|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الثلاثاء  28 / 2 / 2017                                فارس كريم فارس                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 



معركة تحرير الموصل الاستراتيجية والتكتيك (2)

فارس كريم فارس
(موقع الناس)

ثانيا - المجال العسكري
أ‌- تقدير الموقف الاستراتيجي للقوات العراقية والحليفة :

يبدو ان الموقف الاستراتيجي للقوات العراقية والحليفة محسوم لصالحها من حيث حجم القوات المساهمة في عملية التحرير, والتي تشمل قوات من الجيش والشرطة الاتحادية وقوات وجهاز مكافحة الارهاب, والقوات الداعمة من حشد شعبي وبيشمركة وقوات محلية, حشد وطني وعشائر, مع عامل اساسي مضاف وهو كسب ثقة وتأييد سكان الموصل بعد تجربة تحرير الساحل الايسر, مما يوحي بتنامي التعاون مع القوات المحررة وبأشكال متعددة من قبل سكان الساحل الايمن وهذا يشكل عامل ايجابي واساسي في رسم خطة عسكرية ناجحة, يضاف الى كل ذلك عامل اساسي اخر للنجاح وهو الدعم والاسناد الجوي, قتاليا واستطلاعيا لقوات التحالف الدولي وبإمكانياتها المتطورة المعروفة مع اشتراك قوات مدفعية متخصصة من قوات التحالف في الآونة الاخيرة, وكذلك الدعم والاسناد من قبل القوات الجوية العراقية عموما, وبما يخص عامل الزمن فهو لصالح القوات استراتيجيا بحيث يتيح زيادة الموارد وزجها في المعركة وتنوع استخدام التكتيكات والمناورة بالقوات, في حين يستنزف الطرف المعادي مع مرور الوقت, جميع هذه العوامل تساعد دون ادنى شك في تحقيق الهدف الاستراتيجي في انهاء وتدمير آخر معاقل تنظيم الدولة في العراق والشام - داعش -. وهو الهدف الذي يسعى اليه جميع الاطراف (الداخلية والاقليمية والدولية) المساهمة في المعركة, وتبرز نقطة مهمة هنا وهي عدم النكث بالوعود والتعهدات من قبل اي طرف مساهم, وبذا يكون الانتصار العسكري الاستراتيجي مضمون حيث من مصلحة الجميع الاسراع في انجاز المهمة.

ألا ان كل ذلك لا يعني سهولة المعركة او نيل النصر سريعا, لان معركة تحرير الموصل يجب النظر اليها, كونها تشكل جزء مهم من حرب شاملة ضد الارهاب لا يخص العراق وحده بل المنطقة والعالم. وكونها معركة معقدة ومركبة وصعبة بكل المقاييس السياسية والعسكرية, ان معركة تحرير الموصل سوف تضيف (بل اضافت فعلا من خلال دروس تحرير الجانب الايسر) صفحات جديدة للعلم العسكري في مواجهة قوى ارهابية تسيطر على مدن كبيرة مكتظة بالسكان بالضد من ارادتها ولفترات طويلة نسبيا.

ان ادارة المعركة تحتاج الى مجموعة كبيرة ومتنوعة من العوامل لضمان النجاح, فهي تتطلب قيادة عسكرية ذات رؤية استراتيجية مرنة ومناورة تكتيكية مبدعة وقبل ذلك كما ذكرنا بالجزء الاول من المقالة تتطلب, ارادة وطنية ثابتة , وتصميم عالي لتحقيق الهدف, وعقيدة وطنية صادقة تؤمن بالدفاع عن المصلحة الوطنية العليا للعراق. كما يتطلب من هذه القيادة القدرة والكفاءة المهنية لأعداد الخطة العملياتية والتكتيكية في التعبئة والمناورة والاعتماد على قيادة ميدانية صارمة وجريئة تضرب المثل في الشجاعة والتضحية والايثار امام المقاتلين والحرص عليهم, كما يتطلب من القيادة العسكرية القدرة العالية على التنسيق بين مختلف الصنوف ومع القوى الداعمة (بيشمركة وحشد) ومع قوى التحالف الدولي والمستشارين العسكريين في الجو وعلى الارض والاستفادة من جميع الموارد بشكل كامل.

ب‌- تقدير الموقف الاستراتيجي لقوات تنظيم الدولة - داعش -:

طبيعة الحرب (حرب العصابات, حرب الشوارع "المدن"): تعتبر معركة الموصل ضمن الحروب غير النظامية في مناطق سهلية ومتنوعة ومدن مكتظة بالسكان, ويعتمد "داعش" على هذا النوع من التكتيكات (حرب العصابات غير النظامية)، التي تكون القوة المقاتلة فيها قليلة العدد قادرة على الانتشار والمواجهة والانسحاب كما تتميز ضرباتها بالمفاجأة والمناورة بحركة دائمة, وترويع المدنيين المحليين الذين يعانون من اساليب العنف والاذلال لم يشهدوا مثيلا لها سابقا.

لقد اتخذ داعش عدة استراتيجيات للحفاظ على قبضته على الموصل التي سيطر عليها لمدة اكثر من عامين تمثلت بما يلي: القنابل والعبوات الناسفة: ومدن حُشدت بالفخاخ المتفجرة التي أعدها عناصر التنظيم. الهجمات الانتحارية: أصبحت الهجمات الانتحارية، سواء عن طريق استخدام السيارات أو الشاحنات المفخخة، أو المسلحين الذين يرتدون أحزمة ناسفة واحدة من أبرز هجمات "داعش" المميزة. الأنفاق: تُعد الأنفاق جزءاً رئيسياً من استراتيجية "داعش" الدفاعية، إذ أسس شبكة معقدة من الأنفاق في المدينة والبلدات المحيطة بها. هجمات الإلهاء: هجمات مفاجئة في أجزاء أخرى من البلاد، في محاولة لتشتيت انتباه القوات العراقية وشغل اهتمامهم ومواردهم في مكان آخر. الدروع البشرية: أن الجماعة الإرهابية تستهدف السكان المدنيين لاستخدامهم كدروع بشرية ضد زحف القوات، كما فعلت في معارك الجانب الايسر لإعاقة تقدم القوات. طائرات بدون طيار: أن الطائرات بدون طيار تسمح لـ"داعش" التحليق فوق القوات وإسقاط متفجرات بدائية أو التعرف على مواقع المدفعيات. إشعال الحرائق السامة: يحرق "داعش" أيضاً في آبار النفط في المناطق الغنية بالنفط، في محاولة لصد فعالية قوات التحالف الجوية والطيران العراقي عبر تعتيم مجال الرؤية لديهم. الخداع والتمويه: عمل دمى وهياكل حربية ونشرها في اماكن مختارة للتمويه على مواقعه واستنزاف المقابل.

ان القيادة والسيطرة لداعش تمتاز كما يبدو بالإرادة والتصميم والعقيدة التكفيرية وتتصف بالمهنية والخبرة العسكرية والابداع بالأساليب القتالية والمناورة بالقوة البشرية, وكما يبدو انها جمعت موارد لا يستهان بها بالنسبة للأسلحة والمعدات والمتفجرات ولا زالت لديها بالجانب الايمن مصانع تنتج الاسلحة والمفخخات والطائرات المسيرة والعبوات والصواريخ والقنابر, وبوجود قيادة بهذه المواصفات يجب ان لا نستبعد ان تضع وتنفذ خطط عسكرية ذكية ومغامرة لمعركة الجانب الايمن وخاصة انها تعتبرها معركة مصيرية متعلقة ببقاء الدولة او انتهائها في العراق.

أ‌- الصعوبات والمعضلات التي تواجه القوات المسلحة العراقية:
1.
الجيوش وتدريبها غير معدة للحروب الغير نظامية (حرب العصابات, حرب الشوارع), فالمدن المكتظة بالسكان وجغرافيا الحرب وانتشار الكتل البشرية وساحات الاشتباك المحتملة وتحديد نوعية الاسلحة ومدياتها ومواقع تمركزها من الامور المعقدة لهذا النوع من الحروب بالنسبة للجيش النظامي, لذلك نرى ان قوات وجهاز مكافحة الارهاب ذو التدريب والتأهيل العالي لمثل هذا النوع من المعارك قد لعب دور محوري ورئيسي واصبح كراس السهم في معارك تحرير الجانب الايسر من الموصل واثبت كفاءة نادرة كقيادة ومقاتلين, ولكن عديد هذه القوات محدود بالنسبة لعموم القوات المشاركة.

2. كما يتطلب هذا النوع من المعارك غطاء جوي مروحي وثابت وبإمكانيات تقنية كبيرة وحديثة ونوعية ذكية من العتاد ذات دقة اصابة عالية في الاحياء السكنية, وهذه غير متوفرة لدى القوات العراقية وكون القوة الجوية العراقية لا زالت محدودة القوة والعدد والنوعية (وهذه المعضلة لا تقلل من الشأن الكبير لدور القوى الجوية وطيران الجيش وتفانيهم وانجازاتهم وتضحياتهم في المعركة حسب الامكانية المتوفرة).

3. كما تفتقد القوات المسلحة العراقية الى منظومة استطلاعية حديثة مدمجة (جوية ارضية فضائية الكترونية, مرئية سمعية حرارية)

اذن توجد مجموعة من المعضلات الحقيقة والموضوعية تخص جانب بنيوي ثلاثي الابعاد, تعرقل تحقيق الهدف والانتصار المضمون في معركة تحرير الموصل, لهذا فان مساهمة قوات التحالف الدولي بما يخص الدعم الجوي والاستطلاعي والاستشاري والتدريبي, امور ليس من الحكمة او الذكاء الاستهانة بها لأنها تشكل عناصر مهمة نحو النجاح (تحت شروط تم ذكرها بالجزء الاول من هذه المقالة). ومن يقلل من شان ذلك من منطلقات ايديولوجية عقائدية لا يفيد قضية القضاء على داعش بهذا الصدد.

د- افرز النجاح في معارك تحرير المدن والقصبات في نينوى والجانب الايسر من مدينة الموصل من الناحية العسكرية عدة حقائق واستنتاجات نتناولها بشكل مكثف :

من حيث القوات: كان اداء القوات المسلحة العراقية من جيش وشرطة اتحادية وقوات وجهاز مكافحة الارهاب والقوة الجوية, يمتاز بالكفاءة والمهنية والحس الوطني والانساني العالي وكذلك الشجاعة والتضحية مما اعاد ثقة الشعب العراقي وخاصة اهالي نينوى بالقوات المسلحة بعد فقدانها اثناء الحكومة السابقة وتسليم الموصل والمناطق الاخرى الى داعش والهروب دون قتال. كما امتاز اداء قوات الحشد الشعبي وقوات البيشمركة بالمهارة والنجاح في تنفيذ المهام الموكلة لها ضمن الخطة ومن الانصاف ذكر حقيقة انه لو لا مشاركة هذين القوتين كان ليس من الممكن تحقيق الانتصار في هذه المعارك ونعتقد لا يمكن بدونهما والتنسيق العالي معهما تحقيق النصر النهائي على داعش, كما كان من الواضح الدور الكبير والمهم لقوات التحالف الدولي في تحقيق النجاح وضمان الاستمرارية والثبات في الدعم والتنسيق المتبادل يقرب تحقيق الهدف الاستراتيجي المرسوم.

من حيث القيادة: بروز نخب وقيادات عسكرية وميدانية اثبتت جدارة من ناحية الحس الوطني والانساني الراقي (من خلال الحرص على ارواح السكان واعراضهم واملاكهم والاهتمام بالنازحين وتامين سلامتهم والحفاظ على البنية التحتية للمدن والقصبات المحررة) والمهنية والكفاءة العالية, كما كان لوجودهم بين المقاتلين والمتابعة الجدية لسير المعارك وتنفيذ الخطة اعطى زخم مستمر للمعارك ورفع من معنويات المقاتلين وتعاون سكان المناطق المحررة مع القوات المسلحة.

من حيث الخطط والتكتيكات العسكرية: لقد نجحت الخطط الموضوعة لتحرير المدن والقصبات والمناطق في نينوى, للعوامل التي ذكرناها ولنجاعة الخطط بذاتها, حيث امتازت بالتعبئة الاستراتيجية الواسعة وطول وسعة خطوط المواجهة واستخدام الالتفاف والمناورة بالقوات (العملياتية والتكتيكية), والاستخدام الناجح للأسلحة والمعدات المتوفرة وادامتها, واشراك القوى الداعمة والقوة الجوية العراقية والحليفة على نطاق واسع ومؤثر, واستخدام الاجهزة والمعدات الحديثة في الاستطلاع البري والجوي وتفعيل عمل الاستخبارات العسكرية والمدنية........الخ. كما كانت الخطط الموضوعة لتطويق وتمشيط وتطهير احياء الجانب الايسر من مدينة الموصل, تبدو كخطة محكمة الا ان التقدم النمطي للقوات في جبهة واسعة من الشمال الشرقي والشرقي والجنوب الشرقي للساحل الايسر, وزج قوات وجهاز مكافحة الارهاب لفترة طويلة وتحمل اعباء وتضحيات كبيرة ودون استخدام تكتيكات مضادة لحرب العصابات اضافية للخطة العامة, تخفف من على كاهلها وطئه قوة المواجهة ومقاومة مقاتلي داعش المستميتة, اعطى انطباع ولو مؤقت عن فشل او توقف التقدم المطرد للقوات المحررة, مما دعي الى الاجتماع المشترك لقادة جميع الوحدات والتنسيق العالي لتعديل او تغيير نمط الهجوم وتعدد محاوره واشكاله مما ادى الى النجاح المبهر في تحرير الجانب الايسر كله واستعادة تلكيف بسرعة نسبية.

و- ان تراكم الخبرة القتالية من خلال المعارك السابقة مع داعش ستساعد القوات العراقية وحلفائها في النجاح بالمواجهة القادمة لتحرير الساحل الايمن دون شك, الا ان متطلبات النجاح وبالإضافة الى جميع العوامل المذكورة اعلاه, قد تحتاج الى :

- بالإضافة الى وضع الخطة الاستراتيجية العامة لتحرير الساحل الايمن سواء تكون (تطويق وابادة, خنق, تمشيط, تفتيت وتطهير, هجوم ومطاردة, كسر البندق) ولأجل تلافي التنفيذ النمطي بعدم التمسك بأسلوب قتالي جامد ضرورة تطعيم الخطة بتكتيكات خاصة معروفة للقادة العسكريين حسب الخبرة العالمية من الحروب المضادة للعصابات.

- ونذكر بعضها هنا للتذكير والتحفيز, قفزة الضفدع: وانشاء جزر قتالية مؤقتة او دائمة حسب جغرافية المنطقة وظروف المعركة من خلال الانزالات الجوية للأفراد والمعدات. شبكة العنكبوت: تضييق الطوق قطاعاً اثر قطاع, ويوماً بعد يوم بتقدم عام أو متناوب, يحدده الموقف وطبيعة الأرض, وتشكل خطوط التطويق المتعاقبة وحدود عمل مختلف القطاعات المشتركة في العملية. حركة القنفذ: البحث والابادة. المفارز المتسللة: كما قامت به قوات مكافحة الارهاب في عبور نهر الخوصر ليلا والتوغل في حي المثنى بالجانب الايسر وحققت الخطة نجاح كبير. الخلاط البيض: بمضمون ايجابي بمعنى اشراك مسلحين من المنطقة بمفارز قتالية تتوغل داخل منطقة العدو على نفس نمط حرب العصابات تضرب او تفجر مواقع حساسة او تعتقل قياداته وعناصره النشطة وتعود. وهكذا توجد الكثير من التكتيكات يمكن استخدامها في المعركة القادمة.

ان معركة تحرير الموصل التي لا تشذ عن مبادئ الحرب العامة الا انه يبقى لها وقع خاص حيث لا تشبهها معركة او حرب وقعت سابقا بنفس جميع الظروف والمواصفات (السياسية والعسكرية), لذلك قلنا ان معركة تحرير الموصل قد تضيف صفحات جديدة للعلم العسكري, فالحرب هي امتداد للسياسة بوسائل اخرى كما قال كارل فون كلاوزفيتز الا اننا نشاهد معركة او حرب قد تمد السياسة والسياسيين بسلوك جديد, مثله الاعلى حب الوطن والمواطن مهما كانت طائفته او دينه او قوميته او جنسه او عمره.

 


 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter