| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الخميس 12 / 11 / 2015 د. علي الخالدي كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
ما يراد للعراق أن يكون
د. علي الخالدي
(موقع الناس)يعمل المتشددون اﻹسلاميون في المناطق التي يتواجدون فيها ، على نسف كل ما يمس تراث وثقافات الشعوب ، ولاسيما اﻹرث الثقافي والحضاري للمكونات العرقية غير المسلمة ،( سكانها اﻷصليين ) فهم باﻹضافة الى عدم أعارتهم أي إهتمام وعناية ، يستخدموا معاولهم لتدمير صروحها اﻷثرية و الحضارية ، حارمين اﻷجيال من متعة اﻹبتهار واﻷعتزاز بها ، ويقوموا بإستنباط كل ما من شأنه عرقلة تطوير وتنمية ثقافة المكونات غير المسلمة ، بما فيه إيقاف الدعم المادي واللوجستي لحمايتها ، مما يعرض هذه الكنوز الثمينة ( اﻷرث الثقافي والحضاري ) للإهمال والضياع ، لتبقى الثقافة اﻹسلامية هي السائدة في الساحة .
ولولا تمسك المراكز الدينية لتلك المكونات ، وحرص وإعتزاز الوطنيون والعلمانيون بكنوز إرث شعوبهم التاريخية ، على المعاني الحضارية لثقافة تلك الكنوز لطواها النسيان ، بفعل القوانين والتعليمات المجحفة بخق المكونات العرقية ، التي يهدفوا من وراءها الى التضييق على حركنها بين صفوف إتباعها على المستوى الوطني والشعبي ، والى الحد من إبراز مواقعها بين اﻷمم . و لكي لا يكون ذلك اﻷرث الثقافي والحضاري دلالة حضارية وطنية ،تنافس الثقافة اﻹسلامية ، يعمدوا الى نسخ مناهج التعليم في أطار حدودها ، كما تفعل داعش حاليا في الموصل بتغير مناهج التعليم ، بما ينسجم ومقولاتها الغير متماهية مع روح العصر ، وتكون هي السائدة في الساحة .
توجه فكر وثقافة اﻷجيال اللاحقة ، بما لا مناص من أسلمة جمعية للمجتمع ، بما يُغدق على ذلك من اموال الجزية التي تفرض على سكان المناطق التي تسيطر عليها من المال العام والسحت الحرام ، لبرهجة شعائرها الدينية والمذهبية ، وتصوير الحال بوحدانية أﻹسلام ، وفرضه باساليب ملتوية وبقوانين مجحفة تمنع إنتشار ديانات المكونات العرقية للشعوب ، وتُهضم حقوق مواطنتهم ، بممارسة شعائرهم وحقوقهم اﻹنسانية ، إلا في إﻷطر التي تفرضها القوانين التي يسنوها والتعليمات التي تصدرها القوى الظلامية من المتشددين اﻹسلاميين ، وإذا ما أضيف لذلك ما تقوم به أدواتهم من حجب وصول وسائل التواصل اﻷجتماعي الحديثة للناس عموما ، تصبح المسألة ذات ابعاد كارثية تمس التحضر والتقدم ومعايشة ما يجري في العالم ، كي يبقى الشعب و الوطن آخر الصف .
هناك بلدان إسلامية في منطقة الشرق اﻷوسط حدثت في قيادتها ما سمي بالقائد الطقرة (الطفرة هو الحصول على غير المألوف) مثل كمال أتاتورك في تركيا والحبيب بورقيبة في تونس وجمال عبد الناصر في مصر وعبد الكريم قاسم في العراق ، لما وضعوه من مفاهيم إجتماعية تطورية ، وما تركوه من بصمات تحضرية بقيت تمارس من قبل شعوبهم ، حتى بعد وصول اﻹسلاميين لدفة الحكم .ولم يتم هذا بمعزل عن تملق وتزلف اﻷنظمة الشمولية والدكتاتوريات للثقافة اﻹسلامية ، بما أطلقوه من عنان ليمارس اﻹسلام السياسي ثقافته على المستوى الشعبي ، كما جرى ذلك في مصر وليبيا وسوريا ( في العراق الحملة اﻷيمانية ) ،عبر مساعدته في بناء الكثرة من المدارس والمراكز اﻹسلامية في بلدانهم ، التي تحولت الى منابر دينية سياسية ذات قوة متميزة في المجتمع . صاحبها شن حملة شعواء لمحاربة للأفكار اليسارية والعلمانية من قبل اﻷنظمة الدكتاتورية والشمولية ، والمراكز اﻹسلامية عل حد سواء ، ومع هذا بقت أفكار القادة الطفرة ، تؤكد حقيقة تماهي إنجازاتهم في الحياة اﻹجتماعية لشعوبهم ، بما راح اليه ونستون تشرشل عندما وصلت بريطانيا على حافة الهاوية أثناء الحرب العالمية الثانية مخاطبا شعبه … بعدأعوام سيلتفت شعبنا للوراء ، ويقول كان أجدادنا وراء ما وصلت اليه بريطانيا اليوم ،
تؤكد تلك الحقيقة اﻷنظمة المدنية في العالم ، فهي لا تجرد شعوبها من التغني واﻹفتخار بما تركه قادتها من تأريخ وإرث ثقافي حضاري فحسب ، بل تصبغها بطابع وطني عام ، و تدأب على تطويره وتنميته بما يتماهى والتطور الحضاري للبشرية جمعاء ، معطية له رسميا وشعبيا أهمية كبرى تفوق ما يعطى ﻷية مسالة أخرى ، فهناك شعوب في منطقة الشرق اﻷوسط تحتفل بأعيادها القومية رسميا وشعبيا ، بعطل تفوق المناسبات الدينية والمذهبية ، وهي لا تقوم ببهرجة المناسبات الدينية ، حتى لا تثير حفيظة الشركاء في الوطن من المكونات العرقية والمذهبية ، ولكي يتواصل إستذكارها من قبل اﻷجيال ، بإعتبارها كنوزاً تراثية وطنية عامة ، تستحق إفتخارهم وإعتزازهم بما خلفه أجدادهم من كنوز ثقافية حضارية ، تتسابق حكومات اﻷنظمة المدنية والمتحضرة للوصول اليها ، واﻹستحواذ عليها لتشاهدها شعوبها في متاحفها الشهيرة لزيادة معلوماتهم عن حضارة الشعوب . بينما تدمع عيون من يزورها من سكان شعوب تلك البلدان عند مشاهدتها ، ولسان حالهم يقول رب ضارة نافعة ، ومن ذلك اﻷرث الحضاري آثار أرض ما بين النهرين (العراق) ، الذي لا زالت آثاره وتراثه ، يهرب للخارج ، ومنه ما يباع الى هواة جمع التحف ، كما حصل قبل فترة من وقوع لوحات طينية إنجيلية عليها كتابات مسمارية سومرية ، بيد منظمة هوبي لوبي اﻷمريكي ،
فالدولة المدنية تنشر ثقافة اﻷعتزاز بالتراث ، وتحمل مسؤولية صيانته حتى بين صفوف اﻷطفال رابطة إياها بمفاهيم وطنية عامة ، وغارسة في نفوسهم اﻷحترام والتقدير ﻷجدادهم التي قاموا بصناعتها ، بينما تعمل التنظيمات اﻹسلامية المتطرفة ، على أقحام مفاهيم الثقافة والتعاليم اﻷسلامية في أفكارهم ( اﻷطفال )، بعيدا عن غرس الواجبات القومية والوطنية في فكرهم ، إلا في أطر طائفية وشرعية ، وتجنح القوى اﻹسلامية والسلفية ، الى الغرور والتعالي على مكونات الشعوب العرقية ، بكونهم خير أمة أخرجت للناس ،علاوة على تدمير ونسف أضخم التماثيل المحفورة في الجبال في أفغانستان ، ودفن ما يشير الى هذه الكنوز اﻷثرية التي تعطي صورة عن حياة الشعوب قبل آلاف السنين ، من قبل معاول داعش والنصرة في العراق وسوريا وليبيا ، باعتبارها رموز بالية يجب أن تزال كما يدعون ، كون تواجدها يحد من إنتشار قيم التحضر والمدنية بين الناس ، وهذا ما لا يريدوه للأوطان التي يتحكموا بمصائرها .