| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الثلاثاء 9 / 6 / 2026 علي المسعود كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
الفيلم الكوري "قصيدة"
حكاية ملهمة عن الابداع الشعري
علي المسعود (*)
(موقع الناس)لا يستطيع أي شخص أن يكتب قصيدة بمجرد محبته لهذا الأمر أو لهوايته ، فكتابة الشعر ليس بالأمر السهل الذي يتمكن منه أي شخص ، بل هي موهبة تولد مع الإنسان منذ الصغر ، ويمكن تنميتها وتطويرها ، وتحتاج كتابة القصيدة لمقومات الكتابة الشعرية وأصول الأبداع للمنجز الشعري . الفيلم الكوري الجنوبي " الشًعر" ، الذي كتبه وأخرجه " لي تشانغ دونغ "وأستطيع ان أطلق عليه عنوان (قصيدة) لانه يدور في محور كتابة القصيدة والالهام الشعري. يعود المخرج الكوري الشهير " لي تشانغ دونغ " بعد غياب ثلاث سنوات بعد فوز فيلمه "سر شروق الشمس" عام 2007 بالعديد من الجوائز بعمل مميز ، ولم يكن من الغريب أيضا أن يحصل فيلمه " شّعر" على الكثير من الثناء والتقدير من النقاد وكذالك الحصول على الجوائز في مهرجانات السينما . يبدأ الفيلم بجوار نهر وبمشهد لأطفال يلعبون عند حافة النهر ، ثم يكتشفوا جثة تطفوا على سطح النهر ، وتبين إنها جثة فتاة صغيرة في المدرسة الإعدادية منتحرة . سرعان ما علمنا أن الفتاة التحقت بالمدرسة نفسها التي التحق بها حفيد مي جا - المسؤولة عن رعايته - وأن الفتاة انتحرت بالقفز في النهر من جسر قريب بعد تعرضها للإغتصاب من قبل خمس من زملاءها الطلبة ومن ضمنهم حفيد السيدة ( مي جا)، الشخصية الرئيسية في الفيلم ، شخصية (مي جا) ، جدة تبلغ من العمر 66 عامًا تقوم بتربية حفيدها ووك (لي ديفيد) ، ومن أول وهلة لا تبدو كأي امرأة عادية فهي برغم فقرها وعملها كممرضة بدوام جزئي لأحد المسنين ، فهي مهتمة أيضاً بأناقتها ، فهي تحرص دائما على الخروج متأنقة مهما كانت متاعبها وهو ما يدل على حسها الجمالي .
فيلم" قصيدة" المخرج الكوري "لي تشانغ-دونغ" وزير الثقافة الكوري بين 2002 و2004، جاء متأخرا إلى السينما بعد أن بنى سمعة قوية ككاتب . لذلك، ليس من المستغرب أن يكون الكتابة عن الأبداع الأدبي وخاصة الشعر، محور فيلمه الخامس، الذي فاز بجائزة أفضل سيناريو في مهرجان كان السينمائي عام 2010 . تبحث عن طريقة أخرى للتعبير عن نفسها، للعيش، ورؤية العالم . وهذا الدافع للحياة يقودها الى تعلم نظم وكتابة (القصيدة). الشعر الرقيق . هي امرأة غريبة الأطوار وفضولية تحب العناية بمظهرها وترتدي قبعات بنقشات زهرية وملابس ملونة زاهية . بالصدفة، التحقت بدروس " لكتابة الشعر " في بيت الثقافة في حيها، ولأول مرة في حياتها تكتب قصيدة . تبحث عن الجمال في بيئتها المعتادة. تشعر وكأنها تكتشف أخيرا أشياء كانت تراها دائما، وهذا يمنحها الطاقة. تعمل في منزل رجل مسن مصاب بالشلل النصفي تسميه "الرئيس".
(مي جا) هذه الأنيقة والديناميكية تدرك أن الكلمات بدأت تفلت منها وتكتشف أنها مصابة بمرض الزهايمر. وفي الوقت نفسه، وبعد أن التحقت بصف لكتابة (الشًعر) ، بدأت تدون في دفتر ملاحظاتها بأن تكون أكثر انتباها للعالم من حولها وتدركه بشكل مختلف.بهالة حالمة وحازمة، ونظرتها الغائبة أحيانا والمفاجئة المنبهة، اكتشفت جمال الزهور (حتى الاصطناعية منها) وسمعت، كما لم يحدث من قبل، صوت الريح في الأوراق وأغنية الطيور، فإنها تفتح عينيها أيضا على واقع أقل جمالا من خلال قصة مظلمة عن انتحار طالبة في المدرسة الثانوية بعد تعرضها لسلسلة من حالات الاغتصاب الجماعي. يحاول والدا الجناة (بما في ذلك حفيدها، مراهق غير ناضج ممدد أمام شاشة الكمبيوتر) وإدارة المؤسسة التستر على القضية من خلال تعويض العائلة. يجتمع آباء المراهقين المعنيين لتغطية الفضيحة، ويقررون شراء صمت والدة الفتاة وطلب من (مي جا) أن تكون مبعوثتهم . وبسبب معاناتها من تلاشي الذاكرة، علمت من طبيبها أنها مصابة بمرض الزهايمر. تبدأ في نسيان الكلمات والأحداث، ذكاء السيناريو الهائل هو ما يجعل ضيق ميجا وتجربتها الحسية تعبيرا شعريا عن علاقتها بالعالم، بقبحه وجماله، المتداخلين بشكل حميمي في النسيان الحتمي الذي سببه مرضها. من هذا النسيان يولد إدراك جديد للأشياء، ومن هذا التصور ولدت قصيدتها الأخيرة "أغنية أغنيس"، من الاسم الأول للفتاة االمنتحرة ، الممثلة "يون جونغ-هي"، تبدع في تجسيد شخصية (مي جا) التي كانت نجمة كورية عظيمة حتى الثمانينيات، وأشهر ممثلة في العصر الذهبي للسينما الكورية، حيث شاركت في أكثر من 330 فيلما ، وغابت عن الشاشات لأكثر من ستة عشر عاما، نجح المخرج (لي تشانغ) في أعادتها في أداء الشخصية في هذا الفيلم التحفة .
وهناك معاناة من نوع خاص تواجه السيدة "مي جا"، الا وهي قضية ألالهام الشعري ومحاولاتها المتعثرة في كتابة القصيدة . تبدأ السيدة الجميلة "ميجا" في سعيها للحصول على الإلهام الشعري وملاحظة أبسط الاشياء مثل الاستماع إلى حفيف الأشجار أوالإعجاب بالزهور ، ومن ثم كتابة السطور عندما تأتي إليها الفكرة أو الومضة . في بعض الأحيان كانت ميجا تتجول لتفكر في ثمرة مشمش متساقط ، أو تنظر إلى شجرة لكتابة القصيدة ، أوالوصول الى حالة الالهام الشعري لكتابة قصيدتها الاولى ، لكنها تعود خائبة بعد فشل محاولاتها ، تكافح ميجا من أجل الإلهام ، وفي مشهد لاحق بالقرب من النهر في محاولة لكتابة قصيدتها الأولى ، كانت تحدق في صفحة فارغة من دفتر الملاحظات الصغير بينما يسقط المطر على الورقة مثل الدموع . وتستأنف الجدة المرهفة المشاعر سعيها للجمال حتى إنها تتأثر بصوت المطر . وتضيف كل تجربة لها انطباعات جديدة عن شكل و أسلوب القصيدة التي تحلم أن تكتبها . في فصل الشعر يُطلب منها الأستاذ أن تسعى وتكتشف الجمال وتكتب عنه ، ولكن لا يمكن التوفيق بين هذه النصيحة المتعددة المعاني مع تجربتها في الحياة الواقعية ، وبالتالي تتعثر كتابتها . لن يصبح الشعر ممكنًا إلا بعد أن تدرك حقيقة الحالة الإنسانية - أن الفرح والألم سيتعايشان دائمًا . فعندما طُلب منهم مشاركة أجمل ذكرياتهم ،
المخرج "لي تشانغ دونغ" يؤلف لي قصيدة بصرية جميلة مليئة بالرقة والعاطفة والحساسية تستحق أفضل ميلودراما دون الحاجة للجوء إلى مبالغاتها الرسمية، وتنتهي بخاتمة رائعة مليئة بالعاطفة. إنه يحتوي على الشعر والدهشة والجمال،من الذي يخترق الأعماق ويتسرب الى الروح ، يدعو للاستمتاع بالحواس ويترك بقايا المرارة . هناك موقف درامي مواز أو حدث مؤلم وهو موت الطالبة الشابة، لكن المرأة الطيبة تصرعلى الإمساك بالشعر وجعله ملجأ للروح من الفبح الذي يحاصرها . امرأة مسنة تبدأ تظهر عليها أعراض الزهايمر، تعمل بعض أيام الأسبوع في التنظيف أو رجل مسن معاق، وتعتني وتحمي في منزلها حفيدا مدلل وشيء أسوأ من ذلك (دون أن تشعر بالقوة الكافية لمعاقبته وتعليمه ليكون رجلا صالحا، إلا أن يوجهه من حين لآخر شجارا صغيرا ولا أكثر).
يكلف المعلم الطلاب بمهمة كتابة قصيدة بنهاية الدورة التي تستغرق شهرًا ، وينصح الطلاب بإيلاء اهتمام وثيق للأشياء من حولهم . يقول لهم "لكي تكتب الشعر يجب أن تراه جيدًا" ، ما هو الشعر؟، تسأل البطلة السيدة (مي جا)، يرد الأستاذ " لشعر هو ترنيمة للجمال الكوني " ، في الشعر تظهر التناقضات بوضوح، بدءا من حقيقة أن السيدة ميجا تسعى للشعر كحليف رئيسي لحبها للجمال وذريعة للشعور بالسعادة في حياتها، هدية من الله الى الموهوبين من البشر .
شخصية مدرس الشّعر الذي هو مدخلنا مع السيدة (ميجا) الي عالم الشّعر وماهية الشّعر. ففي أولي المشاهد الخاصة بالمدرس يبدأ كلامه بقوله إن الشّعراء يرون ما لا يراه الناس العاديون ، ويؤكد مدرِّس الشّعر أن الناس لا يرون الجمال الحقيقي، ولا يكتشفونه بسهولة على الرغم من أنه موجود بالقرب منهم دائما .
وفي واحدة من محاضراته القيّمة يقول:(إن كل واحد منكم على انفراد يحمل الشّعر في قلبه، لكنكم تحبسونه، ولقد جاء الوقت لتحرير الشّعر وإطلاقه) . ثم يضرب مثالاً في غاية الأهمية حينما يمسك تفاحة ، ويقول إننا جميعاً قد رأينا مثل هذه التفاحة آلاف المرّات، ولكننا لم نتمثلها ونتحسسها جيداً، ولم ندوِّرها في أيدينا، لذلك فإننا لا نستطيع أن نمسك بجمالها الحقيقي الذي يختفي وراء عجالتنا وانهماكنا في مشاغل الحياة اليومية . . ويضيف : "أن تعرف حقًا ما هي التفاحة ، وأن تهتم بها ، وأن تفهمها ، فهذا يعني رؤيتها حقًا ". وفي هذه الأثناء تسأل السيدة ميجا سؤالاً منطقياً قد يدور في أذهان العديد من الناس المعنيين بالعملية الابداعية مفاده (متى يأتي الإلهام الشعري؟) فيجيبها المدرِّس جواباً قد يبدو غامضاً ومُربكاً بالنسبة لها حينما يقول: (الإلهام لا يأتي، بل يجب أن تذهبي إليه وتتوسليه. يجب أن تصلّي له، وحتى الصلاة قد لا تضمن لك شيئاً. انه شيء ثمين جداً، ولا يمنح نفسه دفعة واحدة . وهذا هو السبب الذي يدعوكِ لأن تذهبي إليه وتتوسلي له). تسأل ميجا سؤالاً ينطوي على بعض السذاجة هذه المرة حينما تقول: (أين أذهب؟) فيضحك المدرس ويقول: (إنه ليس في مكان محدّد، ولكن لابد أن يكون في مكان ما يجب أن تذهبي إليه . الشّعر لا ينتظركِ، وهو موجود في مكان قريب جداً، وليس بالضرورة أن يكون نائياً ، إنه هناك حيث تقفين. إن الشّعر يمكن أن يوجد حتى في حوض غسيل الأطباق ".
في الختام ، وفي اليوم الاخير من دورة الشعر ، تذهب (ميجا) إلى الصف الدراسي وتضع القصيدة مع باقة من الزهور البيضاء على المنضدة ثم ما تلبث أن تخرج من الصف وتختفي . يندهش المعلم حين يعلم بنظمها للقصيدة وغيابها بينما يعجز الآخرون عن ذلك ويقوم بقراءتها أمامهم . تغيب ميجا عن الحضور وتحضر فقط قصيدتها البكر مع باقة من الازهار وحين يبدأ الاستاذ بقراءة القصيدة يحضر صوتها أخيرًا ، لكن كلمات قصيدتها - "أغنية أغنيس" التي تأتي فيها الجدة " ميجا " لتعيش في كيان الفتاة المنتحرة - تُقرأ القصيدة مع تسلسل لصور الضحية حتى لحظة وقوفها على الجسر وقبل رمي نفسها في النهر . حيث تقول فيها :
كيف أنتهى ألامر هناك؟
يالها من وحدة !
هل لازالت الشمس تتوهج بالحمرة عند المغيب ؟
هل ما زالت العصافير تغرد في طريقها للغابة ؟
يصبح الشعر ترنيمة جميلة للجمال ، وتعبير عن المشاعر الانسانية العميقة للإنسان. والكشف عن مخاوفه ، وجعه وهشاشته . وفي نهاية فيلم "شعر" أو قصيدة ، تظهر صورة للبنت المنتحرة وهي واقفة على حافة الجسر وهي مبتسمة، ونسمع صوت "ميجا" في الخلفية وهي تقرأ قصيدتها الاولى ، وتتابع خلال قراءة عدة صور من حياة " مي جا" وذكرياتها ، يختلط صوت ميجا عن قراءة قصيدتها مع صوت مدرس الشعر وهو يلقي القصيدة الوحيدة التي كتبتها (مي جا)، وكأنها تريد أن تؤكد أن في الشعر ما يقدس الحياة ويداوي جراحاتها ويزرع الأمل ويقاوم الملل ويوسع الرؤية بعد ضيقها، ومنه أيضا ما يغرق في الألم واليأس والموت، " في النهاية ، وجدت " ميجا " صوتها بالفعل وحلقت مع الالهام الشعري في خلق قصيدتها الاولى ، لكن بقية حياتها كانت عبارة عن فوضى . " الشعر" هو فيلم يثير المشاعر من دون إحداث ضجيج كبير، ويتطلب مشاركة المشاهد لتقدير جوهره بالكامل . إنه فيلم مفتوح، كما لو كان صفحة بها قصيدة، فيلم به مساحة بيضاء كثيرة يجب على المشاهد ملؤها وفقا لمعاييره .
(*) كاتب عراقي \ مقيم في المملكة المتحدة