|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأثنين 3 / 6 / 2013                             أمين يونس                         كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

مأزقُ المُثقف في بغداد

امين يونس

أيهما أهم : الشعبُ أم الوطن ؟ وبتعبيرٍ آخَر ، الإنسانُ أم الأرض ؟ البشرُ أم الحَجَر ؟ .. أنا مع الرأي القائل .. أن أي " مكان " تُصانُ فيهِ كرامة الفَرد وتُحتَرَم فيهِ إنسانيته ، هو وَطن .. صحيح ، أن هنالك " ذكريات " النشأة الاولى ، ومئات الأشياء الصغيرة التي ، تربطنا بالجذور .. ولكنْ ما قيمتها الفعلية ، إذا لم تكن تشعُر بالأمانِ في بيتك ؟ ماذا تفعلُ ب " الوطنية " و " القومية " ، إذا كنتَ جائعاً في منزلك الذي وُلِدتَ فيهِ ؟ إذا لم يكُن لديك ثمن دواءٍ لإبنكَ ؟ أرى ان التّغني بتراب الوطن ، مُجّرَد هراء ، إذا كانتْ حرياتك مُقّيَدة ، وحقوقك مُستَلَبة ، وسوط السُلطة المُستَبِدة ، مُسّلَط على ظهرِك .
مُناسبة هذا الحديث ، هو الوضع الأمني المأساوي في بغداد .. والحياة اليومية التي باتَتْ [ لاتُطاق ] .. بالطبع عندما أقول بغداد ، أعني العراق عموماً عدا أقليم كردستان " نسبياً " .. لكن لبغداد مكانة خاصة . مُناسبةُ هذا الحديث ، هو إطلاعي عبر الفيسبوك ، على التفكير الجدي لشاعرٍ ومثقفٍ كبير بحجم " عبد الزهرة زكي " ، لإحتمالية خروجه من العراق والبحث عن وطنٍ بديل .. زكي الذي تّحمَلَ البقاء في أتعس الظروف أبان حُكم الطاغية صدام ، حالِماً دوماً بِغدٍ أجمل .. لم يَعُد يطيق كما يبدو ، عبثية الوضع الحالي ! . وكذلك إعلان الروائي والمثقف " شاكر الأنباري " عن نيته للعودة الى مهجره ، يائساً كما يظهر ، محبَطاً ، مُتبرِماً .
هذَين الإثنَين .. هُما مُجّرد نموذجَين من النُخبة المُثقفة " مع الفارق بين الحالتَين ، ف زكي من عراقيي الداخل إذا جاز التعبير ، والأنباري عاد من المهجَر بعد 2003 "، كَشفا عن جُزءٍ مما يجول في نفسيهما .. ورفعا الغطاء عن كَم الإحباطات المُتراكمة والإنكسارات المتوالية طيلة الاعوام الماضية ، والأهم .. عن العَجز في إصلاح الحال .. والشعور الطاغي ، بهيمنة السياسي وتهميش المُثقف . ذاك السياسي الفاسد ، المُتخلي عن كُل قيمةٍ نبيلة ، المُشارِك أو المتواطئ أو المستفيد .. من عمليات العُنف الأعمى ، سواء المُخّطَط او العشوائي .. العُنف الذي لم يُوّفِر المثقفين .. بل إستهدفهم ، بالتصفية الجسدية والإغتيال .. فالسياسي الحاكم ، يرى كُل مُثقفٍ لا يمتدحه ولا يصبح بوقاً لتسويق سياساته .. عدواً خطراً . والمئات من الكُتاب والصحفيين والأدباء .. قُتلوا خلال السنوات العشر الماضية .. " وسط غيابِ حركة مدنية قوية وواعية " .. طبعاً قُتِلوا بأمرٍ مُباشِر أو غير مباشر ، من السياسي الفاسد المُجرم .. ولم يُحّقَق جدياً ، ولم يُلقى القبض على الفاعلين ، في أية قضيةٍ من هذه ، لحد الآن ! .
مادامَ الوعي المجتمعي ، مُتخلِفاً عموماً .. مادامت الجموع تُقادُ من قِبل الإسلام السياسي والمذهب والعشيرة .. مادام إغتيال النُخبة المثقفة ، لا يُحَرك الشارع ولا يُسقِط حكومات .. وما دام المثقفون أنفسهم بلا حولٍ ولا قُوة .. وما دامتْ الحركة المدنية الواعية ، ضعيفة وهزيلة .. فلا معنى لبقاءك يا عبد الزهرة زكي ... فأنا أفّضِل ان تكون مُعافى في المهجَر ، على ان يكون مصيرك مثل مصير كامل شياع .
 

31/5/2013
 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter