|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

 السبت  03  / 1 / 2015                                عبدالجبار نوري                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

ثقافة الفرهود تعودُ ثانيةً !!!

عبدالجبار نوري

في بداية حديثي في هذا الموضوع أتوخى "التعميم" لأنّ المقصود بالفرهود ، السرقة أي أنحراف في القيم الخلقية ، وتُظهرْ أنساناً غير سوياً (شاذاً) - والشواذ لا يقاس عليها - يرفض القوانين السماوية والوضعية ، ولكنهُ عند الأندماج الأجتماعي يبدو وكأنهُ ظاهرة مرضية خطرة تحمل فايروسات العدوى التي سرعان ما تنتشر في المجتمع كالنار في الهشيم ، وخصلة الشر تتمحور وتأخذ شكل ظاهرة السلب والنهب ، وهي بالأساس نتاجات الصراع الطبقي ، والتأثيرات البيئية الصحراوية القاسية التي تشحُ فيها موارد العيش حين يكون الغزو المصدر الرئيسي لهُ ، فعندما كان البدوي يخرج من داره يقول : "اللهم أرزقني غزوة"!! .

وأنّ أعمدة علماء النفس والتأريخ ومنهم الدكتور علي الوردي ، والعلامة المؤرخ الدكتور عبد الرزاق الحسني ، ويضاف لهما تحليلات العلامه أبن خلدون من شمال أفريقيا ، في موضوع "البداوة" أكدوا على بداوة وذكورية المجتمع العراقي والشخصية العراقية بالذات والترسبات الأرثية القبلية التي يحملها ، وقساوة البيئة الصحراوية القاحلة ، أضافة لمعاناتهِ المريرة من الحروب والمجاعات والفيضانات والطاعون وحكومات دكتاتورية مستبدة ، بلورتْ في أعماق اللاوعي بعض الصفات السلبية أبرزها (نزعات جرمية ، ولصوصية ، وتخريبية) أضافةً الى الأنتهازية ، وأزدواجية الشخصية ، والغلو في "الولاء والطاعة" وبماذا نفسّرْ هذهِ الظواهر السلبية التي تقبلتها شريحة منفلتة من المجتمع العراقي ؟ أمثال :

* فرهود اليهود في 1948عندما تمّ الأستيلاء على أملاكهم وأموالهم ، وأسقاط الجنسية عنهم بأسلوبٍ قسري ومفرط وكيفي ، مما شجّع ضعاف النفوس والحرامية والشقاوات والبلطجية أنْ ينهبوا موجودات محلاتهم التجارية وحتى أثاث منازلهم وهم يجوبون أزقتهم ويرددون أهزوجتهم البربرية المعروفة (حلو الفرهود كون يكون يوميه) .

* الأكراد الفيليون في 1980 عندما أسقط صدام الجنسية العراقية عنهم ، وتسفيرهم خارج العراق ، ومصادرة أموالهم المنقولة وموجوداتهم النقدية في البنوك وبشكلٍ كيفي شوفيني تعسفي غير أنساني ، مما شجع أفراد الجيش الشعبي وبعض العراقيين من وعاظ السلاطين أن (يفرهدوا محلاتهم بلصوصية علنية) .

* فرهود وتدمير قصور الملوك والرؤساء في 1958 ونهب محتوياتها ، بالوقت الذي حافظ المصريون على قصر عابدين ومقتنيات فاروق (حتى الشبشب والبرنص للملك ، وأنا شاهد عيان) .

* وفرهود الحواسم 2003 – وهنا تسكب العبرات – حين تعرضتْ بغداد الحبيبة لأبشع عمليات سطوٍ ولصوصية بأشراف المحتل والجارة الخبيثة الكويت ، حيث لم تسلم دوائر الدولة والمستشفيات والمتاحف ، والبنوك ، من يد السوء واللصوصية .

* ويتجدد اليوم الفرهود خلال 11 سنة من سقوط النظام الشمولي و بثوبٍ حداثويٍ جديد ، والأختلاس واللصوصية بلغة أرقامٍ خيالية وفلكية ومشرعنة ، حين أقرت بغداد موازنة 2015 ب103 مليارات دولار ، وعجز مالي 20 مليار دولار، وأفتراضياً نعتبر معدّلْ الموازنة 100 مليار دولار وننصف الحكومة ونقول يكون الله في عونها لقصر مدتها ، وأنخفاض أسعار النفط العالمية ، أضطراب أمني وحرب داعشية ، ومشكلة النازحين .

ومع هذه التبريرات يتساءل العراقي : أين تبخرتْ الأرقام الترليونية ؟ ولم يحصد الشعب سوى الفقر والبطالة والمرض وبيوت الصفيح في العشوائيات وغياب البنى التحتية ، وطوفان الأحياء السكنية بساعة مطر، وشحة مياه الشرب ، ونقص حاد ومزمن في الكهرباء ، وحرب طائفية ، والأحتراب المخيف على الكراسي التي هي – في نظر أصحاب القرار – دجاجة تبيضُ ذهباً ، وخلال هذه المناصب يملأ رصيدهُ بالكومشن والنسبة والمشاريع الوهمية وقوائم الفضائيين من الأقارب والقريبين من الحزب والطائفة والقومية والمناطقية ، فأنهُ نفس الفرهود القديم والحوسمة ، مع فارق أنهُ حداثوي الكتروني عبر غسيل الأموال .

أوجه نهب المال العام
1- الرواتب الخيالية الضخمة للقيادات الحكومية في الرئاسات الثلاثة ونوابهم ، وأعضاء مجلس النواب وحماياتهم ، حيث كشف مصدر نيابي في اللجنة المالية ، إنّ رواتب الرئاسات الثلاثة ونوابهم "365" مليون دينار شهرياً ، بالأضافة لمخصصات غريبة ما أنزل الله بها من سلطان ، كمخصصات طعام ، وسكن ، وأيفاد ، ونفقات عناصر الحماية البالغة "124" ألف عنصر أمني لحماية المسؤولين ، والشخصيات الرسمية في عموم البلاد ، وقد وصلتْ نفقاتهم إلى مليار دولار شهرياً ، وهناك مخصصات لم يلقى عليها الضوء لآصحاب المناصب العليا تتراوح بين "350 - 600" دولار يومياً للوزير في حالة السفر أو الأيفاد ، أليست هذهِ سرقة من المال المخصص لقوت الشعب ، والأيتام ، والأرامل ، ومليوني ونصف مهجر يعاني الأمرين {تحت خيمة وطنهِ} ؟؟ !!

ثُمّ هذا البذخ الأنفاقي يجعل من المال العام سائباً وبالتالي يتعرض للسرقة والحصيلة "عجز مالي في الميزانية"، وترهل الحكومة ، ويكون العلاج الحقيقي هو الترشيق في السلّم الوظيفي خاصةً القيادة الهرمية ، حيث أنّ الكابينة الوزارية العراقية 25 وزيراً نصفهم فائضون عن حاجة الدولة الحقيقية ، و716 وكيل وزير ، و4553 مديراً عاماً علماً أنّ 80 % منهم فائضون (زيادة على الملاك) ، في حين الكابينة الوزارية الأمريكية 14 وزيراً ولكل وزير وكيل واحد ، ونتساءل وبألحاح أين الرقابة المالية ؟ حينما نضع أمامها راتب النائب الأمريكي 165 ألف دولار سنوياً ، أي حوالي 190 مليون دينار ويساوي "16 مليون دينار شهرياً" ، وراتب النائب البريطاني 170 ألف دولار سنوياً ويساوي 200 مليون دينار عراقي ، أي بالشهر 17 مليون دينار!!!! للمقارنة فقط مع حسره !!!.

2- الفضائيون تلك الظاهرة الغريبة وغير المسبوقة بوجود رواتب وهمية لأشخاص غير موجودين ، أليستْ هي سرقة ونهب المال العام ؟ وبشكلٍ يوحي إلى موت الضمير وأندثار الوازع الأخلاقي . هذه السرقات لم يفعلها عتاة غزاة بغداد عبر التأريخ ، عندما أعلن مسؤول رفيع أن هناك 50 ألف فضائي في وزارة واحدة معينة والخافي أعظم عندما أكتشفوا بعد خراب البصره أنها ليست مقتصرة على أفراد بل منتشرة في جميع دوائر الدولة ومؤسسات حكومية ، وبشكلٍ هائل ومخيف (لك الله يا شعب العراق) ، وعلاجها يا ساده يا كرام {بأكمال البطاقة المدنية} وكشف ملفاتهم وأسمائهم ومراكزهم لتعريتهم أجتماعياً ، وتفعيل العقوبة الجادة والرادعة بتقديمهم للقضاء العادل .

3- ظاهرة غسيل الأموال : هي عملية تحويل الأموال المتحصلة من أنشطةٍ جرمية كالرشا والتهريب ومن صفقات العقود الحكومية ما تسمى بالكومشن ، ولتجنب المسؤولية وأخفائها تُحوّلْ الى مشاريع حتى وهمية ، أو شراء موجودات ، وتبسيطها أكثر (خلط الأموال غير المشروعة بأموالٍ أخرى مشروعة وأستثمارها في أنشطة مباحة) ، وتعرض العراق الى نهبٍ (فرهودي) بتهريب مليارات الدولارات الى الخارج ، حين أستغلّ المجرمون التطور التقني والتكنلوجي والرقمي في تطوير أدواتهم الأجرامية ، وكان من أبشع أنعكاساتِها السلبية ظهور العجز في موازنة 2015 ب 25 مليار دولار، ولمعالجتها يجب أنْ يعطى للقانون الجديد بعداً "وقائياً" ، وأشراك العراق في الأتفاقات الدولية التي تعالج هذهِ الظاهرة الجرمية .

أخيراً فأبواب الفساد المالي والأداري في عراقنا كثيرة ومتعددة ترقى إلى مافيات شيطانية رهيبة وأخطبوطية بأذرعٍ عديدة لا أرغب أن أسبب لكم متاعب فكرية ولا أقصدُ مشاركة أحاسيسي المكتوية بلهيب هموم وطني المستباح والمداف في لُجّة عذابات وحشة منافي غابات الثلج ومعاناة الجلد الذاتي بما أعاني من مرارة محنة الغربة الحزينة في شكلها التراجيدي دون الأكتراث لحدائق بردايس اسكندنافيا ولا لجمال أناثها الشقر ومباهج الحياة فأستوطنني القلق (والهوم سكنيس) لذا أختزلتْ الجغرافية والتأريخ في سرد تجليات الملهاة المأساوية لشعبي الأسير، لأنّ الذي يبدو لي أنّ شعبنا في العراق وقع في الشبكة العنكبوتية للأحتلال وعجز عن المقاومة وفضّلَ الخلود للنوم لنسيان واقعه المرير وأراهُ يشيرُ عليّ مشاركتهُ في سباتٍ عميق على ترنيمة "تنويمة الجياع" : للجواهري :

نامي جياع الشعب نامي    حرستك آلهة الطعامِ
نامي على زُبد الوعود      يدافُ في عسل الكلامِ
نامي تزُركِ عرائس الأحلام    في جُنح الظلامِ
نامي الى يوم النشور      ويوم يؤذنُ بالقيامِ


 

 1-1-2015
 

 


 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter