|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

السبت  21  / 6 / 2025                                 عبدالأمير العبادي                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

 العقلُ (العربيُّ الإسلاميُّ) والطائرةُ F35

عبدالامير العبادي  
(موقع الناس) 

مع أنّي لا أَميلُ إلى تصنيفِ العقلِ الإنسانيِّ جغرافيًّا، لأنّه عقلٌ حيثما وُجِد، شأنُه شأنُ السيّارةِ، فهي تُطلَقُ عليها هذه التسميةُ أينما تكون، معَ الاختلافِ في طبيعةِ الصناعةِ والتكنولوجيا.

نحنُ العربَ، كان السيفُ النَّسَقَ الملازمَ لوجودِنا، ثم عزّزناهُ بالدّرعِ والفَرَسِ، حيثُ صار وسيلتَنا في الدّفاعِ أو الهجومِ. ومن خلالِ هذهِ الملكيّةِ، بسطنا نفوذَنا العربيَّ والإسلاميَّ قهرًا على معمورةِ الرّبِّ، من الخليجِ إلى المحيطِ، حتّى أصبح خَراجُ غُيومِ الكونِ لهذهِ الأمّةِ.

ولكن، مع تقادُمِ الأزمنةِ، وحركةِ التّاريخِ، واحتراقِ مراحِلِهِ، وظهورِ أُممٍ وإمبراطوريّاتٍ، انكفأَتْ هذهِ الأُمّةُ، وقَصُرَ السيفُ، وتَحجّمَ الدّرعُ، وتكسّرَت أقدامُ خُيولِنا. حتّى جاء الغربُ بفكرِهِ الموسوعيِّ، مخترقًا العالَمَ بكلِّ الاكتشافاتِ والاختراعاتِ، بدءًا من القاطرةِ، والسيّارةِ، والكهرباءِ، ثمّ الأسلحةِ، والطّائرةِ، وقلمِ الجافِّ، والحبرِ، والرّصاصِ، وصناعةِ الورقِ، والمضادّاتِ الحيويّةِ، والتّخديرِ، والعمليّاتِ الليزريّةِ، والاستنساخِ… والحديثُ يطولُ.

هُنا، ظلّ العربُ والمسلمونَ يتنازعونَ الألقابَ والتّاريخَ، ولُغاتِ الثّائرِ، وحَصْرَ العقلِ العربيِّ في موروثِ الكُتُبِ الجامدةِ واللغةِ. يتصارعونَ على كتابةِ الهمزةِ، كما قال عبدالله القَصيبيُّ.

نحنُ العربَ والمسلمينَ، حَبانا اللهُ بثروةٍ لا مثيلَ لها. أردنا أن نستبدلَ السيفَ والدّرعَ والفَرَسَ بالكلاشينكوفِ أو السّيمينوفِ، والدبّابةِ، والمُدرّعةِ، حتّى أغرقْنا أوطانَنا بها. وكلّما جدّدها الغربُ، تسارعْنا لاستبدالِها، ونحنُ مستمرّونَ في تغييرِ الخُردةِ بخُردةٍ أُخرى.

ومنذُ آخرِ حروبِنا، منذ حربِ عامِ 1948، وحتّى حربِ 1973، ثمّ أشرسِ حربٍ وهي الحربُ العراقيّةُ الإيرانيّةُ، ثمّ حربُ الخليجِ، وحربُ احتلالِ العراقِ، وهكذا تذهبُ أموالُنا أدراجَ الرِّيحِ.

حتّى جاءَ يومُ الطوفانِ، وإذا بالانهيارِ يَطالُ منظوماتِ التّصدّي في حماسَ، وحزبِ اللهِ، واليمنِ، وسوريا، والعراق، وإيران.

وأزاءَ كلِّ ما حدث، لاحظْنا تَبَخُّرَ أموالِنا، وسقوطَ أسلحتِنا المُهانةِ بكلِّ أنواعِها، وظلّت ماكثةً في مخازنِها، تنتظرُ لحظةَ دمارِها، لتذهبَ الملياراتُ، ويذهبَ رُبّانُها الإنسانُ إلى حتْفِهِ، أمامَ جَبروتِ الطّيرانِ العسكريِّ، المُعزَّزِ بكلِّ وسائلِ العلمِ والمعرفةِ، مُتطوِّرًا يومًا بعدَ يومٍ، لتتساقطَ أوراقُ التّوتِ تحت جَبروتِ الـ F35.

هذهِ الأمّةُ، وهذا العقلُ، سيظلّانِ مُجمَّدَيْنِ، لأنّنا نعيشُ على حكاياتِ ألفِ ليلةٍوليلةٍ، وسُمّارِ عنترةَ بنِ شدّادٍ، وقصائدِ المهاويلِ في مديحِ طُغاتِها، والإسفافِ في عبوديّةِ التّاريخِ وشخوصِهِ، وكُتبِ الشّعوذةِ والخيالِ بلُغةِ السّيفِ.

وغدًا، ربّما تأتينا عشراتُ الطّائراتِ المقاتلةِ، التي تقتلُ الحَرثَ والنَّسْلَ من أبعدِ القارّاتِ.


إلى متى نُغنّي:

“النّاسُ وَصَلَت للكَمَرْ، وإحنه نِصِيحْ: يا رَيلْ لا تِفَزِّز السَّمْرَه!

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter