|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأثنين  5  / 10  / 2026                                 د. أكرم هواس                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

بلقنة العراق:
استراتيجية الفوضى المتبادلة في الصراع الأمريكي الإيراني

د. اكرم هواس *
(موقع الناس)

Balkanization of Iraq:
The Counter Disarray in US-Iranian Conflict

جميل جدا ان يرحل "الغرباء" عن ارض الوطن… و جميل ايضا ان يحتفل "الجميع" بعودة "السيادة" و ربما "الاستقلال الثاني للعراق … و لكن هل يمكن التصور بان "الهة الارض" تتخلى عن بعض من رموز هيبتها ….؟؟..

نعود إلى الواقع … ما هو مفهوم "الفوضى المتبادلة" و لماذا يعتبر العراق فوهة البركان في هذه الاستراتيجية الجديدة..؟؟.. سنركز على اليات ادارة الصراع و لن ندخل في مناقشة الاسس القانونية و الشرعية للحرب و التي تم بحثها بشكل اولي في مقالتي السابقة "حرب عبثية" ..

العديد من الباحثين يعتقد ان الحرب الأمريكية على ايران ربما تكون وصلت إلى مرحلة "حاسمة" … شخصيا لا اعتقد ذلك لكن من المؤكد ان الفترة القليلة المقبلة ستشهد تطورات كبيرة و نوعية .. و ستكون الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة نقطة ارتكاز لهذه التطورات ..

دعونا قبل مناقشة تلك التطورات ان نستذكر نقطتين مهمتين ..

أولاهما … ان كل محاولات الولايات المتحدة في إرضاخ إيران عبر تشديد الحصار الاقتصادي و الهجمات العسكرية بالأسلحة التقليدية لم تحقق نتائج كبيرة ..

ثانيا… ان ايران تبدي مرونة هائلة مع الهجمات و الاجراءات الأمريكية بشكل لا يؤدي فقط إلى احتواء تلك الاجراءات بل ايضا تسجل خسائر اقتصادية و سياسية لدى الجانب الأمريكي مما يرفع من مستوى الإحباط و التشتت التي تظهر عادة في سلوكيات الرئيس ترامب و المجموعة المحيطة به..

اذن ما هو الحل..؟؟.. هذا هو السؤال الذي يحاول اركان الرئيس ترامب ايجاد مخرج له خلال الفترة القصيرة الباقية قبل نوفمبر موعد الانتخابات النصفية ..

احد اهم احتمالين هو ضرب ايران بالأسلحة النووية التكتيكية … لكن المشكلة الكبيرة هنا لا تتعلق فقط باعتراضات دول الخليج التي ستواجه موجات لا حصر لها من التلوث البيئي الخطير على مدى سنوات طويلة قادمة .. انما تكمن المشكلة ايضا في صعوبة تحديد ما إذا كانت تلك الهجمات النووية ستحسم الحرب و تؤدي إلى إرضاخ ايران … لماذا..؟.. صحيح ان اية ضربة نووية ستكون نكسة تاريخيّة مرعبة ليس لايران الحالية و انما ايضا لمستقبل ديمومة الحياة في مناطق شاسعة تتعدى حدودا كثيرة.. لكن في المعادلة الآنية للصراع و توازن القوى فان ايران دولة كبيرة و فيها مئات المدن الضخمة و المتوسطة و الاهم من ذلك ان لا احد يعرف بالضبط ما هو .. و لا ما هي .. الاهداف الحاسمة حتى يمكن استهدافها و بالتالي إرضاخ ايران … الشهور الثمان التي مضت من الحرب اثبتت للأمريكان انه لا يمكن تحديد المفصل الرئيسي في ادارة الحرب الإيرانية .. لا من حيث الشخصيات السياسية و العسكرية … و لا من حيث جغرافية مراكز العقل التكنولوجي و الصناعي العسكري .. و لذلك فان الهجمات النووية قد تساند الجانب الإيراني بدلا من إخماده ..

الحل اذن قد يكمن في العودة إلى موضوع التفجير الاجتماعي الداخلي .. لكن بمنهجية و اليات جديدة .. كيف ..؟؟

المنطلق الاول هو دراسة الداخل الأمريكي نفسه … و نعني هنا ما يخشاه الأمريكيون انفسهم من الاستراتيجية الإيرانية لإحداث "فوضى انتخابية".. هذه الفوضى لا تعني فقط خسارة الحزب الجمهوري .. بل تمتد إلى طبيعة اجراء الانتخابات نفسها و إلى ما بعد يوم الانتخابات .. اي ظهور موجات من التذمر و التخوين و الإضرابات السياسية التي قد تتحول بسرعة إلى صراعات اجتماعية و سياسية مفتوحة ..

المنطلق الثاني هو محاولة ايجاد مداخل اخرى لخلق فوضى اجتماعية و سياسية في ايران بعد ان فشلت المحاولات العديدة السابقة اهمها عسكرة المطالبات الشعبية في بداية الحرب الحالية … الان يبدو ان الامريكان توصلوا إلى فكرة مهمة تتلخص في ما يلي: … بدلا من محاولة فصم ايران عن محيطها الخارجي دعونا نجرب العكس اي خلق بؤر للفوضى خارج الحدود و من ثم ازالة الحدود و منح الفرصة لتدفق الفوضى من الخارج إلى داخل ايران ..!!.. هنا لابد من ملاحظة عودة النشاط إلى منطقة بلوشستان في كلا طرفي الحدود بين ايران و باكستان حيث جرت عمليات عنف و هجمات و قتلى و جرحى و هكذا … هناك ايضا محاولات على ذات المسار و ان كانت قليلة في الحدود الشمالية بين ايران و أذربيجان.. و ربما نشهد تحركات مماثلة في مناطق التداخل الاجتماعي بين ايران و افغانستان ..

لكن البوابة الاهم بشكل مطلق هو العراق .. هنا نتحدث عن حالة نموذجية من التداخل الاجتماعي - بالثقافي و السياسي - الاقتصادي و الاهم العسكري ذو بعد تاريخي طويل قبل الإسلام و بعده و كذلك في عهد الدولة الحديثة رغم كل القوانين الاستقلالية و مبدأ السيادة ووو.. الخ..

و هنا ايضا تبرز الاسئلة المهمة حول طبيعة و سرعة إخلاء العراق بما فيه اقليم كوردستان من القوات الأمريكية و التركية .. كيف حصل ذلك خاصة في ظل الكلام الكثير عن احتمال دعم القوات الأمريكية لاي تحرك من جانب القوات الحكومية ضد الفصائل المسلحة التي ترفض تسليم سلاحها ..؟؟..

الفرضيات السابقة حول "تحرير" العراق من الهيمنة الإيرانية تم استبدالها بمشروع "دمج" الحالة العراقية مع فتح الآفاق لتوسيع الهيمنة الإيرانية و العمل على زيادة عوامل التناقض بين الخصوصية العراقية و طبيعة الهيمنة الإيرانية بهدف نقل هذه التناقضات إلى الداخل الإيراني و بالتالي خلق بؤر مجتمعية للتنافر و الصراع مما يقلص دور الدولة و هيمنة النظام السياسي ..

ماذا يمكن ان يحصل في العراق قد يتكون من مجموعة من الانهيارات المتوالية … تبدأ بطرح التساؤل حول قدرة الحكومة على حماية البلد و المواطنين حيث تطرح مختلف الاقتراحات او النماذج الدفاعية و لكن بطبيعة الحال فان هذه الطروحات ستختلف و قد تتعارض في طبيعتها و منهجيتها و نتائجها المرجوة … هذه الاختلافات قد تؤدي إلى صراعات بدائية او جنينية
Embryonic و لكن بسبب التقاطعات العميقة التي تنتجها اختلاف التوجهات و الأولويات فان العقلانية السياسية "تضطر" إلى اختيار الانسحاب من الفضاء العام للمجتمع و التقوقع اي انها تفتح الطريق إلى حالة ستعمد فيها المجموعات الاجتماعية … (الاثنيات و الطوائف و النخب الاقتصادية و العشائر .. ووو) إلى الحماية الذاتية مما يزيد من مساحة انحسار دور الدولة و تلاشي Fading Out دورها ..

هنا نصل إلى مفهوم "بلقنة العراق" الذي ذكره بعض المسؤولين الامريكيين مؤخراً… مصطلح البلقنة
Balkanization ليس مصطلحا جديدا و لا تعني التقسيم بل تعني التصدع الاجتماعي و بلورة حالة من الانقسام الذاتي بحيث ان المجتمع يتحول إلى كتل غير متجانسة يصعب معرفة الحدود بينهما بسبب التداخل المجتمعي التاريخي بين مكوناته و بالتالي التحول إلى صراعات دموية فوضوية بلا اهداف سياسية محددة ..

بالمناسبة لا ندري ان كانت خطوة توحيد الپيشمرگة على مستوى اقليم كوردستان و التي قد تتبعها خطوات اخرى تدخل في اطار قراءة سياسية و أمنية ذكية للتطورات القادمة في العراق خاصة ان انهيار مشروع (روژآڤا) في سوريا جاء بفعل تدخل أمريكي مباشر و هذا ما يثير الكثير من التخوف حول مستقبل الحفاظ على الإقليم ..

هناك ثلاثة عوامل ستلعب دورا خطيرا في هذا التطور و هي :

اولا… الدولة ما تزال هشة البنية و شرعيتها السياسية تواجه تحديات كثيرة .. ثم ان النخبة الحاكمة لا تستند إلى قوة عسكرية او خبرة سياسية كبيرة كما ان معالجاتها الاقتصادية تنتقل من فشل إلى آخر …

ثانيا… تهديد الولايات المتحدة بمنع تدفق السيولة الدولارية إلى العراق سيؤدي إلى تفكك المؤسسات بسبب عدم قدرتها في تأمين التكلفة الاقتصادي للإدارة .. رواتب العمال و الموظفين .. تأمين الخدمات الصحية و الغذائية .. ادارة المشاريع القائمة صناعيا و زراعيا و ادارة المدارس و الجامعات وووو.. الخ…

ثالثا… مؤشرات اولية عن خروج مجموعات داعش و اخواتها من جحورها هنا و هناك مما يشكل تهديدا وجوديا لحياة الكثير من العراقيين و كذلك لمؤسسات الدولة و قدرتها على حماية الامن الوطني .. و قد تتدخل قوى خارجية لتقدم الحماية لهذا الطرف او ذاك و هكذا سيتم توظيف ذلك في ترسيخ مشاريع التقوقع و الحماية الذاتية عند مختلف الاطرف ..

الان هل يمكن للدولة العراقية و القوى السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية ان تتخذ اجراءات تحد من تمدد هذه الفوضى …؟؟.. سؤال مهم سنناقشه في مقالة قادمة .. لكن من الضروري الانتباه إلى واقع ان مشروع خلق الفوضى قد بدأ منذ لحظة الإعلان عن الانسحاب الأمريكي و ربما يتم تفعيله بتسارع شديد في ايه لحظة و الانهيارات قد تتراكم بشكل تضمن للولايات المتحدة الفرصة لمواجهة الاستراتيجية الإيرانية الهادفة في خلق الفوضى الانتخابية في امريكا … و لان الانتخابات على الأبواب اي بعد شهر فقط فان عمليات خلق الفوضى في العراق و إيران قد تتم بسرعة كبيرة ..

كل هذا يستدعي قيام الحكومة و القوى العراقية السياسية و الاجتماعية بوضع خطط و آليات عمل قابلة للتطبيق بشكل فوري مع اخذ بنظر الاعتبار ان هناك مشاريع اقليمية متفاعلة بشكل او باخر مع الاستراتيجية الامريكية..(تدخلات و حروب صغيرة و استعدادات و حالات طواريء قد تعلن في اكثر من دولة في الشرق الاوسط و شمال أفريقيا و القرن الافريقي … سنتحدث عن هذه التطورات في مقالات لاحقة)

ختاما … التاريخ يعلمنا ان الاحلام وحدها لا تصنع المستقبل و ان رفع الأنخاب لا يصنع السعادة … كما ان الشعار القديم "الاستقلال التام او الموت الزؤام" لم يخلق الأرضية الواقعية للاستقلال …

في المقالة القادمة سنتحدث بتفاصيل اكثر عن الموضوع و نطرح بعض الافكار حول كيفية ادارة المرحلة الصعبة …

حبي للجميع

 

* اكاديمي عراقي - الدنمارك

 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter