| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. بهجت عباس
http://dr-bahjat.com

 

 

 

السبت 16/5/ 2009



أربعة أيام في بغداد
(3،4)

د. بهجت عباس

3
في اليوم التالي قررت أن أسير مَشياً على القدمين من الفندق إلى شارع المتنبي وسوق السراي لأرى أكثر ما يمكن وأسترجع الذكريات ، فبدأنا السير ، أخي وأنا ، من شارع السَّعدون الذي شعرت وكأنه قطعة من برلين أو وارشو بعد الحرب العالمية الثانية . المخازن مفتوحة ولكن ليس كلَّها ، والباعة على الأرصفة يبيعون الماء والمشروبات والكرزات والصمون . السيارات تسير وكذلك العربات التي تجرها الحيوانات ، فتذكّرتُ هذه الأبيات:

ولقد مـررتُ على ديـارهم         وطلــولها بيد البِلى نهْـبُ
فبكيتُ حتى ضجَّ من لَغَب          نِضوي ولجَّ بعذليَ الركبُ
وتلفتتْ عيني ومذ خَفيِتْ          عنّي الطّلــولُ تلفَّـت القلبُ

لم أرَ المعالم القديمة في الباب الشرقي ومدخل شارع الرشيد التي اعتدْتُ أن أراها أيام زمان . فهناك كان مصرف الرافدين ، الذي كان لي يوماً ما حساب فيه ، لم أره . وسينما الخيام ومحلات القايماقجي وفندق سميراميس وتايكَرس بالاس (الذي شهد حفلة قران الزعيم الشيوعي الراحل عامر عبد الله قبل خمسين عاماً تماماً) أكل الدهر عليها وشرب . كانت محلات صغيرة على جانبْي شارع الرشيد ، بعضها مفتوح وبعضها مغلق وكنتُ أتابع السّير ولم يكنْ ينتابني أيّ قلق لشعوري بأمان وطُمأنينة وكأنَّ الإرهاب قد ولّى ، ولكني رغم هذا ، كنت أحسّ أنه ليس وضعاً طبيعياً أو بالأحرى لا يشبه المدن الكندية أو الأمريكية أو الأوروبية التي كنت أسير في شوارعها وأنا مطمأن تماماً . كان باعة الخضر والفواكه منتشرين في الشارع يعلنون عن بضائعهم ويتصايحون لترويج ما لديهم ولكنّ ما لديهم لم يكنْ رخيصاً بالنسبة إلى مستوى الرواتب التي يتقاضاها الموظفون ، وبعض البضاعة لم يكنْ إلا في متناول الطبقة المُرفَّهة المُنَعَّمة ، فمثلاً رأيت الكمأة (الجما) ، الذي كان أيّ واحد من العراقيين في السبعينات من القرن الماضي يستطيع أن يشتري الكيلوغرام منها بمائتيْ فلس حينذاك ، تباع بعشرين ألف دينار ! ورأيت نصف كيلو بامياء عند أحد البائعين الذي طلب مبلغ عشرة آلاف دينار ثمناً لها ( ليس في موسمها فليست قياساً ، ولكن يوجد حتماً من يشتريها منه بهذا الثمن أو ما يقاربه) . وكذلك تكون المطاعم الراقية ، مثل مطعم زرزور – كباب الفلوجة في المنصور ، حيث تكلف وجبة الكباب (المفروض أنه أكلة شعبية رخيصة) أكثر من اثنيْ عشر ألف دينار ، ولا ينكر أنَّ هناك مطاعم أرخص منه ولكنها ليست بهذه الجودة . وهذا يعني أنَّ هناك طبقة ثرية من العراقيين الذين يعيشون بهناء وطبقات بكفاف أو ما دونه وحتى الفقر المدقع ، ناهيك عن الأرامل واليتامى والمعوقين (مخلفات الحروب والإرهاب) والعجزة المعوزين الذين فقدوا من يعيلهم أو يساعدهم على كسب لقمة العيش . وما ينطبق على الأكل ينطبق أيضاً على الملابس والحاجيات الضرورية الأخرى، فتجوالي الليلي في منطقة المنصور مثلاً ذكرني بمخازن لندن ونيويورك وتورنتو وغيرها من مدن الدول الصناعية والتجارية الكبرى، وكذلك الليل الجميل في الكرادة (الداخل) بمخازنه الجميلة ودكاكينه التي تمتلئ بالبضائع الغربية من كل نوع وصنف والمطاعم المتنوعة بأكلاتها التي تناسب كل جيب والتي تغص بالناس المتفرجين والشارين ، فكنت أسير فيها ذلك الليل وكأني أسير يوم أحد في أسواق بورتُـوبلّـو – نوتنغ هِـلْ - لندن . وكذلك ما شاهدته في حيّ المنصور أيضاً ، فأنت تشعر أن ثمة حرية فردية يتمتع بها العراقي دون رقيب ، لم تكن موجودة في العهد البغيض المباد ، ولكنَّ نظام الأحزاب والعشيرة والطائفية ومحاصصة التخلّف ، الذي وضع أسُسَه سيّء الصّيت بريمر ، بعيداً عن الانتماء العراقي الذي يجب أن يكون الأساس ، رفعت الجاهل والانتهازيَّ إلى مناصب عـليّة وجعلت الحياة لا عدالة فيها ولا إنصاف ، فضاعت المقاييس واختـلّ التوازن وأنقلب الهرم رأساً على عقب . ومع ذلك فلا يزال العراقيون يشعرون بسعادة الحرية ، وإنْ لم تكنْ كاملة ، ولكنَّهم غير سعداء بما يلاقون من هذه الحكومات المتعاقبة التي خلفت حكم صدام ، ولكنْ ما لاقوه حينذاك يجعل ما يلاقونه الآن هيّـناً غير قابل للمقارنة . تابعنا السّير إلى شارع المتنبي الشهير الذي أصابه الدّمار الإرهابي قبل عام ولكنه نهض من أكوام الرماد تعباً تنتشر على أرصفته كتب الباعة إضافة إلى المكتبات على جانبيه حيث تجد كثيراً مما لا تتصور . اشتريت بعض الكتب وذهبنا إلى مقهى الشابندر المعروفة بملتقى الأدباء والشعراء في الأيام الخوالي ، فجلسنا فيها نصف ساعة تقريباً ارتشفنا الشاي العراقي اللذيذ الذي كلف ألف دينار لكلينا (أقل من دولار) ، وكانت المقهى هادئة يخيِّم عليها السّكون حيث كان الوقت صباحاً ولم يكن من روادها إلا عدد قليل جدا حيث كان بعضهم يرمقنا بنظرات تساؤل غريبة . بعد هذا التقطنا بعض الصور مع تمثال المتنبي العظيم المطل على نهر دجلة الآخذ بالنضوب . زرت سوق السراي والأسواق المجاورة له وسوق الأقمشة المقابل له حيث شاهدتُ بائع الكبة الشهيرة التي كنا نتلذذ بأكلها في الزمن الخالي وكانت صحة الشباب تتغلب على ما هـو محشوّ فيها ! وكنت أسير في هذه الأسواق وكأني في فلم سينمائي أو حلم من الأحلام .

4
الصورة التي أحدثت بلبلة

يوم الأربعاء ، الثامن من نيسان ، حجزت بصعوبة بالغة على الخميس للعودة إلى أبي ظبي ، حيث أن تذكرة السفر لا توجد فيها كلمة OK بالرغم من أنَّ الإياب في يوم الخميس مثبت عليها ، لأنّ مقاعد الطائرة محجوزة كلها ، ولكنّ أحد المسؤولين في الخطوط الجوية جوبيتر الموجود في أبي ظبي (رتّب) هذا الحجز بعد أنْ اتصل أخي به تلفونيّاً ونحن في مكتبهم في السّعدون ، فكل شيء في العراق يمكن حدوثه ، وقد لا يكون أيّ شيء أيضاً . بعد هذا الحجز مشينا سيراً على الأقدام من مكتب الخطوط الجوية في السَّعدون إلى شارع الرشيد الذي سرنا فيه حتّى وصلنا ساحة حافظ القاضي ، تلك العمارة ، التي كانت وما يحيطها جميلة في أحد الأيام ، أصبحت خراباً . التقطت صورة وطلبت من أخي أن يلتقط لي صورة أو أكثر يظهرها وما أمامها من عربات نقل بضاعة و(بسطات) لباعة وكسبة لتكون تذكاراً ، فلما التقط صورة وثانية وثالثة رأيت شخصاً مدنيّاً بديناً يركض نحوي هائجاً ويقول أين هذه الصورة ولماذا التقطتها ، وأردف قائلاً : إن أحد القناصة المتواجدين هنا أراد أن يرميك!

يا ربِّ يا ساتر ! ماذا فعلت وماذا سيجري وأنا مسافر غداً؟ استدعى بعض عناصر الأمن للتحقيق معي وكان عدوانيّاً . قلت له ولعنصريْ الأمن اللذين أتيا يهرعان قائليْن إن التصوير ممنوع في هذه المنطقة لأنها منطقة أمن: إني لم أرَ قطعة (لوحة) مكتوب عليها (التصوير ممنوع) ، فهل لي أن أعرف هذا وأنا زائر بعد غياب طويل؟ أخذاني إلى مكتبهما الموجود في الساحة وكان المدنيّ البدين يستعديهما عليّ ولكني تنفست الصٌّعداء لما انصرف. أخذ أحدهما الكاميرا من يدي وأراد محو الصورة فلم يقدر ، وكذلك فعل زميله . فطلبا مني محوها فقلت لهما لا أعرف (الواقع إن زوجتي هي التي تستعملها ولم تخبرني إلا مرة واحدة عن محو الصور ونسيت) ، فقالا : إذنْ نصادرها ، أجبتهما إنها ليست لي وهي أمانة في يدي ولا أظنكما تفعلان ذلك . فكان جدل بيننا ، وأخيراً قلت لهما إني فلان (ذكرت لهما اسمي الكامل) كنت أستاذاً يوماً ما في كلية الطب – الجامعة المستنصرية قبل أن أغادر العراق منذ تسعة وعشرين عاماً ، وهذه هي أول زيارة لي بعد هذا الغياب، أبهذا يكون تكريمي ؟ عند هذا أعطياني الكاميرا وقال لي أحدهما ، وأعتقد أنه الرئيس ، بأدب ولطف أيمكن أن آخذ صورة معك ؟ استغربت حقاً لهذا التبدل السريع الذي لم أصدِّقه وقلت له : بكل سرور . أخذنا هذه الصورة وصوراً أخرى معهما وأعطاني بطاقته الشخصية وعليها أسمه وتلفونه ورقم الفاكس . فقلت له إنّ لي موقعاً شخصياً على الإنترنت ، وأعطيته عنوان الموقع وسألته فيما إذا لم يمانع من نشر هذه القصة مع الصور على الإنترنت فرحّب بالفكرة . كان في الحقيقة إنساناً طيباً ومؤدباً وربما كان خريج جامعة ، فأنا على كلّ حال ممتن للزبيدي النبيل ولأخلاقه الحسنة ولزميله الطيِّب الخلوق .

تابعنا السِّير بعد هذا وكنا حذريْن في التقاط الصّور حتى وصلنا السوق العربي التي تقع الشورجة خلفه على شارع الجمهورية . كان هناك لفيف من الحرس والشرطة ، فسألتهم إن كان مسموحاً لي التقاط بعض الصور هنا ، فكانت الإجابة بنعم ، فسررت لها . وطلبوا مني أخد صور معي (لا أدري لماذا؟) . وقدّموا لنا شاياً وكانوا لطيفين جداً معنا وخصوصاً بعدما عرفوا أني من كندا . كنت في الواقع أتحاشى الاقتراب من الشرطة والجيش وكل مكان أو سفارة أو أيّ مبنى حكومي في العهد البعثي ، ولكن الآن أجدني مُرحَّباً بي من قبلهم وكأننا إخوان ، وهذا من مزايا التغيير . أقصد تجربتي هذه مع رجال الأمن وليس مع المسؤولين الحكوميين بغرائبهم وعجائبهم .

أخذنا نتحادث في أمور كثيرة ، فهمس أحدهم في أذني قائلاً (لا تبق هنا كثيراً) فقلت له إني مغادر غداً . فسألونا إن كنا نرغب في رؤية تمثال الزعيم عبد الكريم قاسم (الواقع مقابل رأس القرية مكان تمثال عبد الوهاب الغريري الذي أزيل ليحل محلَّه تمثال الزعيم) ، فصحبنا اثنان منهم إلى التمثال حيث التقطنا عدّة صور . عند هذا رجعت بي الذاكرة إلى نصف قرن من الزمن حيث سمعنا آنذاك بمحاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم في 7 /10/1959 والحزن والقلق كانا يخيّمان على الناس ذلك اليوم والمصير المجهول الذي كنا نرقبه ونحن نستعد للانخراط في دورة ضباط الاحتياط الرابعة عشرة التي ستبدأ بعد ثمانية أيام ، أيْ في 15/10/ 1959 ، وكيف تدول الأيام ، فكم من المياه جرت تحت الجسر منذ ذلك الحين ، وكم ستجري الآن وبعده ، فهلْ سيتعظ المفسدون في العراق وهل من مُدَّكر؟

كان هؤلاء الحرس أو الشرطة أناساً بسيطين ومؤدَّبين عكس موظفين كثيرين في دوائر الدولة من أحزاب الحاكمين وأقاربهم الذين لا يعملون إلا برشوة ومحسوبية حيث بلغ السّيل الزّبى . ودّعناهم وتابعنا السَّير ماريّن بشارع النهر الذي بدا لي ضيقاً جداً مع بضعة دكاكين صياغة ذهب وفضة ولكنه كان مزدحماً بالناس وبسوق الصفافير الذي اشترينا منه هاونيْن من البرونز قبل يوم ، وقد بدا لي السوق مختنقاً والدكاكين صغيرة وكئيبة وليس فيها بضاعة كثيرة . أما الطَّـرْق على النحاس لعمل المصنوعات فلم أسمعه كالماضي الذي لم نكن نستطيع محادثة بعضنا البعض للأصوات والضجيج الذي يملأ السوق . كما أنّ مياه المجاري كانت راكدة فيه حيث كنا حذريْن من المشي فيه لنتفادى الأوساخ . إنَّ بغداد الآن تعيد لنا بعض صورها في أوائل القرن العشرين!

 

¤ أربعة أيام في بغداد (1،2)





 

free web counter