|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأحد  13 / 8 / 2017                                 عادل أمين                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

حول الأستفتاء وحق تقرير المصير

عادل أمين
(موقع الناس)

المنعطفات السياسية التاريخية التي تتعلق بمصائر الشعوب والأوطان والقضايا الكبرى، تضع اصحاب المواقف السياسية، من الكتاب والمثقفين، واليساريين منهم اكثر من غيرهم على المحك، وتتطلب منهم المواقف الصريحة والواضحة تجاه تلك القضايا، لأن لهم بلا أدنى شك الدور المهم والتنويري في بلورة الرأي العام سواء الداخلي أو الأقليمي أوالخارجي، هذا المحك يكون كالغربال في تصفية المواقف الصريحة من الفضفاضة.

فالذي يثير أستغرابي ودهشتي، ان مواقف بعض الكتاب المحسوبين على اليسار الديمقراطي، عند إبداء الموقف من عملية الأستفتاء في أقليم كوردستان على الأنفصال أو تسميتها الأستقلال لدى البعض، لا يدخرون جهداً في الأعلان بما اتوا من القوة في التعبيرعن اعترافهم بحق شعب كوردستان في تقرير المصير بما فيه حق الأنفصال، وحق هذا الشعب في تكوين دولته الخاصة به إسوةً بالكثير من الشعوب والأمم التي تعدادها اقل من مليون نسمة، ولها كيانات دولية وملوك ورؤساء وأمراء وممثلين في الأمم المتحدة والسفراء في دول العالم ...الخ فما بالك بشعب كوردستان العراق الذي يربو تعداد نفوسه أكثر من ستة ملايين، إلى هنا، الموقف رائع ومغلف بكلمات منمقة وجميلة ومذيل بالحرص على شعب كوردستان... ومن ثم تلحقه الأفكار الأعتراضية على الأستفتاء و الأنفصال من قبيل لكن الأستفتاء والأنفصال ليس الآن، أنه محفوف بالمخاطر في حال إجرائه، الوقت غير مناسب داخلياً وأقليمياً ودولياً، ويكون بمثابة كارثة لشعب كوردستان، وسيدفع بالأقليم إلى الجحيم، وسينتزع من شعبه كل ما حصل عليها (من المكرمات والهبات) من الحكومات التي جاءت بعد عام 2003 إلى سدة الحكم، وسيدفع بالأقليم إلى الهاوية وإلى الحروب الداخلية والخارجية، ناهيك عن ارباك الأوضاع الداخلية في العراق وداخل الأقليم نفسه وسيمزق العراق...الخ وكأن شعب كوردستان هو المسؤول عن تمزيق العراق وليس الاحزاب الحاكمة والمتنفذة منذ عام 2003 وللآن.

هذه الأزدواجية في الموقف أشبه بمن يمسك العصى من وسطها، أنه موقف فضفاض وقابل للتأويل، الوضع يحتاج إلى موقف صريح، أنت مع الأستفتاء (الأنفصال) أم ضد، أما البحث لإيجاد موقف ثالث (نعم - لا) وأخذه ذريعة لوضع العصى في عجلة ما يطالب به شعب كوردستان، موقف يتنافى مع المواقف التأريخية التي كانت القوى اليسارية تتخذها إزاء حالات مشابه في بقاع آخرى من العالم وأقربها (فلسطين، الصحراء الغربية ، السودان ...الخ) لكن عندما يتعلق الأمر بشعب كوردستان الذي عانى الويلات منذ الحاقه بالدولة الهاشمية الحديثة العهد عام 1924 تشرع امام ممارسته لهذا الحق العشرات من الموانع والعوائق والمخاطر، ولا تدعو إلى تأجيله فحسب، لا بل إلى ما يشبه إلغائه !

والبعض الآخر ينبري للمطالبة بربط هذه القضية بالوضع الداخلي في الأقليم، انعدام الديمقراطية في الأقليم، المشاكل بين الاحزاب الكوردستانية، المشاكل الأقتصادية والفساد الأداري وحكم العائلة الواحدة...الخ، أتساءل، وما علاقة هذه المشاكل بعملية الاستفتاء؟ علماً أن الحكومة الأتحادية هي طرف في هذه المشاكل، إن لم تكن الطرف الأساسي من خلال فرض الحصار على كوردستان ورفض صرف رواتب موظفي الأقليم، ومحاولة شق شعب الأقليم من خلال الزيارات المكوكية بين بغداد وبعض مدن الاقليم لخلق وأغواء بعض المجاميع المواليه لها فيه، أقول مهما كانت ضخامة المشاكل في الاقليم، هي في الأخير تبقى مشاكل داخلية، سواء المتعلقة بالوضع الأقتصادي أو نظام الحكم، والمشاكل السياسية بين الأطراف الحاكمة في الأقليم، الشعب الكوردستاني هو الكفيل والقادر على معالجتها بدون الأستعانة بعون الآخرين، وهي مشاكل خاضعة للصراعات الداخلية، حاله حال أية مجتمعات آخرى، وإذا كان للآخرين القدرة على معالجة المشاكل دعهم لمعالجة مشاكلهم في الفساد الذي يدب بكل مفاصل الدولة العراقية، وسوء الإدارة والسرقات وتقديم الخدمات للشعب وتوفير الأمن والأمان له أولاً ومن ثم التباكي والخوف على شعب أقليم كوردستان الذي على الأقل يعيش في الأمن والأمان، ويحتضن الملايين من النازحين والآلاف من الذين ينشدون الأمان.

أما التحجج بالوضع الأقليمي، والمعني تركيا وايران وسورية التي تتواجد أجزاء من الشعب الكوردي في كنفها، كأحد الموانع والمخاطر لأستقلال كوردستان مما تستدعي التريث وانتظار الوقت المناسب، متى سيأتي الوقت المناسب؟ تركيا التي فيها الجزء المهم من الشعب الكوردي، هي نفسها تركية منذ خلقت تركيا وقبل تأسيس الدولة العراقية التي الحقت بها قسراً ولاية الموصل التي كانت صلب القضية الكوردية، وايران الذي فيه جزء من الشعب الكوردي هو نفسه ايران قبل وصول الاسلام اليه وإلى العراق، وسورية نفسها منذ الدولة الآرامية، متى ستأتي ايطاليا و تأخذ مكان تركيا وسويسرا مكان ايران والسويد مكان سورية حتى يكون الظرف مناسب اقليمياً لإجراء الأستفتاء وانفصال كوردستان بدون المخاطر الأقليمية ؟

أما الحديث عن الأنظمة التي توالت على حكم العراق ، فالتجارب علمتنا، ان الحكومات التي توالت على حكم العراق عندما كانت تضعف، تتملق لشعب كوردستان وتتحدث عن شعبنا الكوردي وأبناء وطننا والأسراف في الكلام المعسول والوعود الكاذبة، وعندما تتقوى تستعمل اقذر الأساليب لأخماد صوت هذا الشعب وغمط حقوقه واحراقه ارضاً وشعباً وآخرها وليس اخيرها ما فعله نظام صدام المقبور، والتهديدات لا تزال مستمرة على ألسنّة الكثير من قادة عراق اليوم تجاه الأقليم، وتخرج تلك التهديدات احياناً بأساليبٍ سوقية من افواه اشخاص في مواقع مهمة في السلطة التنفيذية أو التشريعية.

متى يكون الظرف مناسب ؟ هذا السؤوال بحاجة إلى الجواب .





 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter