| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الخميس 1 / 12 / 2016 د. باسم سيفي كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
الى ساسة العراق، لماذا الفرق الشاسع بين الفائدة على قروض الاستثمار والفائدة على التوفير؟
د. باسم سيفي
(موقع الناس)تشجيع الادخار والتوفير من مهام الدولة الاساسية مثلما يقع على عاتقها تشجيع الاستثمار في المشاريع المختلفة لزيادة الانتاج الوطني وتوظيف الايدي العاملة. حجم الاستثمار يرتبط بدرجة كبيرة بسعر الفائدة التي على المستثمر دفعها عند اخذه قرض من البنوك والمؤسسات المالية لتمويل وتنفيذ مشروع ما، فكلما انخفضت الفائدة ازدادت ربحية المشاريع وبالتالي التوسع بالاستثمار وكلما ارتفعت الفائدة قلت ربحية المشاريع وبالتالي تقلص الاستثمار، بافتراض وجود الشروط المناسبة والمناخ المناسب للاستثمار. اما بالنسبة للفائدة المدفوعة للمدخرين فآلية عملها هي باختصار زيادة الادخار مع ارتفاع الفائدة وانخفاضه مع هبوط الفائدة. علما بان المهم في نسبة الفائدة هو الفائدة الحقيقة التي تأخذ بنظر الاعتبار معدل التضخم، فان كان البنك يعطي 3% فائدة والتضخم 2% فهذا يعني بان الفائدة الحقيقية هي 1%. ما يدخر من اموال في العراق هو رأسمال متوفر للاستثمار يتأثر بدرجة كبيرة بقناعة المدخرين، افراد وشركات، بجدوى التوفير وابقائه في العراق.
فان كان ساسة العراق مهتمين بمعيشة شعبهم وتحسين اوضاعه المعاشية عليهم ان يفهموا هذه الآليات الاقتصادية الاولية وان يعملوا على ان يكون هناك سعر فائدة معقول يشجع التوفير والاستثمار في العراق. ما نراه في سوق العراق في هذا للامر يثير العجب وقد تردى في السنين الاخيرة مع الازمة المالية وانخفاض اسعار النفط. فان كنت بحاجة الى قرض يغطي 50% من تكاليف مشروع استثماري (ضمانة عالية في القرض) فستعرض عليك البنوك قرض بفائدة سنوية تتراوح بين 10 % و20 % حسب شروط القرض ومزاج البنك. وان كان لديك 20 مليون دينار وتريد ايداعها في بنك فان البنوك يمكن ان تعطيك صفر% فائدة سنوية (اي خسارة بنسبة التضخم) او 4% كما في البنوك الحكومية او حتى 8% في بعض البنوك الاهلية، وهذا ايضا يعتمد على شروط الوديعة ومزاج/سياسة البنك، وهنا عليك ان تحسب حساب ان البنك في هذه الايام غير مجبر على تسليمك وديعتك ان اردت سحبها او سحب قسم منها، وهذا ما شل الحركة الاقتصادية في البلد ويدفع الناس لخزن اموالهم في البيوت رغم ما يشكل هذا من مخاطر او لتهريب التوفير الى دول الجوار.
ما ورد في الفقرة السابقة يعني عمليا بأن ساسة العراق يدفعون الناس الى عدم الاستثمار في العراق وعدم ايداع مدخراتهم وتوفيرهم في البنوك العراقية بل تحويلها الى الخارج وبالاخص دول الجوار حيث الفائدة الجيدة حتى على الدولار وحيث وجود درجة عالية من الائتمان والثقة في البنوك. اي اصبح الادخار الوطني يساهم في التنمية الاقتصادية في بلدان الجوار اكثر من مساهمته في تمويل الاستثمار في العراق وهذا خلل اقتصادي كبير من الخطأ وجوده. 80% من ميزانية الدولة الهائلة تذهب رواتب واعانات وتضخم مسيطر عليه في حدود 2% ومع ذلك تفرض فائدة على القروض المضمونة 10 وأكثر بالمائة وبنفس الوقت تعطى فائدة قدرها 4% او اقل على ودائع ثابتة. هذا اللاقتصاد او التشويه الاقتصادي الذي يدمر اقتصاد البلد والمسكوت عليه جهلا او وعيا نراه ايضا يدعم من خلال ضعف التدقيق في اعمال البنوك وعدم محاسبة المقصرين في اعطاء قروض مع ضمانات غير كافية او حتى وهمية او في اخذ قروض بدون وجود امكانية لتسديدها.
في معظم البلدان الغربية الفرق بين الفائدة المعطات ال اصحاب الودائع والفائدة على قروض العقار حوالي 2% وهي اجرة معقولة للبنوك للتوسط بين المدخر والمستثمر. ان يزيد هذا الفرق في العراق عن 5% سرقة وجريمة يجب محاسبة المسؤولين عليها، فكيف اذا كانت تصل الى 10%؟ على ساسة العراق ان يفهموا بان البنوك عماد التنمية وبناء الاقتصاد العراقي ويجب تنظيم عملها من قبل الدولة لمنع الضرر بالمصلحة العامة من خلال سوء الادارة واهدار اموال المودعين. تفعيل عمل البنوك الاساسي في الربط بين المدخرين والمستثمرين وبكفائة عالية يجب ان يحضى باهتمام كبير وجدي من قبل ساسة العراق اذا اريد بناء الاقتصاد العراقي على اسس صحيحة تؤكد الانتاج وليس المضاربات المالية وتوزيع وهدر عائدات النفط على الاستهلاك.
هذا الاهتمام يجب ان يشمل:
1. الرقابة الصارمة على عمل البنوك من قبل مؤسسات الدولة المتخصصة وبالاخص البنك المركزي وعدم السماح للتلاعب بأموال المودعين وعقد الصفقات المشبوهة التي تضر عملاء ومالكي البنك والمصلحة العامة وكل ما يؤدي الى اضعاف الثقة بالبنوك وسوق الاوراق المالية.
2. اعلان وبشكل واسع ضمان الدولة لاموال المودعين في البنوك الحكومية والبنوك الاهلية التي تخضع لشروط ورقابة البنك المركزي. المبدأ هو ان الدولة تضمن اموال المودعين في البنوك التي تضبط حساباتها ولا تسمح بالتزوير والتلاعب وتلتزم بتعاليم البنك المركزي مثل نسبة رأس المال والديون والقروض المضمونة وتوزيع الاستثمار وما يمكن اقراضه مقارنة بسعر السوق للضمان المقدم في القرض.
3. وضع حد ادنى واعلى للفائدة على الودائع الثابتة (شهر او أكثر) لضمان عدم غبن المودعين من جهة وعدم اهدار اموال البنك والناس من جهة اخرى و 3-8% قد يكون معقولا في ظروف العراق الحالية. وكما يفضل وضع حد ادنى واعلى للفائدة على القروض حسب شروط ونوع القروض وتشجيع الاستثمار وتقليل المجازفة والهدر، 5-12% قد يكون معقولا في ظروف العراق الحالية.
4. مساعدة البنوك في تطوير هيكليتها واندماج بعضها لمواكبة التطورات الحاصلة في العمل البنكي وجعل تكاليف العمل البنكي متوازنة مع الايرادات وكذلك تأكيد زيادة رأسمال البنوك والاصول الموجودة لديها. المهم الاهم وجود بنوك رصينة يثق المواطن والسوق بها وتقدم خدمات بنكية جيدة وبكفاءة.
5. مساعدة البنوك في تحصيل استحقاقاتها في القروض الممنوحة وعدم السماح والتساهل في ابتزازها او منعها من التصرف بضمانات القروض عند عدم الدفع وايضا في الضبط الشديد لعمل الحسابات القانونية لكافة الشركات وبضمنها البنوك.
6. تطوير البنوك الحكومية وتأكيد الرقابة عليها لتكون محفزة وداعمة للاقتصاد والبنوك الاهلية وليس محتكرة وعائقة لتطوير العمل البنكي.
النقاط الستة اعلاه مسائل عامة يفترض عدم الحاجة الى المطالبة بها ولكن وضع العمل البنكي في العراق اصبح ان لم يكن كارثيا فهو معيق للتنمية وزيادة الادخار والاستثمار ويجب وضع الحلول لعلاج المشكلة، فليس من المعقول والحكمة ان يتوجه المدخرين الى الخارج بسبب سوء العمل البنكي في العراق او ان يؤجل المسثمرين مشاريعم بسبب ضعف السيولة وصعوبة الاقتراض او زيادة غير مبررة في تكلفة الفائدة. اهل الاختصاص والخبرة يفترض ان لا يسمحوا بهذا التدهور ولكن مع الاسف يبدو بان معظمهم او كثير منهم اصبح اما مشاركا في الفساد في الاعمال البنكية او اسير وضع فاسد وجهالة يسوده سياسيون يفتقدون المعرفة الاقتصادية والامانة في القيام بواجبهم.