| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأثنين 21/1/ 2013 أمين يونس كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
الطبخ على الطريقة العراقية
امين يونس
" الخالة عائشة .. كانتْ شهيرة في مدينة العمادية ، ب ( طبخها الفريد من نوعهِ ) .. فعندما كانَ زوجها العم حكيم ، يجلب كيلوَين من اللحم ، مثلاً .. فأن عائشة تقوم ب [ تَذَوق ] المرقة واللحم ، عشرات المرات أثناء الطَبخ .. بحيث ان الذي يتبقى عملياً ويُقّدَم للعائلة كلها .. لا يتجاوز النصف كيلوغرام ! .. تّكّررَ هذا الأمر لمراتٍ عديدة .. حتى ضُرِبَ به المَثل في العمادية .. فالدجاج واللحم ، ثلاثة أرباعه لِرَبة البيت ، الطباخة عائشة .. والرُبع لِكُل العائلة الكبيرة ! " .
ما كانتْ تقوم بهِ ، المرحومة الخالة عائشة ، يشبه كثيراً .. ما تقوم به حكوماتنا في العراق .. سواء في بغداد او أربيل ، او حتى الحكومات المحلية في المحافظات . فالمَطبخ السياسي ، الذي يُديره المالكي وحكومته في بغداد .. وبِحجة أنه يطبخ للشعب .. فأنه في الواقع يبلع الجُزء الأكبر من اللحم والخبز والرز وكل شئ آخر .. هو ورهطه من الوزراء والنواب والمسؤولين الكبار والطُفيليين المحيطين بهِ .. ولا يبقى للشعب ، غير الفتات . وخير دليلٍ على ذلك .. هو العِز الذي تعيش فيه الطبقة السياسية الحاكمة المتنفذة .. والحرمان والفاقة والبؤس ، الذي ترزح تحت وطأته الجماهير العريضة من عامة الشعب .
في العُمق .. لا يختلف الامر كثيراً في أقليم كردستان .. فعدا عن بعض المظاهر البراقة .. فأن الحُكام هنا أيضاً .. وبذريعة انهم حريصون على راحة الشعب ، فانهم يتذوقون اللحم الذي يطبخونه ، مراتٍ ومراتٍ كثيرة ، الى درجة ، ان الذي يتبقى للناس ، لا يعدو عن كونهِ ، شيئاً يسيراً ، لا يُغني ولا يسمن ! .
ومن الطبيعي ، ان الحكومات المحلية ، أي مجالس المحافظات والمحافظين .. هُم نِتاج نفس العملية السياسية البائسة ، وهُم أبناء الحكومة الإتحادية وحكومة الاقليم .. وكما يُقال ، " فأن مَنْ شابَهَ أباهُ فما ظَلَم " . فإذا كان المالكي مثلاً هو ال ( شيف ) أي رئيس الطباخين ، فأن الوزراء والنواب والمحافظين والموظفين الكِبار ، هُم بِمثابة ، طباخين أصغر .. لكنهم جميعاً ، يمارسون التذوق على نطاقٍ واسع ويلهطون ما لّذ وطاب ! .
...........................
المرحومة الخالة عائشة ، رُبما كانتْ تفعل ذلك ، بِعفويةٍ وبراءة ، ولم تتعمد إيذاء أهلها أو الإستيلاء عمداً على حصتهم من الطعام .. ورُبما كانتْ قليلة الخبرة وساذجة ، وعلى أية حال ، فأن تصّرُفها كان يؤثر سلباً على محيطها الصغير فقط أي عائلتها . لكن الأمر يختلف تماماً مع حُكامِنا الأشاوس .. وطّباخينا الجَشعين .. فتراهُم يُضيفون الملح ، ثم " يتذوقون" .. فيقولون ان اللحم مالح كثيراً .. فيضيفون عليه الماء ، ويزدردون لقمة كبيرة اُخرى .. وبعد ذلك .. يّدعون ان كمية قد إحترقتْ او انهم بحاجة الى المزيد من الوقت ، حتى يستوي بصورةٍ جيدة .. وهكذا دواليك .. فلا تنقصهم الحجج والذرائع .. لكي يُماطلوا ويكذبوا ويبلعوا ويلهطوا ..
ألا بئس هؤلاء الطباخين ! .
18/1/2013