|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

السبت  7  / 1 / 2017                                 د. باسم سيفي                                  كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

كردستان "ماعوني"، والعراق "ماعوننا" !

د. باسم سيفي
(موقع الناس)

ذكرتني اخبار عزم بيع حقول نفطية في كردستان ب "اللكًام" الذي رأيته قبل حوالي الشهر في احدى الفواتح (اللكًامة يحضرون في اليوم الاخير فاتحة متوفي لكي يستمتعوا بوجبة الاكل التي تعقبها) وهو منهمك في "ماعون" (صحن) عامر فيه بالاضافة الى الرز الفاخر مع اللوز لحم ودجاج وسمبوسة، يحرسه بعناية لمنع دخول يد غير يديه وبنفس الوقت يمد يده على الصحون المجاورة لأخذ ما يريده عندما تسمح الظروف، وعندما انتهينا من الاكل رآيته يخرج كيس نايلون من جيبه وافرغ فيه محتويات صحنه وما تبقى من اكل في الصحون المجاورة. وقبل عدة سنوات وفي ندوة كان محاضرها سكرتير الحزب الشيوعي الحالي الذي وكما اتذكر عقب بمرح على مداخلتي التي شبهت فيها سياسة اقليم كردستان بماعوني وماعوننا: "صارت السياسة مواعين وقيمة". نعم انها والله لمهزلة كبيرة ان تصبح السياسة مصالح مادية شخصية وفئوية فقط وننسى الاخلاق والعرف ومصلحة المجتمع ككل ليس في المسائل المادية فقط بل ايضا في المسائل المعنوية والروحية والتراثية والقيمية التي لا تقل منفعة عن الكسب المادي.

في ادبيات فخ الدولة الريعية واللعنة النفطية وكيفية حماية المجتمع من موارد نفطية كبيرة تضر المجتمع في تدفقها الجارف اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وأمنيا نجد من المقترحات في انشاء صناديق الاحتياط والاستثمار والاجيال القادمة الكثير، ومنها ما يعتبره الكثيرون من التجارب الناجحة في ألاسكا والنرويج وتذكر كتنمية مستدامة تستثمر فيها ايرادات النفط في الشركات العالمية لجلب موارد مالية قادمة مستقبلا. وهناك من الاقتصاديين اللبراليين بتطرف من يقترح بيع حقول نفطية او غازية كاملة، مكتشفة او غير مكتشفة، في مزاد عالمي ثم يوضع ايراد البيع في صناديق استثمار او حتى يوزع على المواطنيين حيث انهم وحسب النظرية الاقتصادية الكلاسيكية والكلاسيكية الجديدة اعرف واكثر كفاءة في كيفية استغلال اموالهم من الدولة وبالتالي انفع للمجتمع. في الواقع فان ما يحدث على الارجح ان تصرف معظم الايرادات على الاستهلاك الحالي وتسبب تضخم وليس على الاستثمار. ولم اسمع عن دولة او مقاطعة ولا حتى في جمهوريات الموز تبعثر ايراداتها في السرقات وسوء الادارة وتستدين فوق ذلك ثم تبيع حقل نفطي لدفع الدين.

ان يتفاوض قادة في اقليم كردستان، حسب ما جاء في تسريبات الوكيليكس، على بيع حقول نفطية من اجل اطفاء ديون على كردستان كما يقولون وهي التي تعاظمت بسبب السياسات الفاشلة والسرقات لطبقة النخبة الكردية، التي يبدو بأنها تجاوزت وبكثير فشل وسرقات طبقة النخبة العراقية في الدولة الاتحادية، امر جلل فيه من المأساة والهزل ما يصعب وصفه ويصلح لاعظم كوميديا تراجيدية في عصرنا الحديث حيث يبيع مأبون سافل ابناءه الذين عيشتهم وربتهم امهم من اجل الحصول على المال الذي سيمكنه من الاستمرار في المقامرة والسفالة.

الدستور العراقي ورغم الالغام التي وضعها فيه بيتر كَالبريث لاصدقاءه الكرد (تبين فيما بعد بانها لم تكن لوجه الله بل لوجه 5% من شركة نفطية ملكت اصول بمليارات الدولارات بشكل شبه مجاني وقد كان هناك 5% اخرى من هذه الشركة ملكية عراب بيع حقول نفطية) في مسألة ادارة العمليات النفطية فانه ينص على ان النفط والغاز ملك لكافة العراقيين في كافة المحافظات، اي على الاقليم تسليم كل النفط والغاز المستخرج في اقليم كردستان الى الدولة الاتحادية طالما هو ما يزال جزء من هذه الدولة. اشك بان الاقليم ومنذ كتابة الدستور العراقي ان يكون قد سلم حتى ولو ربع النفط والغاز الذي استخرج من حقول كردستان، وقد نسينا تهريب الحاويات وسرقات المصافي المحلية التي انتشرت مثل الفطر السام في اراضي كردستان حيث ان قادة الاقليم المسيطرين على الملف النفطي اصبحوا يديرون انابيب نفط وغاز تمول جزء ليس بالقليل من حاجة تركيا ليس فقط من محافظات الاقليم الثلاثة بل ومن كركوك ومناطق مشتركة اخرى.

كل دولة سواء كانت اتحادية ام لا، ديمقراطية ام دكتاتورية، رأسمالية ام اشتراكية ام مختلطة، لابد ان تحكمها ضوابط وقوانين مشتركة في السيادة والادارة والاقتصاد والامن والضرائب والحقوق والواجبات وإلا فانها ليست دولة، وان انفرد قسم منها بأخذ ما يريده ويرفض ما لا يعجبه فهذا دولة داخل دولة. ساسة العراق، وبظمنهم الكرد، حولوا منطقة كردستان العراق الى دولة داخل دولة العراق تأخذ ما يعجببها وترفض ما لا يعجبها، فأدمنت السيطرة على الحدود والاستيلاء على موارد الرسوم الكمركية وفق ضوابط وترتيبات الاقليم والسادة المتنفذين وليس ضوابط الدولة المركزية فانقصت بذلك هيبة الدولة العراقية وشلت سياسات المركز الاقتصادية المتعلقة بضبط وادارة الاستيراد والتصدير. وفي ايرادات الضرائب على الدخل والعقار والسلع والخدمات فالاقليم لا يسلم للدولة المركزية شيئا يذكر ومع ذلك يستلم ما توفره الدولة المركزية من دعم للمحروقات والادوية والبطاقة التموينية وغيرها.

فدولة اقليم كردستان وطبقة النخبة القائدة فيها بقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني (او الاصح بقيادة حزب العائلة البرزانية) تتعامل مع كردستان العراق وكأنه "ماعونها" الذي لا تتدخل فيه الدولة المركزية في صغيرة او كبيرة وبنفس الوقت تمد يدها على "ماعون" الدولة المركزية لتأخذ منه ما يمكن اخذه وفق مصلحتها وليس مصلحة كل العراقيين. وهذا الامر لا يمكن ان يستمر وعلى كرد العراق الان ان يقرروا اما الانفصال واعلان الدولة الكردية في المحافضات الكردية الثلاث التي ترغب بذلك (مع حق التفاوض تحت اشراف الامم المتحدة حول المناطق المشتركة) او الخضوع للدولة الاتحادية وقوانينها، فزمن الحساب والكتاب قد بدأ بالعراق مع الانتصارات على داعش والبعث الصدامي بفضل الحشد الشعبي العراقي وتضحياته وما خلقه من روح الصمود والتحدي والاصلاح من اجل الانسان العراقي بغض النظر عن انتمائه ولسانه.

لا خوف لدي على العراق فأهله المقاومون والمنتفضون الذين انتصروا على داعش والبعث الصدامي ويصرون على الاصلاحات الجذرية المؤسساتية في السياسة والادارة والاقتصاد والامن قد وضعوا العراق على الارجح في جادة النهوض والتنمية في كافة المجالات، ويبدو بأن محاولات اعداء العراق والقادة الفاشلين ومهبطي الهمم باءت محدودة في حرف او عرقلة هذا التطور. وقد حان الوقت للشعب الكردي العراقي ان ينتفض على ساسته الفاشلين الانانيين ويفرض اصلاحات جوهرية متناغمة مع الدولة المركزية وقوانينها وعمادها الانسان والتنمية للمواطنين في كل المكونات والاثنيات والمناطق، فكفى خدمة القوميين الفاشيين في فسادهم وسرقاتهم وتنفيذ ما يريده اعداء العرب والكرد والتركمان والسريان في العراق، وكفى النشوة في سماع تراتيل الاستقلال المزيف وغير الواقعي. ان حدود الدم التي يبشر بها من يدعي تمثيلكم وقيادتكم ستجلب الكوارث لكل اطياف العراق وأكثرها سيكون على الكرد قبل غيرهم.

سياسة "ماعوني" و "ماعوننا" يجب ان تقلع ليس فقط من اقليم كردستان العراق بل من كل المحافظات والاقضية والمناطق والعشائر التي بدأت تسري فيها هذه العقلية المادية الضيقة وان تحل محلها سياسة التنمية للجميع التي تفيد المجتمع والشعوب حاضرا ومستقبلا. مشاريع بيع حقول نفطية ملك الشعب تكفي لوحدها لدحرجة رؤوس مخلصة كانت ام نتنة، فكيف وسوء الادارة في كردستان العراق وصل بمديونية حكومة الاقليم لاكثر من 60 مليار دولار، منها حوالي النصف مع الدولة الاتحادية وقابلة للنقاش، وبنفس الوقت ليس هناك رواتب تدفع بشكل معقول لموظفي الاقليم. الدولة الاتحادية ورغم النقد الشديد لسياسة طبقة النخبة فيها تمكنت من جمع ما قيمته حوالي 80 مليار دولار عملة صعبة بين عام 2009 و 2013 نفعها كثيرا في مجابهة ازمة انخفاض اسعار النفط وتحقيق انسيابية جيدة في دفع الرواتب.

ماذا جرى لكم يا كرد العراق ؟! هل افقدكم الفكر القومي فطنتكم العراقية ؟! ام هل نسيتم المثل العراقي "اللي يعيش بالكلاوات يموت بالفكَر" وان سرقة الضعيف وتأليب الاخوة ليست بطولة ؟! دولة المواطنة والتنمية للجميع وليس الدولة القومية هي من سيخدم الكرد والعرب والترك والفرس والسريان.

 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter