|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأحد  25  / 2 / 2018                                 د. بهجت عباس                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

من الماضي البعيد

د. بهجت عباس *
(موقع الناس)

(ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ) .... المتنبٌي

بعد انتهاء الزمالة الألمانية بانتهاء دورة البكتريولوجي في جامعة برلين الحرّة (برلين الغربية حينذاك) في نيسان عام 1964. رغبتُ في البقاء في برلين ذاتها ولكنّ هذا لنْ يتمّ إلّا بالحصول على تمديد الزمالة التي لم تُمدّدْ أو العمل. ولكنْ كيف أعمل وليس لديّ موافقة بالعمل. بقيت حائراً. وكنتُ أجلس أحياناً في مقهى كرانْـتْـسْلَـر
Kranzler الواقعة على الشارع الرئيس في المدينة المسمّى كُرفُـورْسْـتِـنْدام Kurfürstendamm .

وفي أحد الأيام دخلتها وأخذتُ أبحث عن مقعد فقد كانتْ مكتظّة فوجدت سيدة عجوزاً جالسة عند طاولة وحولها مقاعد ثلاثة خالية. سألتها إنْ كانت تلك المقاعد شاغرة فأجابت: واحد فقط محجوز. فجلستُ على أحد المقعدين الآخريْن وطلبتُ كوباً من القهوة وأخذتُ أفكّر. لاحظتُ أنّ السيّدة كانتْ تنظر إلى الخارج وإلى ساعتها ففهمتُ أنّها تنتظر أحداً أبطأ في الميعاد. أردت ملاطفتها والحديث معها لقضاء الوقت والتسلية فقلتُ لها : سوف لن يأتي Er wird nicht kommen فانتفضت وأجابت بسرعة: هي، وليس هو، ستأتي حتماً! إنّها صديقتي! اعتذرتُ وقلتُ لها إنني أمزح. فسألتني قائلة: يظهر أنّك شاطر، فماذا تعمل هنا؟ إنني صيدليّ عاطل! هكذا كان جوابي. فقهقهتْ وقالت إنّها صيدلانية أيضاً ولها صيدلية في هذا الشارع، فلمَ لا تعملُ عندي؟ إنني أحتاج إلى مساعد. فوجئتُ بقولها وسُررتُ وقلتُ لها إنّ شهادتي العراقية ليس مُعترفاً بها في ألمانيا، فقالت لا بأس ستعمل مساعداً لي ولكن يجب أن أختبر معلوماتك أوّلاً، فلِمَ لا تأتي غداً إلى صيدليتي المسمّاة Apotheke am Ku‘damm وسأرى.

ذهبت إليها طبعاً فاستقبلتني ببشاشة وأعطتني وصفتين طبّيتين لأقرأهما ففعلتُ . وجدتْـني أستطيع عمل الحبوب والفتائل وغيرها، فسألتني عن مقدار المبلغ الذي كنتُ أقبضه من لجنة الزمالات، فقلتُ لها: إنّه 500 مارك ألماني شهرياً، فقالت إنّها ستُعطيني مبلغ 700 مارك ألماني شهريّاً. سررت ووافقتُ فوراً ، وكيف لا؟ وأنا التائه في هذه المهامه! ولكنْ ماذا عن الموافقة بالعمل؟ سأذهب إلى وزارة الصحّة وسأقدم طلباً للموافقة وسأخبرك غداً، هكذا قالت. ولكنّها لمْ تأتِ بما يسرّ، فوزارة الصحة في إقليم برلين الغربية رفضت الطلب، والسبب أنّ للعراق تمثيلاً دبلوماسيّاً مع ألمانيا الشرقية وهذا ضدّ مبادئ ألمانيا الغربية. اعتذرتْ عن عدم قبولي ورجتْ لي حظّاً سعيداً، ولكن من أين يأتيني الحظّ كما أتى (طارق) زميلي في الدراسة الثانويّة الذي لم يحصل في امتحان البكالوريا على درجة جيدة تؤهّله للقبول في كلية الطب في بغداد فأرسله أهله إلى تركيا ليتخرّج طبيباً فيأتي إلى برلين ويُستقبَـلَ بالتَّـرحاب ويحصل على إقامة ووظيفة ودراسة مجّانية للغة الألمانية ويُعتَرف بشهادته في الطبّ، لأنه حصل عليها من تركيا التي لها اتفاق ثقافيّ مع ألمانيا الغربيّة. و أبي الذي تقاعد عن عمر 49 سنة يكتب ويطلب من أخواتي أن يكتبن لي للعودة إلى بغداد للمساهمة في تدبيرمعيشتهم، فراتبه التقاعدي البالغ 30 ديناراً لا يكفي وبعضهنَّ على أهبة الدخول إلى الجامعات، فأخذت الأغنية الألمانية التي اشتهرتْ في عام 1963 ترنّ في أذنيَّ:
Junge, Komm bald wieder, bald wieder nach Haus!

يا فتى، عدْ فوراً، عد فوراً إلى البيت! والحقيقة إننّي لمْ أكنْ جادّاً في البقاء لهذا السبب، ولكوني، من ناحية أخرى، مرتبطاً بكفالة قدرها ألف (1000) دينار مع الحكومة العراقيّة أدفعها إن لم أعدْ بعد انتهاء الزمالة أو أفشل في الدراسة. وهكذا عدتُ في اليوم الأول من تمّوز من ذلك العام إلى بغداد وفي يدي راديو تراتسيستر صغير وفي جيبي عشرون ماركاً ألمانيّاً وقلتُ في نفسي: سأعود إلى برلين فوراً ولكنْ مع مال ولنْ أحتاج إلى مساعدة أحد. وبعد مرور سبعة عشر شهراً قضيتها في بغداد بين بطَالة وعمل في صيدلية أهليّة وموظف (كيميائي) في وزارة الصّناعة وصيدلي في المؤسسة العامة للأدوية، أصبحتُ مدير المكتب العلمي في بغداد لشركة إي ميرك الألمانية للأدوية في شباط 1966، فكان التحوّل الذي شدّد عليه الشاعر الألماني راينر ماريا ريلكه في سونيتاته إلى أورفيوس. ولكنْ كيف كان؟ وماذا حدث؟ وهلْ خلت تلك الفترةُ الزمنيّة من تعبٍ ومشاكلَ وهمومٍ؟

أعلّلُ النفسَ بالآمالِ أرقبُها      ما أضْيَقَ العيشَ لولا فُسحةُ الأملِ  ........ (الطغرائي -لاميّة العجم)
 

* عضو متمرس في جمعية الكيمياء الحياتية البريطانية




 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter