| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأربعاء 25 / 3 / 2026 عبدالمطلب عبدالواحد كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
عباس الكاظم، تجربة خلاقة ـ رؤى باتساع المدى
عبدالمطلب عبدالواحد
(موقع الناس)إنها تجربة فنية لافتة تستحق الإشادة والتثمين، حينما يقدم الفنان التشكيلي العراقي عباس الكاظم، المقيم في الدنمارك، أعمالا إبداعية مبهرة احتضنتها صالة العروض الفنية في بناية المكتبة العامة ذات الطابع الفولكلوري الإسكندنافي، في مدينة هيدينغ التابعة لبلدية ستيونه. وقد افتتح المعرض في 21 آذار 2026، ويستمر حتى 18 نيسان، ليمنح المتلقي فسحة للتأمل في تجربة فنية عميقة ومتعددة الأبعاد.
(تجاور) هو العنوان العام الذي اختاره الفنان تعبيرا دلاليا عن عمق المعنى الذي تعكسه رؤيته الفلسفية للموضوعات الكونية الكبرى وانشغالاته بوجع الانسان المقهور، وهموم الوطن والمنفى، مجسدا في خطوطه والوانه ومخلوقاته الجمالية، وفي حركية تفاعل وتداخل الاشكال المتعارضة والمتناقضة في اعماله الفنية، وانصهارها معا، مولدة قيما جديدة، ترتقي بالعقل الانساني، وترمز الى ما يمثله المبدع والابداع كقوة توليدية دافعة لازدهار الثقافة الانسانية وللتكامل الحضاري ايضا. ان هاجس المنفى الحاضر دوما في اعمال الفنان الكاظم، وعمق تجربته، واحتدام الافكار في مخيلته المتقدة منحته القدرة على ابداع اعمال فنية حظيت باهتمام النقاد وحازت السبق على مستوى الجوائز العالمية.
يمكن القول ان مفهوم التجاور ينطبق تماما على مجموعة الاعمال الطينية المزججة التي تحتشد بتشكيلات تركيبية، ولونية في غاية الاتقان والانسجام، كما يشمل العرض على عدد من اللوحات التجريدية بالزيت على مقاسات مختلفة وموضوعات متنوعة، تعكس مراحل زمنية محددة من تجربة الفنان، اضافة الى لوحات فنية بألوان مائية على الورق. الاعمال عموما ضاجة بالحركة والحياة وتستدعي التوقف عندها وقتا طويلا للتأمل والاستمتاع بالجمال، والاحاطة باللامتناهي من تفاصيل رمزية وتعبيرية.
لقد شدني بشكل خاص الحزن الشفيف المنبعث من اللوحة المعنونة (عند بحيرة دامهوس)، وحيرة دون كيخوت وصراعاته في رحلته الاخيرة، اما العمل المعنون (رحلات جلجامش نحو الخلود)، فانه ينطوي على تكوينات وكتل لونية تبدو مجسمة للناظر، وفي مجموعها تعبر عن انشغال الانسان بأسئلة الوجود، وقدراته الفذة على اقتحام المخاطر، وفكفكة المجاهيل، والتوق الدائم للانعتاق من تعسف الطبيعة وغضب السماء، والبحث الدائب عن الامن والامان.
إن تجربة عباس الكاظم، بما تحمله من عمق فكري وتوتر جمالي، تمثل نموذجا للفن الذي يتجاوز المحلي ليبلغ الإنساني، ويعيد طرح الأسئلة الكبرى حول الوجود والحرية والمعنى ، ليؤكد أن الإبداع الحقيقي هو ذاك الذي يجعل غير المرئي مرئيا، ويمنح الصمت صوتا، والغياب حضورا.
في حفل الافتتاح الذي حضره جمهور من الفنانين والمهتمين بالفن والثقافة من الدنماركيين والعراقيين، القى ممثل اللجنة الفنية المستضيفة للمعرض الفني التشكيلي كلمة ترحيبية بالحضور وبالفنان ، تناول فيها شيئا عن سيرة الفنان الفكرية والسياسية، دراساته الاكادمية، وتجاربه الابداعية. نقتطف منها ما يلي:عباس رسام وفنان بصري وفنان تركيبي ونحات. وقد عُرضت أعماله في الخارج وفي الدنمارك، وخلال مسيرته التي تمتد لما يقارب ثلاثين عامًا، حصل على عدة جوائز. من بينها جائزة أولى وتكريم كفنان تابع لليونسكو في بينالي القاهرة الدولي عام 1998 عن أعماله التركيبية. منذ بداية مسيرته الفنية في أوائل سبعينيات القرن الماضي، كان مقتنعًا بأن العمل الفني لا يتعلق بمحاكاة العلم أو تكرار ما يوجد في الطبيعة أو إعادة إنتاج ما هو موجود فعليًا. فإذا كان العمل الفني سيحاكي ويعيد إنتاج أشكال العالم، فقد يساهم في قبحه وبؤسه، لكنه لن يتجنب خيانة حقيقته الطبيعية.
لم يرغب أبدًا في إعادة تشكيل المرئي ، بل في التقاط غير المرئي من خلال شكل تفرضه لحظة الرؤية. وفي كل عمل ينجزه، يجد نفسه يبدأ شيئًا جديدًا. عندما تتقد فيه رغبة التعبير، تختفي الحدود بين ما هو فني وما هو غير فني. كل ما يبقى هو خيط تقوده جماليات الحياة وقبحها. يمكنه أن يتخيل محطته التالية، لكنه لا يحب لغة التنبؤات. ويكفيه أنه لم يعد من الماضي خالي الوفاض. لذلك يعمل عباس انطلاقًا من قناعته بأن الفن لا يتعلق بالمحاكاة أو التكرار لما هو موجود.
بالنسبة له، تنبع الجمالية من داخله. ويسعى إلى جعل الداخل غير المرئي مرئيًا للعين البشرية، إذ يواجه يوميًا واقع المنفى المزدوج والمتناقض. ويتجلى ذلك في لوحاته الزيتية الخام والقوية، والتي تستلهم بشكل خاص من التعبير يين في القرن العشرين، ومن بينهم جماعة كوبرا الفنية. يحب عباس أن يبتكر أسلوبًا متعدد الدلالات. فهو يسعى إلى جعل الجانب غير المرئي في عوالم الروح الخفية مرئيًا وملموسًا، بل وحتى يمكن لمسه باليدين بشكل فعلي!
إن من يراعي الطبيعة الخارجية للعين يلاحق الضوء وتقلباته وتأثيره على الأشياء.
أما الفنانون الذين يُفتنون بالطبيعة الخارجية المادية المرئية، فإنهم يهتمون بالضوء وانعكاساته على الأشياء. وعلى العكس من ذلك، فإن الضوء ليس بذات الأهمية لدى الفنانين الذين يسعون إلى جوهرهم الداخلي.
إن تأمل عباس في ظواهر الليل والنهار لا يقوم إلا على رغبة بسيطة في ملاحظة التباين بين الظلام والنور. فالظلام يُحَسّ بشكل أكثر عنفًا، لأنه يحمل في طياته شيئًا خطيرًا، شيئًا شيطانيًا .يُدرَك الضوء عندما ينعكس، بينما يحمل الظلام أيضًا إغراءً - دعوة - إلى رحلة نحو عالم داخلي مجهول في أعماق النفس. فالظلام يتقبل الظواهر الغامضة والكئيبة ؛ يحتضنها ويدعو في الوقت نفسه إلى التوغل في أعماق العقل المجهولة.
لا توجد انعكاسات في لوحات عباس ، ببساطة لأنه لا يوجد ضوء حقيقي فيها. الألوان الزرقاء والحمراء والخضراء كلها تأتي بدرجات داكنة مع تدرجات من الأسود والبني. لكنه يستخدم أيضًا اللون البرتقالي، مما يخلق بُعدًا ثالثًا ويمنح إحساسًا بغروب الشمس.
المنفى يُعد موضوعًا مركزيًا في تجربة عباس الفنية، ويتكرر في العديد من أشكال تعبيره. وكأمتداد للإمكانات الفنية في منفاه، أنشأ الكاظم شبكة "خارج الزمن" "OUT OF TIME" التي تجمع فنانين تشكيليين وكتّابًا ومثقفين من الشرق الأوسط ممن عاشوا الحروب والقمع. يعمل عباس من منظور كوسموبوليتي (عالمي)، ويستخدم الفن للتعبير عن الذكريات والتجارب. ينظر إلى العالم بعينين مفتوحتين، ويُظهر تضامنًا مع من يتعرضون للقمع ومع كل ما يتم قمعه.
وبصفته مبادرًا وقائدًا للمشاريع، أشرف عباس الكاظم على عدة مشاريع معارض كبرى في الدنمارك، من بينها معرض "تحت سماء أخرى"ضمن فعاليات "عاصمة الثقافة 96"، حيث شارك أكثر من 80 فنانًا من 40 دولة مختلفة. وفي مقدمته لكتالوج المعرض، كتب عباس أنه منذ وصوله إلى الدنمارك، التقى وتناقش مع العديد من الفنانين من مختلف أنحاء العالم، وكثيرًا ما لاحظ وجود تشابهات - رغم اختلاف الحدود الجغرافية والثقافية - مع الظروف التي عاشها هو نفسه كفنان في المنفى في الدنمارك.وقد تم تكريم الفنان الكاظم بقراءة قصيدة للشاعر الدنماركي الراحل اريك ستينوس المستوحاة من معرضه "تحت سماء أخرى"، حيث كان ألشاعر احد المشاركين في المعرض وعضوًا في هيئة تحرير الكتالوج الشامل. الى جانب الشهيد كامل شياع والشاعر فوزي كريم والفنان عباس الكاظم. نعرض مقطعا منها :
(بعيدا يجب ان تبلغ)
هنا
لكن ليس هنا فقط
خلف كل الجدران
والأسوار والحواجز
هناك
محمولاً على الأجنحة
فوق أسطح البيوت، عبر الدخان
يجب أن تبحث
وأن تهبط
عميقاً في العمق
بين السائرين
ليس فقط لتسمع وقع الخطى المدوي
أو
لمسة الأقدام اللطيفة على الأرض
بل إلى جانب ذاك
الذي يمشي وحيداً
وتلك
التي لا تعرف من أين وإلى أين.
وعليك أن تكتشف
أن غير المرئي يحدث
وأن غير المنظور حيّ.