|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الخميس  22 / 11 / 2018                                د. علي الخالدي                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

 إثنان ﻻ يشبعان طالب العلم وطالب المال

د. علي الخالدي *
(موقع الناس)

إكتسحت أوساط العراقيين في الخارج موجة الحصول على تقاعد لاسيما بعد صدور تعليمات بإحتساب سنين الغربة القسرية خارج الوطن ، لكن هذه التعليمات يبدو أنها كانت مقتصرة على من له ظهر في أحد اﻷحزاب اﻹسلامية المتحاصصة طائفيا ، (إلا ما ندر) ، لذا هرع الكثير منهم إلى إستغلال ذلك ، مستخدما محسوبيته وإنتماءه لأحد الأحزاب الإسلامية أو القومية التي فتحت أبوابها على مصريعيها بحجة الإستفادة من خبرتهم العلمية (أغلبيتهم لا يملكها) ، مغطية على رغبتها توسيع قاعدتها الحزبية ، فعينوا في دوائر الدولة ما يشبه الموظفين الفضائيين ، مقدمة لهم التسهيلات في إجراءات التعيين ، وغاضة النظر عن الدوام المتقطع للبعض منهم ، بمجرد إبرازهم بين فترة وأخرى لتقرير طبي عن تمارضهم ، لحين إكتمال سني التقاعد التي تحسب معها فترة أغترابة عن الوطن بكونه معارضا للدكتاتورية خافيا من أنه مشمولا برعاية الضمان الإجتماعي في بلد الغربة .

بينما من جهد وإجتهد للحصول على شهادة علمية ومارس مهنته وإكتسب خبرة علمية من مؤسسات الدولة المقيم بها ، إصطدم بموعوقات المتحاصصين طائفيا أثناء عودته مباشرة بعد 2003 للوطن ، فوجد نفسه واقعا في روتينهم النابذ لإستفادة الوطن من خبراتهم العلمية والعملية ، تائها بين تعال بكرة وأحضار كذا ورقة من هنا وهناك ، لحين إقتراب إنتهاء إجازته ، فيهرع ليلد الغربة لمزاولة عمله خالي الوفاض ، متخلصا من إزدواجة التعامل ، نادما على الوقت الذي ضيعه وهو يتلقى من أصحاب القرار الجفاء والقسوة ، ومن مسؤولين جهلة لا يملكوا كارزمة التعامل مع من يملك المؤهلات العلمية . كان نصيب اليساريين وغير المسلمين الحصة الكبرى في تلقي المعوقات التعجيزية التي لم يكن لها أول ولا آخر .

فالمحاصصة الطائفية والإثنية وإستشراء الفساد والمحسوبية بين صفوف الأحزاب المتحاصصة أباحت ما لم يكن في الحسبان ، فالكثير من ذوي المحسوبية والمناكب العريضة نصبوا في مواقع سيادية ، ومنحوا حرية قبول هذا ونبذ ذلك بالإضافة لتخصيص رواتب ومخصصات عالية لا تؤهلهم مستمسكاتهم العلمية والعملية الحصول عليها ، وكأن ما قام به العامل الخارجي بإسقاط الدكتاتورية جاء لنصرة الأحزاب الإسلامية والقومية ومحسوبيهم ، فشكلوا طبقة مرتفعة الشأن عن الشعب ، بتسكين معظمهم في قصور وفلل أعضاء أجهزة النظام الدكتاتوري المقبور ، الكثيرين منهم نال إنضم تزلفا إليهم ، بغية الحصول على التقاعد ولم تنقطع مواصلته بإيصال تقاعده وهو في غربته خارج الوطن بطريقة رسمية ليتخلص من الوكيل في الداخل ، معليا صوته مع جوقة ما نعطيها حتى لو كان ذلك ديمقراطيا ، حفاظا على ما تمتع به وقادة نهج المحاصصة ، من مواقع عليا أبعدته عن عامة الناس ، مساهما في كل ما من شأنه تسخير المال العام الذي تراكم لديهم من السحت الحرام لخدمة حملات أحزابهم الإنتخابية وتزويرها وحتى تزييفها لأجل بقاء قيادة أحزابهم وكتلهم على مواقع القرار .

لقد غيبوا عن وطني المعرفة ، فألغوا ممارسة كل ما توارثه من ثقافة أدبية وفنية و فنون مسرحية ، تشرح النفس ويعشقها العراقي منذ آلاف السنين ، بعد تربعيهم على مواقع القرار ، فتحولوا الى ناهبين لرزق الشعب دون أن يدركوا الشبع ، بينما واصل من إختار الوطن وإلتزم بالروح الوطنية لخدمة شعبه ، ملتزما بما أملته عليه وطنيته بضرورة التفوق في مجال إختصاصه بدون ملل ضاننا أنه سيأتي اليوم الذي سيُحتاج لمؤهلاته العلمية والعملية .

لكن قطار الحاجة تعطل بتبني قادة الأحزاب الإسلامية لنهج المحاصصة ، فركنوا تحت ظل الزمان ولم يقدموا ما يفيد خدمة الشعب والوطن . فتأخرت البلاد ولم تلحق بمتغيرات اﻷفكار الجديدة التي تسود العالم وأصبح الشعب والوطن آخر الصف ، وهذا ما تريده لنا دول الجوار التي تسعى ليكون وطننا الحبيب سوقا لتسويق منتجاتها اليه ، خاصة بعد أن دمر العامل الخارجي بنيته التحتية ، ولم يفعل قادة الأحزاب المتحاصصة التي وُضعت على قيادة دفة العملية السياسية ما يفيد القضاء على موروثات الدكتاتورية ، وإعادة بناء ما تهدم من بنى تحتية في الزراعة والصناعة ، بل عرقلوا تنفيذ مباديء التغيير والإصلاح ، فساء التعليم والصحة وكل ما يحتاجه المواطن في حياته اليومية ، ومما زاد الطين بلة خلق إلإدمان على المخدرات للبعض من الشباب وطلاب المدارس من كلا الجنسين (80% من المخدرات تأتي من إيران الى البصرة كما يقول أحد مسؤوليها) . يجري ذلك في أجواء مواصلة نشر محسوبي الأحزاب الطائفية ، في دوائر الدولة الإدارية والأمنية منذ الوهلة الأولى لإسقاط النظام الدكتاتوري ، مُمعنين التنكر وعدم الإستجابة لنداءات الجماهير الشعبية المهمشة ، وبمطاليبهم العادلة ، بإعتماد أﻷفكار المستمدة من الظروف الذاتية والموضوعية السيئة التي سببوها للشعب والوطن ، بتبني طريق الوصول لبناء المجتمع المدني الديمقراطي الذي تنشده الجماهير والذي يستلزم سن قانون من اين لك هذا ، ليضع حد لمواصلة عدم شبع الميسورين من سرقة المال العام بالسحت الحرام .

 

* طبيب متقاعد

 

 


 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter