| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأربعاء 20 / 5 / 2026 علي المسعود كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
الفيلم الإيراني "الرئيس"
يعري النظام الديكتاتوري ويكشف نهايته
علي المسعود (*)
(موقع الناس)يفتتح فيلم "الرئيس" للناشط في حقوق الإنسان والمخرج الإيراني الشهير "محسن مخملباف "2014 يفتتح بطريقة مثيرة للغاية. رئيس ديكتاتور يسير في الطريق المزخرف بسيارته الليموزين . لاحقا، يجلس الرئيس في مبنى متعدد الطوابق يطل على قصره. يطلب حفيد الرئيس الصغير، المرتدي الزي العسكري مثل جده، آيس كريم. لأسباب صحية، تم رفض طلب الصبي. ولغرض تشتيت انتباهه، يأمر الرئيس عبر الهاتف بإطفاء جميع الأنوار في المدينة، باستثناء الأضواء الساطعة في قصره . يسحر الصبي بلعبة إطفاء وتشغيل الأضواء . يستلم جهاز الاستقبال من جده ويأمر بإطفاء الأنوار. عرض مثير للاهتمام حول عبثية وطبيعة السلطة المطلقة الخطيرة . لكن الضوء لا يعود للعمل مؤة أخرى. هذه اللعبة للديكتاتوري أوشكت على الانتهاء، إذ لا يظهر إلا الحريق الذي أشعله الثوار في الظلام البارد .
تهرب عائلة الرئيس بطائرة خاصة ولحظة الصعود يرفض الطفل المغادرة متمسكا بالبقاء مع جده وتفشل كل المحاولات لإقناعه فيضطر الرئيس للإذعان لمشيئة الطفل العنيد المتعلق بجده ويعتبره قدوته ... من هنا تبدأ أحداث الشريط تتشكل بوضوح إنها الثورة فعلا ... تهب الجماهير قاطعة على الرئيس طريق العودة الى القصر وكلما إتخذ السائق طريقا فرعية لينجو بالرئيس وحفيده تعترضالحشود طريق السيارة الليموزين ويرموها بالحجارة ، موجهين للرئيس كل أشكال الشتائم واللعنات محاولين النيل منه. مرة أخرى يفشل الرئيس في الرجوع الى المطار ومغادرة البلاد خاصة عندما يكتشف أن العسكر إنضم الى صفوف المحتجين مطالبا برأسه . لحظات حرجة يمر بها الرئيس الديكتاتور وحالة رعب لا توصف يعيشها الطفل الذي ينهال على جده بقذائف من الأسئلة .
يزداد الوضع سوءا بانقلاب الجيش على الرئيس ومقتل حارسه الأمين وتخلي سائقه الشخصي عنه مخيّرا الفرار بجلده .. نهاية رئيس وسقوط الديكتاتورية وبداية معاناة انسان في بلد لا يعرف شيئا عن فقره ونقمته ووضعه الاجتماعي، يتوغل الرئيس في أرض شاسعة برفقة حفيده الذي لا يتوقف عن السؤال . طفل يخرج لأول مرة من عالمه المخملي ليرتمي أو يرمى به في قلب الخراب والغليان الشعبي المتصاعد ولا شيء يمكن إيقافه الا مقتل الجد /الرئيس الظالم. وليحافظ هذا الأخير على حياتهما يقتحم محلا لحلاق فقير ويسلبه ملابسه وملابس إبنه ويغير شكله بباروكة ذات شعر طويل ثم يخرج متسللا متنكراً، ومن كوخ متداع يسرق قيتارا لعازف جوال ويلقن الطفل أنهما بصدد لعب دور موسيقي متجول وراقص صغير، وحتى يضمن نجاح اللعبة عليه الامتناع عن مناداته بصاحب الفخامة . تطول اللعبة على طفل سريع الملل تعوّد الرقص والتسلية صحبة صديقته ماريا الصغيرة التي اختفت من حياة الطفل مع اختفاء كل شيء جميل ومريح ونظيف وراق وأنيق ، وحل محله عالم بائس يهدده الموت والتنكيل والانتقام الفظيع. يتواصل الهروب وتتواصل الملاحقة في كل مكان صور الرئيس المغضوب عليه ممزقة ومحروقة في بلد تتكشف ملامح بؤسه وفقره عبر جملة من المشاهد , تتواصل الرحلة على متن سيارة تقل مجموعة من الناس حشر الرئيس نفسه بينهم على أمل تجاوز الحدود .
وتتوقف السيارة عند حاجز تفتيش حيث يقوم الجنود بسلب الركاب الفقراء ممتلكاتهم البسيطة ويتمادون في غيّهم حين يعمد أحدهم لاغتصاب عروس بفستان زفافها ، جريمة لم تقدر العروس تحمل وقعها فتصرخ في وجوه من شهد الواقعة وتواطأ بالصمت خوفا ولم يحرك ساكنا ، فتهجم على الجنود لتنتهي قتيلة برصاصة أحدهم . وفي صورة بليغة أبدع فيها المخرج (مخلباف) حين جعل الديكتاتور يتجرج مرارة الواقع الذي افرزته سلطته الجائرة و قسوة جلاوزته في الزج بألابرياء في السجون والمعتقلات والذي انعكس على الاسرة وتركيبها . وتجسد ذالك خلال رحلة الهروب حين يتخفى الرئيس وحفيده وسط مجموعة من السجناء الفارين يعانون تعقيدات صحية نتيجة تعرضهم لشتى أشكال التعذيب الى درجة عجز بعضهم عن المشي للتقرحات التي أصابت أقدامهم فيواصلون الطريق محمولين على ظهور زملائهم. من التفاصيل الفارقة في هذا السرد الميلودرامي للأحداث أن الرئيس الذي ادعى أنه هارب من أحد السجون لضمان تواجده مع المجموعة يجد نفسه مضطرا لحمل أحد المساجين المصابين على ظهره فيتضح أنه قام بمحاولة اغتيال الرئيس وذهب نجله ضحيتها . لحظة غضب يعيشها الرئيس الهارب في خياله ويعجز عن التعبير عنها في الواقع حتى لا ينكشف أمره ... يصل السجين الفار محمولا على ظهر الرئيس الى بيته فيصر على دخوله مترجلا ليسعد زوجته التي من المفترض أن تكون متلهفة للقائه بعد خمس سنوات من الفراق فإذا بها متزوجة وأم لطفل لم يتجاوز شهره السادس بعدما أخبروها أن زوجها توفي في السجن . وإزاء هذا الوضع ينتحر السجين تحت تأثير الصدمة فتتولى المجموعة دفنه في مشهد حزين بكت خلاله الزوجة بكاء حارقا .
كل مفاتيح الفيلم جاءت على لسان الطفل في شكل أسئلة، روح بريئة تحشر في حكاية كبيرة معقدة ظن أنها مجرد لعبة انطلقت بقطع النور على المدينة فإذا بها تنقلب الى كابوس مرعب يصحو منه على استنتاج يتماشى مع فهمه البسيط حين يقول لجده الرئيس: « لقد غضب الناس لأننا قطعنا عنهم النور وهم لا يحبون الظلام ، أراد مخملباف أن يكون الرئيس في الفيلم رمزا يمثل كل الطغاة في العالم وأن الطفل حفيد الديكتاتور فيه يمثل" ضمير الطاغية " .
لم تنته الرحلة ولم يستنفد الطفل في هذا العالم الغريب مخزون الأسئلة وكلما طالت الرحلة تزداد قيمة المكافأة المرصودة لمن يقبض على الديكتاتور. بعد انفصاله عن المساجين يختفي الرئيس مرة أخرى في شكل فزاعة الطيور ليتفادى تفطن جنود يمرون على متن قطار شاهرين أسلحتهم لكنه لم يلاحظ فلاحا بين القصب رصد تحركه . وفي اللحظة التي ظن أنه أفلت من الجنود وبلغ الشاطئ معلنا لحفيده خبر نجاتهما يفاجأ بهجوم الأهالي مطالبين بالقصاص... فوضى عارمة، صراخ عال ووجوه غاضبة، ديكتاتور مستسلم وطفل في أقصى لحظات الفزع. تختلف الأصوات حول طريقة الاقتصاص من الرئيس الظالم بين الحرق والاعدام بالمقصلة وبين تسليمه لنيل المكافأة المالية الضخمة، في خضم هذه الفوضى يعلن صوت مختلف أن العسكر الذي يشارك في هذه المحاكمة كان بالأمس اليد العنيفة أو الآلة العمياء التي يحكم بها الرئيس على رقاب الشعب .. صوت الوعي والأنتفاضة في لحظة محكومة بالجنون والرغبة في الانتقام، صوت يؤكد أن الثورات تفرز واقعا معقدا وأكثر خطرا من الأنظمة الديكتاتورية فكل شيء جائز في غياب قانون يسود المجتمعات وأن النظام القديم يعيد انتاج العنف في أبشع أشكاله . في خضم كل هذا تذهب كاميرا مخملباف الى الصبي الخائف/الحفيد في أقصى حالات الرعب مرتجفا وهو يردد :(هذه اللعبة لم تعد تعجبني) . يأخذه أحد السجناء الفارين باتجاه البحر ويطلب منه الاصغاء لصوت الأمواج , لكن الصبي يردد باكيا أنه يسمع أصوات المحتجين فيعيد الرجل المسن نفس الطلب ويكرر الحفيد ما قاله سابقا... تنفصل أصوات المحتجين حين يأخذ السجين القيتار ويبدأ العزف والغناء بصوته المتكسر شجنا ويفتح الطفل ذراعيه راقصا باتجاه البحر وينتهي الشريط على هذا المشهد المفعم بالدلالات .
الصبي الذي نشأ في راحة القصر، يلعب مع الطفلة ماريا التي ترقص الباليه، يجد صعوبة في استيعاب أهوال النظام الاستبدادي المنهار . يستمر الحفيد في التساؤل عن الأشياء المروعة التي يراها. بالطبع، الرئيس شرير جدا عندما يفكر في طرق للخلاص. يشعر بالخجل فقط أثناء تعرضه للوحشية الخارجة عن القانون التي ارتكبها وكذلك الوحشية التي استفزها بالمقابل. وفي الوقت نفسه، تقوم قوات المعارضة (باستخدام نفس الجنود كبيادق) بجمع المال المكافأة باستمرار للقبض على الرئيس. قد يشعر بعض المشاهدين أن قسوة الديكتاتور أقل من المعتاد أو أقل استكشافا. ومع ذلك، لم يكن مخملباف مهتما بتصوير السلوك المشوه للديكتاتور الساقط؛ اهتمامه يكمن في تصور الأجواء بعد النظام – الأجواء التي تتخللها القتل والفوضى العشوائية بدلا من الأمل والديمقراطية . كالعادة، يتبنى المخرج والكاتب "مخملباف" نغمة الواقعية الشعرية. يضع التفاصيل الصريحة للاضطرابات المجتمعية في الخلفية ويركز على التأثيرات النفسية للسيناريو. لا تستقر النظرة على التفاصيل الصغيرة للطغيان والفوضى، بل تكمن على إثارة أسئلة تأملية حول طبيعة القمع ودورة العنف التي لا تنتهي. الجزء المثير والمتأملي من السرد يكمن في جهود جده السلطوي للاندماج مع السكان المضطهدين،
فيلم «الرئيس» قدم الديكتاتور فردا وإنسانا مجردا من السلطة معدما وخائفا سارقا وكاذبا ومنافقا في مواجهة واقع قاس هو نتاج سياسته واستبداده يخوض رحلة قاسية تجعله يكتشف وجهه الحقيقي في عيون شعبه ونقمته عليه. كما جعلت حفيده يرى فيه الرجل الآخر خارج برجه وخدمه وحاشيته وبذلك لعب المخرج على ثنائيات كثيرة: البراءة/الاستبداد والسلطة /التشرد والثروة/الفقر والواقع/اللعبة . يبوح المخرج "محسن مخملباف" بأن الشرارة الأولى للرئيس اكتسبت عندما زار أنقاض قصر دار الأمان في كابول. لاحقا، ساعد الربيع العربي السيد مخملباف على الكتابة بدقة عن بداية كوارث ما بعد الثورة من جديد ،أضافة الى عكس صورة النظام الإيراني وأساليبه القمعية. فيلم "الرئيس" هو إنتاج مشترك من جورجيا والمملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا، انهيار الديكتاتور المجهول يذكر صداه بحوادث مماثلة وقعت في دول مختلفة في العالم الحديث .
لابد من الحديث عن المخرج "محسن مخملباف"، المخرج الإيراني الذي يعيش في المنفى والذي يعد واحدا من بين أفضل مائة مخرج في العالم ، المخرج الايراني (محسن مخملباف) وسعيه الدؤوب في مناهضة الرقابة المشددة على الاعمال الفنية في بلده ، المولود في طهران سنة 1957، شارك بشكل فاعل في التظاهرات المناهضة لحكم الشاه في ايران ما دفع ثمنه اعتقالاً وسجناً، قبل اختياره التفرغ للاخراج السينمائي بعد الثورة الاسلامية سنة 1979 ، لقد أمضى أربع سنوات ونصف السنة في السجن، وتعرض للتعذيب عندما كان في سن السابعة عشرة"، و حاولت الحكومة الايرانية قتله أربع مرات على الأقل لكن بعد محاولات عدة لتحدي الرقابة المشددة على الاعمال الفنية من جانب السلطات، إضطر المخرج الايراني الى مغادرة بلاده سنة 2004 والعيش في المنفى بداية في افغانستان من ثم في طاجيكستان قبل الانتقال الى باريس وبعدها لندن ، اخرج مخملباف حوالي ثلاثين فيلماً منذ الثمانينيات. ترتبط أعمال" محسن مخملباف" بعمق بتاريخ وثقافة إيران. من المهم الإشارة إلى أن مخملباف، كان ولا يزال نشطا سياسيا ضد الحكومات الإيرانية الاستبدادية . أثناء وجوده في السجن، اكتسب شغفا بالكتابة ومنذ ذلك الحين أصبح كاتبا مشهورا، حيث نشر 27 كتابا حتى الآن؛ كان حرا في السابق، لكنه بدأ يتألق في إنتاج الأفلام، وفي السينما وجد أخيرا أعلى أشكال التعبير له، وهو الاعتراف الدولي. اليوم مخملباف مخرج واعد عمله نال الجوائز في أرقى مهرجانات الأفلام العالمية: فينيسيا، برلين، كان، تورونتو، بيروت والمزيد. فيلمه " قندهار"عام 2001 أدرج ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في إستفتاء مجلة( التايم) .
لم يقتبس فيلم “الرئيس” للمخرج الإيراني محسن مخملباف عن قصة معروفة أو رواية شائعة، لكننا بالنتيجة نتعامل مع قصة سينمائية ، سيناريو وحوار فيلم "الرئيس" من تأليف "محسن مخلملباف" بالاشتراك مع زوجته المونتيرة وكاتبة السيناريو " ميرزي ميشكني"، ترشح الفيلم لجائزة أحسن فيلم بمهرجان فينسيا ، وفاز بجائزة الجمهور في مهرجان طوكيو وجائزة أحسن فيلم روائي في مهرجان شيكاغو .و قال في حديث صحفي "أود إرسال هذا الفيلم لجميع الطغاة في العالم وأدعوهم لمشاهدته مع أحفادهم". و قد اراد المخرج (مخملياف) في هذا الفيلم توجيه رسالة سلام وتسامح، لأنه عانى من العنف المرتبط بالثورة والحرب طوال حياته وعاش ثمان سنوات من الحرب بين العراق و ايران . ويناقش العمل مرحلة ما بعد الثورات التي تعم فيها الفوضى والتطرف والقتل والعنف وحكم المتسلقين على الثورة، فيما قد يجد الثوار الحقيقيون أنفسهم مجددا في دائرة الاستهداف والقمع والسجن . حكاية تجري أحداثها في بلد معروف بسلطة ديكتاورية وأحداثها واقعية وإن لم يضعها المخرج في أي إطار زماني أو مكاني محدد . صوّر الفيلم بجورجيا وقام ببطولته الممثل الجورجي ميشا غومياشلفيي (في دور الرئيس) والطفل العبقري الجورجي داتشي ارفيلاشفيلي (دور الحفيد) وقدم بعديد المهرجانات السينمائية العالمية وتوج في أكثر من تظاهرة منها بالجوائز .
(*) كاتب عراقي \ مقيم في المملكة المتحدة