|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الخميس  21 /  6 / 2018                                 فرات المحسن                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

هل قرأ المكتب الاستشاري  للحزب الشيوعي العراقي اللوحة جيدا؟

فرات المحسن
(موقع الناس)

أرسل لي العديد من الأصدقاء  بيان المكتب الاستشاري للحزب الشيوعي  الصادر في 15 /06 /2018 والمعني بتوضيح موقف الحزب حول اللغط الذي أثير بعد إعلان الدخول في التحالفات بدءًا  من الدخول في سائرون ومن ثم سائرون مع الفتح ثم توالت الإشاعات عن تحالف مع الحكمة وإرادة ودولة القانون والوطنية إلى أخر قائمة المكونات.هذا البيان التوضيحي جاء كتعهد أخلاقي بشروط أن لم يجدها الحزب الشيوعي متوافقة ورؤاه ومنفذه من قبل حلفائه فهو في حل من الارتباط بتلك التحالفات.

قرأت البيان بتمعن شديد فوجدت فيه ما يشير للإصرار على التحالف مع أي كان ولكن ليس بالذي يكون. أي إن الحزب الشيوعي مستمر بالتحالف داخل سائرون حتى وإن قام هناك ائتلاف أو تحالف جديد بينه وباقي الكتل الأخرى، فإن الحزب سوف يستمر معهم ولكن له في الذهاب هذا شروط ، وفي شروطه هذه يكون حريصا على استقلال قراره السياسي. وقد عرض الحزب شروطه أو مرتكزات تحالفه، وهي بمجملها حجر الزاوية في تحالفنا، مثلما ذكر مكتب الحزب الاستشاري. وتلك المرتكزات تبدأ بالابتعاد عن المحاصصة، بناء دولة المواطنة، ضمان استقلال القرار العراقي، حصر السلاح بيد الدولة ، تقديم الخدمات للناس، تأمين البطاقة التموينية، أطلاق تنمية مستدامة وأخيرا محاربة الفساد. فإن ابتعدت التحالفات عن كل ذلك عندها يكون للحزب موقفا أخر، أي أنه لن يشارك في تلك التحالفات، ولن يكون ضمن طاقم الحكومة، وينسحب بالكامل ليكون السيد رائد فهمي  والسيدة هيفاء الأمين في خانة المعارضة داخل البرلمان.

لا ينكر إن هذا البيان جاء ليكون مخرجا سليما للورطة التي أوقع الحزب نفسه فيها ، والتي دفع ثمنها لحد الآن غاليا أمام الكثير من أعضائه وأصدقائه ومؤازريه ومحبيه، وأصبح النقاش حول تلك الخطوة بابا لجدال غير عادي تجاوز الدهاليز الداخلية نحو فضاء الخارج، ولم يخلوا من القسوة والإيذاء لكلا الطرفين المؤيد والرافض، وحدث اصطفاف لن يكون اليوم أو غدا لصالح الحزب الشيوعي، ولذا من الضروري الوقوف أمامه وقفة حساب ومكاشفة لجميع مراحل الحدث، منذ ما قبل التحضير للانتخابات، بدءًا من خلطة تظاهرات ساحة التحرير ومن ثم دعوة الحزب لتشكيل (  تقدم ) لحين إتمام صفقة الدخول في سائرون وما تبعها من مشاهد، على أن لا يهمل أو يبعد مدخل اختزال وحصر مسؤولية سائرون بشخص السيد مقتدى الصدر وما ترتب ويترتب على ذلك من قرارات تمس التحالف بالصميم.

في صلب بيان المكتب الاستشاري للحزب الشيوعي، وما طرحه من شروط للبقاء في التحالفات، نجد أن الحزب لا يملك في الوقت الراهن خيار الانسحاب الفوري، بسبب عدم ظهور وتبلور نتائج  ما أشيع عن المشاورات بين السيد الصدر والسيد هادي العامري، وقبل ذلك مع الحكيم وقائمة الوطنية. أيضا لا يحبذ الحزب العجالة والخروج الآن تحاشيا لسلوك وردود فعل منفلتة، ربما ستكون قاسية وموجعة وانتقامية توجه له من قبل بعض الحلفاء، وأظن إن من وسط هؤلاء الحلفاء من ينتظر تلك اللحظة بفارغ الصبر، ليكون عندها بحل من المحاسبة، ثم يوضع اللوم بالكامل على الحزب الشيوعي كونه طعن بتحالف سائرون وغدر به  بعد أن حصل منه على المقعدين.

في قراءة  لشروط  الحزب والتي أرى في البعض منها رصاصات قاتلة وتحد لبعض القوى إن كانت المسلحة منها أو المرتبطة بدول الجوار وتتلقى منها الدعم السياسي والتمويل. ولكن لأختصر الأمر ببعض الشروط وأحاول قراءتها دون لبس أو توريات. 

من الجائز القول إن الحزب الشيوعي تغافل عند تحالفه في سائرون ونحى جانبا خارطة الفساد التي يتقاسمها العديد من الشخصيات ذات الثقل المؤثر والفاعل داخل جميع الكتل دون استثناء،  وليس بعيدا عنهم العديد من شخصيات داخل كتلة سائرون، وإن جرت جردة حساب لسراق وناهبي المال العام، عندها يكون هؤلاء في مقدمة الأوغاد ، فما بالكم بالقوائم الأخرى المترعة بأتعس وأقذر مافيات القتل والنهب والسرقات. وإن جرت التحالفات على ذات المنوال الذي يعد له اليوم، فلن تكون الصورة بعيدة عن تكتلات الأعوام  الخمسة عشر الماضية التي باعت ونهبت فيها النخب السياسية ولازالت تنهب خيرات العراق، وهي اليوم تحاول إعادة تدوير نفسها لتتصدر من جديد المشهد في إدارة السلطة. وعند هذا أجد من الموجب على الشيوعيين التدقيق والتمعن جيدا بهذه الكتل وأولها من هم أقرب عليهم وفي دائرة سائرون، فليس اللسان الذرب والكلام العذب يغني ويسمن،وليس كل ما يعلن عند البعض هو عين الصواب أو الحقيقة الواقعة،  وأن رضي عنه وتقبله الشيوعيون فتلك مصيبة عظيمة تقع في صلب المبادئ والضمير والأخلاق، وكان من المناسب أن يلفظ  الحزب أي علاقة تربطه بهؤلاء، إن كانت لديه معايير لتفضيل تلك الكتلة عن غيرها.

ومن الموجب أن تتقدم الشروط مسألة حصر السلاح بيد الدولة، والتي تبدو في وقائعها سبب كبير للخراب العام في العراق، وحصر السلاح بيد الدولة يعني تخلي  الأحزاب والفصائل المرتبطة بها عن سلاحها وهذا يشمل أيضا قوى سبق وسماها السيد مقتدى الصدر، المليشيات الوقحة وهي فصائل مدججة بالسلاح،  دائما ما تصرفت بسوء وترهيب للمجتمع، وهناك ما يشير لعلاقة سيئة بينها وبين مؤسسات الدولة العراقية، بل وجهت سلاحها في الكثير من الأحيان نحو  تلك المؤسسات.

نزع السلاح وحصره بيد الدولة يحتاج إلى قرار سياسي فعلي تتخذه أولا قيادات الأحزاب والقوى المشاركة في العملية السياسية ، إن كانت تؤمن بشكل ناجز وحقيقي بالتداول السلمي للسلطة. ولكن ولحد الآن فتلك الأحزاب تحتفظ بفرقها العسكرية الجرارة وتتسلح بأنواع من الأسلحة الخفيفة والثقيلة، لا بل تخزن أسلحتها الفتاكة في بيوت ومحال وسط الدور السكنية للمواطنين وفي جميع أنحاء العراق. وجميعنا يتذكر كدس العتاد العائد لسرايا السلام والمخزن في دار للعبادة وسط مدينة الثورة، والذي راح ضحية تفجيره العشرات من الجرحى والقتلى وهدم ما يقارب العشرين دارا سكنية لفقراء المدينة، دون أن نجد من يحمل سرايا السلام مسؤولية الجريمة النكراء حتى من بين الأوساط الحكومية، وذلك الآمر يبدو طبيعيا جراء ما يحمله الجناح العسكري لأتباع التيار الصدري من قوة وبطش وتهديد يفرض فيه الصمت على الناس وبقوة السلاح.

دون تفكيك القوى والفرق العسكرية التابعة للأحزاب وكذلك الفصائل المسلحة فلن يكون هناك سلما اجتماعيا أو تداولا سلميا للسلطة أو مسعى جادا  لدولة المواطنة ولا حتى وجود لتحالفات تسعى لتحقيق الدولة المدنية الديمقراطية، وتبقى لغة الرعب المسلط على الشعب هي السائدة وتنفجر بين حين وأخر،ومن الممكن أن تندلع حرب سلاح لا تعرف الناس عندها من المسبب لهذا الموت المجاني، وهذا ما نراه اليوم في استشراء حرب العشائر المجنونة دون رادع قانوني أو أخلاقي.

ولكن لا ينكر ما يتعرض له الوطن من إرهاب داخلي مدعوم خارجيا لذا نجد إن سرايا السلام وباقي قوى الحشد الشعبي لازال العراق بأشد الحاجة لها في مواجهة فلول داعش وباقي منظمات الإرهاب، مما يجعل فكرة تشكيل ألوية من هذه الحشود تخضع للنظم والتقاليد والسلوك العسكري وتحت أمرة قادة من الجيش، ضرورة قصوى ومخرجا للسيطرة على حركة وسلاح هذه الفصائل.   

أما شرط الابتعاد عن المحاصصة فمنذ مؤتمر لندن ولحد اليوم كان ومازال هذا النموذج السيئ شعارا لجميع النخب السياسية العراقية، وأصبح مرضا عضويا مستعصيا عند الجميع، وما عادت تلك النخب بقادرة على  الخلاص منه،لا بل بات هدفا  يتقدم المشاريع جميعها، ويظهر في سعي التحالفات لتشكيل الكتلة الأكبر، فأصبح من ينادي من هؤلاء بالابتعاد عن المحاصصة،  كمن يروي نكته سمجة لإضحاك الأطفال.

الجميع دون استثناء يسعى للتحالف وتكوين ألكتله الأكبر، ولا أدري ما دوافع الركض وراء مثل هذا عند أغلب القوائم،  هل هو الجلوس لتناول الشاي والبسكويت مثلما دعي لذلك السيد رئيس الوزراء، أم هو مشروع طموح وطمع للحصول على مكاسب ومكانة داخل السلطة القادمة، ليبدأ من جديد شوط توزيع المناصب والاستحواذ على المال والقوة والمنافع.وسوف يكون مشروع إعادة بناء الدولة وبذات النخب، مشروعا لا علاقة له من قريب أو بعيد بمسألة التخلص من المحاصصة وبناء الدولة الديمقراطية.

لنجعل الصراحة مدخلا وشاهدا فكتلة الفتح وعمادها منظمة بدر تقاتلت، نعم تقاتلت للاستحواذ على وزارة الداخلية ووزارات أخرى وحصلت عليها عند التغيير في وزارة العبادي، وهي ساعية اليوم للحصول على حصتها حاملة بيدها سلاح الانتصار على داعش بقوة وعزيمة الحشد الشعبي، ولذا تريد مستحقات المكافئة وعلى ذات الشاكلة تنحوا عصائب أهل الحق، ومثلهم فضل السيد أياد علاوي المحاصصة ونال مبتغاه سابقا، ولن يقبل اليوم بغير طمأنة جماعته ونيل حصتهم من الكعكة مثلما قيل ويقال، أما الأكراد فبعيدا عن مسمى عراق، فحراكهم يصب في صراع مع الحكومة الاتحادية حول حقوق خاصة ولكسب وزارة سيادية لا يحاد عنها وتلتحق بها بعض وزارات أخر وإدارات ضمن الدولة الاتحادية بشرط  انعدام أي نقاش في خصوصيات الإقليم  أي كانت طبيعتها، وقد وضعوا في مقدمة شروط التحاقهم وأرفقوها بالتهديد والوعيد المعتاد. والسيد الحكيم وحكمته لن يقف مكتوف الأيدي دون أن يلقم بعدد من وزارات تدر على كتلته ما تجود به مغارة العراق الذهبية. واليوم يتذكر الجميع  كيف صنع للمالكي والنجيفي وعلاوي عروشا عدت  مخرجا لشغل وظائف لرجال بطاله عطاله خصصت لهم ولرئاسة الجمهورية حاشية ملوك وأباطرة ورواتب مجزية بقدر خزينة وزارة كاملة، دون أن نرى منهم نقطة حياء يسفحونها حين استلام الراتب الشهري.

 لن أطيل فالجميع لعبها لعبة قمار للحصول على المنافع، فالقوة والمال والجاه هو مسعى الجميع وما العمل الدءوب لصناعة الكتلة الأكبر غير شروع  لتثبيت وتدوير المحاصصة.

باقي الشروط التي طرحها الحزب الشيوعي، أغلبها كانت ومازالت شعارات وهتاف يومي لرهط رجال ونساء جميع القوائم، وليس مستغربا إن اختصرت هناك أو أضيف لها بند أخر لتكحيل العيون النواعس. ونحن في كل هذا وذاك ننتظر التعهد الأخلاقي والضميري الذي اقره الحزب الشيوعي على نفسه، ولا نتوقع تأريخ محدد لتطبيقه ولكن الخوف كل الخوف أن تسوف الأمور ونخرج من الحفل دون حمص.  

 

 

 


 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter