|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الثلاثاء  28  / 3 / 2017                                 د. باسم سيفي                                  كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

الحشد الشعبي اداة لسيادة الامن والقانون في الاقضية ؟

د. باسم سيفي
(موقع الناس)

بعد الدور الكبير الذي لعبه الحشد الشعبي العراقي في صد تقدم داعش والبعث الصدامي والانتصار عليه في منطقة بعد اخرى وقضاء بعد قضاء ومحافظة بعد محافظة اصبحت له شعبية واسعة تقريبا في كل العراق وانضم اليه نجباء وطنيون من المدن والاقضية والمحافظات الشيعية والسنية العربية والتركمانية والسريانية وحتى الايزيدية والكردية. صفة الوطنية والتضحية والامانة والانضباط اصبحت هي السائدة لهذه المؤسسة الفتية التي قدمت آلاف من الشهداء قربانا للوطن وسلمت الاراضي التي حررتها للقوات الامنية المحلية وانسحبت منها وذهبت لقتال داعش في مناطق اخرى ولم يسجل عليها انتهاكات كثيرة ومنظمة رغم تعدد فصائلها وحدة الانتقام الشخصي في المجتمع العراقي. هناك الكثيرون ممن اساؤا ومنهم من انتحل صفة الحشد الشعبي اما طردوا او احيلوا الى المحاكم الجنائية.

من الواضح بالنسبة للكثيرين ان وعي وقدرة ونظافة قيادات الحشد الشعبي والتجربة الكبيرة التي حصلوا عليها في منازلة داعش وقيادة الالاف مع انضباط متميز سيكون له اثر كبير في تصاعد دور عناصر هذه القيادة في قيادة العراق واستتاب الامن والقانون وايضا تعزيز الاصلاحات الجذرية، خاصة مع اثبات قدرتها ووطنيها وايضا الشعبية الكبيرة التي حصلوا عليها. كثير من هذه القيادة برزت من ارض المعارك ولكن الكثير منهم وبالاخص قياداتهم الرئيسة كانوا معروفين كسياسيين قبل انشاء الحشد الشعبي ولهم دور كبير في هذا الانشاء ولهم مواقف واضحة من الفساد المستشري، الذي كان احد اسباب انهيار القوات المسلحة امام تقدم داعش قبل ثلاث سنوات وكذلك ولازال التنمية الضعيفة في البلاد، واهمال وغبن الضعفاء في كافة المكونات. ما بنته هذه القيادة من جسور مع المكونات العراقية والقطعات العسكرية والاجهزة الادارية والسياسية كان له دور فاعلا في النجاحات على داعش.

في اواخر 2016 شرع مجلس النواب العراقي قانون هيئة الحشد الشعبي، بعد شد وجذب واعتراض ودعم ليس بالقليل، فيه وضعت الاسس القانونية لوجود هذه المؤسسة في الدولة العراقية والتي ستضم حوالي 100 الف منتسب من خيرة العراقيين المنتمين لمكونات العراق والموجودين في معظم الاقضية والمحافظات ولديهم انضباط عالي وولاء عراقي خاصة وقد اختلطت دمائهم في محاربة داعش الهمجي. المعارضة للقانون والحشد كانت ولاتزال من عدد من المنطلقات، تحسين وتطوير ومصلحة وتشكيك وعداء، ومن المتوقع ان تصب جهود كبيرة واموال غزيرة في هذه المرحلة للتأثير على توجهات ومهام الحشد الشعبي العراقي. فمن جهة نرى المساعي لتحييد الهيئة او تهميشها وجعلها مجرد تعويض مادي لمقاتلي الحشد وشهدائهم وجرحاهم بشكل رواتب وتعويضات تصب في مهزلة تعينات الدولة واساءة ادارة اقتصاد العراق. موقف كثير من ساسة العراق والمدعوم من السعودية وامريكا وتركيا ينصب في هذا التوجه ومنهم لازال يريد ويعمل لالغاء الهيئة.

ومن جهة اخرى نرى تصاعد في الجهود والوعي لجعل هيئة الحشد الشعبي الوطني اداة فاعلة في احداث تغيرات جذرية تصب في نهضة العراق واهمها على الاطلاق حاليا مسك الارض بعد داعش واشاعة الامن المحلي ومحاربة الفساد ومنعه من الاستمرار في نهش الجسد العراقي وتحطيم اقتصاده. فبعد داعش ستكون هناك خلايا ارهابية او سياسية معادية للعملية الديمقراطية ومستعدة لتنفيذ اجندات اجنبية فيبدو ان اموال السعودية لازالت تنهمر في هذا الاتجاه ولكن باسلوب مشاركة وكأنه تعاون مع بغداد وليس المقاطعة كما في السابق. وهنا تأتي اهمية تواجد قطعات من الحشد الشعبي في الاقضية خاصة وان الكفائة العالية التي نشهدها في الجيش والشرطة هي في الوحدات المركزية وليس المحلية. ثم ان كل الاقضية العراقية تعاني من فساد مستشري وبالاخص في جهاز الضرائب والبلدية والمرور ويحتاج الى على الاقل مراقبة ومتابعة جهاز نظيف يتدخل في الامر مثل الحشد الشعبي العراقي الذي ابدى بعض مسؤوليه استعدادهم للقيام بهذه المهمة. مسألة الضبط الحدودي والكمارك والرشى والخاوات التي تفرض على سوائقي الشاحنات من المسائل المدمرة للاقتصاد العراقي ويجب علاجها ولا اظن بوجود جهاز يمكنه ضبط هذه المشكلة اكثر من الحشد الشعبي وبالاخص في الاقضية والمحافظات التي لديها نقاط حدودية.

من يتتبع ظهور الحشد الشعبي وتوسعه التدريجي وتطوره يلاحظ صفات مهمة لهذا التنظيم تجعله مؤهلا للمساهمة في احلال الامن ومحاربة الفساد. فقادة الحشد لم يكونوا مجرد قادة عسكريين متمرسين في القتال فقط بل هم سياسيون متمرسون ولهم اتباعهم داخل وخارج قبة البرلمان وقد تمكنوا وبوعي من تحويل الحشد الشعبي الشيعي الى حشد شعبي وطني يضم كل الاطياف العراقية وذو انضباط وتدريب عال واستعداد للتضحية التي ارعبت داعش وحفزت الهمم في قطعاتنا العسكرية النظامية التي تحولت بسرعة قياسية من الفشل والاندحار الى النجاح والانتصار. هذه الظاهرة بدأت من التوجه الوطني العراقي لقادة الحشد الشعبي الاوائل، رغم ان بعضهم تحدث ويتحدث بدعمه لولاية الفقيه والتعاون مع القيادة الايرانية ولكنهم يحترمون ويخضعون للظروف العراقية التي تفرض ضرورة ولاية الامة، ولكنها انتقلت الى الواقع الميداني في المحافظات والاقضية وتعززت مع انضمام وطنيون مخلصون في محاربة داعش ينتمون لمكونات العراق المختلفة ويتواجدون على المستوى المحلي وبالاخص الاقضية.

عندما انهارت القوات الامنية في الانبار وديالى وصلاح الدين والموصل وطرق داعش ابواب بغداد تحرك قادة سياسيين لهم حنكة في العمل العسكري وتنظيمات عسكرية شبه نائمة وبسرعة لتشكيل الحشد الشعبي وجمعوا عدة آلاف من النشطاء والذين كانوا معهم في الاساس ومدربين عسكريا بشكل جيد. فمنظمة بدر مثلا وكما نعرف كانت في ايام الدكتاتور منظمة عسكرية يقودها هادي العامري وتتبع المجلس الاعلى الاسلامي بقيادة الشهيد محمد باقر الحكيم الذي كان معروفا بمواقفه الوطنية العراقية ووقوفه على مسافة واضحة من المصالح والاملاءات الايرانية. المنظمة تحولت الى تنظيم سياسي له الان حوالي 17 نائب في مجلس النواب العراقي ولكنها لم تهمل تنظيماتها العسكرية. العامري وقادة اخرين ومن تنظيمات اخرى، من امثال ابو مهدي المهندس الناشط السياسي والعسكري ولعقود والذي لا يحب الظهور والفخفخة والشيخ قيس الخزعلي قائد عصائب اهل الحق التي تحولت ايضا الى العمل السياسي ولها نواب في البرلمان العراقي وعلى الاكثر بالتعاون مع نوري المالكي، شكلوا النواة الاولى للحشد الشعبي وطلبوا العون من مختلف الجهات فجاءتهم فتوى الجهاد الكفائي من السيد السيستاني، حكيم العراق الاكبر.

الفَتوة جعلت مئات الالوف للتطوع في الحشد الشعبي فأخذت منهم قطعات الحشد الشعبي ما أخذت وجعلت بعظهم احتياط يتدربون في الخطوط الخلفية وسرحت القسم الاضعف والمعذور. وبنفس الوقت وبينما كانت قوى خارجية وداخلية تقف متفرجة وحتى شامتة في هجوم داعش على العراق جاء دعما كبيرا من ايران لقوات الحشد الشعبي بشكل اسلحة وعتاد وتدريب وحتى افراد مقاتلين ومستشارين ثم دخلت القوات الامريكية في العمليات وبالاخص الطيران مع بلدان اخرى في التحالف الدولي ضد داعش. ومنذ بداية صد داعش توضح لقادة الحشد الشعبي ضرورة التعاون ومشاركة الوطنيين الغيارى في المناطق التي احتلتها داعش فكان اولا احتضان السنة في الضلوعية ثم الفيلية، الكرد الشيعة، في ديالى وجاء بعدها دخول المسيحيين والتركمان في الحشد الشعبي، ومع قتال الحشد في محافظة صلاح الدين ونينوى انتمى اليهم مجاميع غير قليلة من السنة والايزيدية والشبك واصبح شاملا لكل المكونات العراقية تقريبا. هذا النجاح في شمول الطوائف العراقية لم تنجح فيه اي من الاحزاب الدينية الاسلامية رغم محاولاتهم العديدة في ذلك وجعل من الحشد قوة وطنية بحق وتمثل تقريبا كل العراق.

مع التسليح والتدريب والتنظيم الجيد وخوض المعارك ببسالة تطور الحشد الى مؤسسة امنية كبيرة وفعالة ميزتها الشعبية وانخراط الوطنيون في المناطق التي احتلتها داعش فيها او في التعاون معها مثلما ظهر مع تشكيلات الحشد العشائري. في الرمادي والفلوجة تمازج الدم الشيعي والسني في قتال داعش وانتصر عليه وفي صلاح الدين وديالى تمازج الدم الشيعي والسني والكردي والتركماني في قتال داعش وانتصر عليه وفي الموصل الحدباء اليوم يتمازج الدم الشيعي والسني والكردي والتركماني والمسيحي والايزيدي والشبكي في قتال داعش وسينتصر عليه. هذا حدث ويحدث في بودقة الحشد الذي اصبح ومع قتال داعش ولثلاث سنوات الحشد الشعبي العراقي الذي حرر الانسان والارض من دنس داعش وساعد مواطني الاقضية والمحافظات في نيل حريتهم والعودة الى مناطقهم وبناء حياتهم وهو الان موجود في معظم اقضية العراق بشكل من الاشكال ويتمتع بسمعة جيدة من الاباء والتضحية والامانة والانضباط.

هذه الامكانية والسمعة الحسنة يجب عدم التفريط بها بل الاستفادة منها في تطور العراق اللاحق بعد الحرب مع داعش والانتصار عليه وعلى من دعموه وآزروه ومولوه خاصة مع ما جلبه الحشد الشعبي العراقي في مواقفه البطولية والتآزرية من الهام الشعب العراقي في الصمود والمطالبة بحياة كريمة لكل العراقيين وليس فقط طبقة نخبة المكونات وباصلاح جذري في كل مؤسسات الدولة تخرج الدولة من الفخ الريعي وشيوع التسيب والفساد المالي والاداري. ومع انشاء هيئة الحشد الشعبي توجد الان امكانية جيدة لانشاء تشكيلات منه في كافة الاقضية العراقية، عدى اقضية اقليم كردستان في اربيل ودهوك والسليمانية، خاصة ووجود عناصر وطنية قادرة على التضحية في سبيل الناس والارض، التحقت او تعاونت مع الحشد الشعبي في طرد داعش من مناطقهم. منظمة حشد شعبي عراقي في الاقضية وبواقع 500-1500 منتسب للقضاء، حسب عدد السكان في القضاء، من النجباء الذين اثبتوا امانتهم للناس والوطن، يمكن ان تصنع الظروف المناسبة للتنمية وهي الامان واحترام القانون واجتثاث الفساد.

هيئة الحشد الشعبي ستكلف الدولة العراقية حوالي ترليون دينار في السنة والسؤال الذي يجب ان يطرح فيما اذا كان تخصيص هذا المبلغ الكبير في محله ونافع للمجتمع. الجواب يعتمد ما سيؤول اليه الحشد من منظمة وهناك ثلاثة احتمالات. الاحتمال الاول ان يتحول الحشد الى منظمة عسكرية احتياطية وترعى شهداءها وجرحاها ومن عمل معها وتمدهم بالمال وفي هذا تصبح منظومة بيروقراطية تستزف اموال الشعب كأي مؤسسة في الدولة الريعية. الاحتمال الثاني ان يتحول الحشد الى منظمات او مليشيات لا تلتزم بالقانون وتفرض على الناس ما تراه هي صح او خطأ وليس القانون، وتأوي المرضى ممن يريدون التسلط على الاخرين، وهنا ايضا من الافضل حل الحشد الشعبي واستيعاب المتمرسين منهم على القتال في الاجهزة الامنية من شرطة وجيش وجعل دائرة الشؤون الاجتماعية بادارة ملف تعويض الشهداء والجرحى. اما الاحتمال الثالث وهو ما نراه الاكثر منطقيا وعلينا كمجتمع، وبالاخص قادة تنظيمات الحشد الشعبي، العمل عليه هو ما طرحناه في هذه المقالة من تطوير الحشد الشعبي وفروعه في الاقضية للمساهمة في تعزيز الامن والالتزام بالقانون ومحاربة الفساد، وهنا يصبح ما يخصص للحشد الشعبي استثمارا جيدا يساهم في وضع العراق على جادة التنمية والنهوض.




 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter