة مع عبد الكريم قاسم حيث أشار لرغبته بابتعاد الحزب عن الزعيم قاسم، وعدم تأييد سياسته، ولكن الرفاق السوفييت يمانعون في ذلك. وعلى أثر هذا الموقف تقرر تكليف الرفيق جورج تلو عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي الذي كان متواجدا في موسكو للسفر إلى بغداد ونقل وجهة نظر الرفاق السوفييت.

في كلية الصحافة
أثناء دراستي في الكلية بدأت أنشط في مجالات مختلفة وبالذات عالم الصحافة وتوطدت علاقتي بوكالة نوفوستي للأنباء حيث اتصلت بهم فطلبوا مني كتابة مقالات باللغة العربية، وقد زودتهم بذلك فكانت تنشر في أغلب مطبوعات الوكالة، مثل مجلة المدار التي تصدر في بيروت وجريدة الأخبار في بغداد ومجلات أخرى في دمشق والقاهرة، حيث كتبت مواضيع عن حياة المرأة وأوضاعها في العراق. وكنت أيضا أغطي وأحرر مقالات حول طبيعة العلاقات السياسية والثقافية بين البلدان العربية والاتحاد السوفيتي، وغالبا ما كلفت من قبل وكالة نوفوستي بمقابلة الوفود والشخصيات العربية التي تأتي إلى موسكو ، وكنت أجري مع تلك الشخصيات اللقاءات والحوارات الصحفية لصالح وكالة أنباء نوفوستي، وحافظت على نشر جميع كتاباتي باسم يوسف الياس يوسف، وكنت أجلس طوال ساعات وخاصة أثناء الليل لأحرر المقالات والتحقيقات الصحفية، ولغرض ذلك ابتعت طابعة خاصة، وقد كتبت ما يقارب 800 مقالا لوكالة نوفوستي وحدها. ومن خلال نشاطي وتحركاتي كونت علاقات عديدة بمنظمات وشخصيات فاعلة في عالم الصحافة والسياسة.

يتبع






 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter