|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الثلاثاء  17  / 3 / 2020                                 عادل حبة                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

الشيوعيون العراقيون في الإتحاد السوفييتي
فصل من كتاب "شيوعيو الشرق الأوسط في الاتحاد السوفييتي"

بقلم الباحث الروسي :  د. جريجوري كوساتش
ترجمة : عادل حبه
مراجعة : عبد الله حبه
(موقع الناس)

غلاف الكتاب باللغة الروسية

مقدمة المترجم
"الشيوعيون العراقيون في موسكو"، هو فصل من كتاب باللغة الروسية تحت عنوان "شيوعيو الشرق الأوسط في اتحاد الجمهوريات الااشتراكية السوفييتية" من تأليف الباحث الروسي د. جريجوري كوساتش، ونشرته "الجامعة الإنسانية التابعة للدولة الروسية" في عام 2009. ويضم الكتاب معلومات ووثائق قيمة تنشر لأول مرة حول الأحزاب الشيوعية في فلسطين ومصر وسوريا ولبنان والعراق في عقد العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، وهما عقدي تأسيس هذه الأحزاب العربية. وقد آثرت ترجمة القسم الخاص بالعراق لأن المكتبة العراقية الشيوعية تفتقر إلى المعلومات الموثقة حول فترة تأسيس الحركة الشيوعية في العراق، وهذا ما دفعني إلى ترجمة هذا القسم من الكتاب الغني بالمعلومات الوثائقية المحفوظة بأرشيفات الدولة الروسية حالياً، والتي كشف عنها الستار بعد زوال عهد الدولة السوفييتية.

ولد الكاتب الروسي الدكتور البروفسور جريجوري كوساج في عام 1944 ، وهو مؤرخ سوفييتي وروسي في الشؤون العربية ومختص في الشؤون السياسية العربية المعاصرة، ويتقن اللغة العربية.


جريجوري كوساج

ويشغل منصب بروفسور قسم التاريخ العربي المعاصر، وحصل على شهادة الدكتوراه في عام 1990، وأخصائي في معهد الشرق الأوسط ونائب رئيس تحرير مجلة "أوراسيا"، وهو مؤلف أكثر من 163 من الكتب والمقالات في غالبيتها حول الشؤون السياسية في البلدان العربية. لقد قام شقيقي العزيز عبد الله حبه مشكوراً بمراجعة النص.
 

الشيوعيون العراقيون في موسكو، هل وجد حزب أصلا؟


مقر الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق – موسكو، ميدان ستراستنايا

في نهاية العشرينيات وبداية الثلاثينيات ظهر لأول مرة في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق طلبة من العراق. وكان عددهم قليلا ولم يتجاوز أربعة طلاب. ولم يصل هؤلاء الطلاب إلى العاصمة السوفييتية في وقت واحد، بل بطرق مختلفة وبمبادرة من المجاميع الشيوعية الفاعلة في الشرقين الأدنى والأوسط، والحديث يدور هنا بالدرجة الرئيسية عن ايران. إن مثل هذه المبادرات لم تأت نتيجة لنشاط هذه المجاميع بقدر ما تعكس اهتمام الكومنترن بالعراق الذي يستند على قدر من الأسس، رغم أن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال تجاهل مبادرات هذه المجاميع. فالعراق كان يعاني من عدم الاستقرار الداخلي أولاً، وثانياً أن حصول العراق على الصفة القانونية كدولة مستقلة سياسياً عام 1932، لم يُغيّر من الواقع الحقيقي، وهو الدور المهيمن لانتداب بريطانيا العظمى على البلاد. إن معارضة شعب البلاد للدولة المنتدِبة قد طرح في البداية على سكرتارية الأممية الشيوعية تحت اسم "ميسوپوتيميا".

كان أول طالب عراقي في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق هو عبدالحميد الخطيب
(1) (بالإسم المستعار خالد) (2) الذي وصل إلى موسكو في آب عام 1929.


لفيف من طلبة الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق من مختلف الجنسيات في نهاية العشرينيات

أما الطالب الثاني فهو عاصم فليح الذي ورد اسمه في وثائق الجامعة. وصل عاصم فليح (3)،(بالإسم المستعار صائموف) إلى عاصمة الاتحاد السوفييتي في عام 1931 واستقر فيها، ودرس في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق في الفترة بين عامي 1934 – 1935. وقد اعتبر عاصم فليح ممثل الشيوعيين العراقيين في المؤتمر السابع للأممية الشيوعية مع قاسم حسن أحمد الشيخ (4) (تحت اسماء مستعارة هي مريد، ناظم تمين، زقور نعيم) (5)، بالإضافة إلى يوسف سلمان (6) (الإسم المستعار هو فردريك، برنارد فريدريك). لقد مكث قاسم حسن أحمد الشيخ في موسكو لمدة سنة واحدة، وغادرها في عام 1936 بعد أن انهى الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق وعاد إلى الوطن. ومكث يوسف سلمان في موسكو حتى عام 1937، و أصبح لا حقاً قائداً للحزب الشيوعي العراقي.

           
1901-1949                                                  1910-1970
يوسف سلمان يوسف (فهد)                                 قاسم حسن أحمد الشيخ

ومن اللافت للنظر هو قلة عدد العراقيين في موسكو، أخذا بنظر الاعتبار اهتمام الكومنترن بتشكيل منظمة شيوعية في العراق قادرة على قيادة النشاط في البلاد. وهنا يطرح السؤال التالي. هل أن تاريخ تأسيس الحزب الشيوعي بدأ بالفعل في عام 1934؟؟ فإذا كان هذا التاريخ صحيحاً، فبأية صفة كان عبد الحميد الخطيب وعاصم فليح يتلقيان الدراسة قبلئذ في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق؟ هل بصفتهم كشيوعيين أم كمرشحين لتبني العقيدة البلشفية؟ (7)، ولماذا وجد بعد عام 1934 طالبان عراقيان فقط في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق في الوقت الذي كانت المنظمة الشيوعية العراقية بحاجة الى أن يتلقى الدراسة فيها عدد اكثر من الحزبيين العراقيين؟

4
الشيوعيون العراقيون: محاولات تأسيس الحزب
في آذار عام 1935 أكد أعضاء المنظمة العراقية الموحدة للشيوعيين في منشور حمل عنوان "ماذا نريد" موجهة إلى الانتفاضة الفلاحية في سوق الشيوخ في الفرات الأوسط على ما يلي:"إن ثورتكم هي ثورة حقيقية، تغلي لسنوات طوال في قلوبكم. إنها إندلعت ليست استجابة لجشع الهاشمي والمدفعي والأيوبي والعسكري. أنهم لم يستلموا السلطة من أجل إحداث تغيير في حياة الملايين من الكادحين، بل بالعكس، فإن كل واحد منهم قد أدلى بدلوه في تكبيلنا بقيود العبودية، باتفاقيات وملحقات لهذه الاتفاقيات على شاكلة اتفاقيات النفط (57). إن الأسماء المشار إليها لم تبق على أي شك، والحديث يدور حول أناس شرعوا منذ 16 سنة ولحد الآن بالإلتفاف حول الأمير فيصل ورفعوا شعار "الثورة العربية الكبرى".

لم يرغب الشيوعيون العراقيون بشكل قاطع الاعتراف بالسيادة لوطنهم. ففي خطاب لقاسم حسن أحمد الشيخ في جلسة المؤتمر السابع للكمونترن أكد:"إن الامبريالية البريطانية انتقلت من إدارة الانتداب المباشر في إتفاقية عام 1930. ولكن هذه الاتفاقية... كرست وأضفت طابع خلود للإدارة الانجليزية على العراق كمستعمرة لبريطانيا العظمى"(58). وطرح بلغة أشد حدة مسألة استمرار الاحتلال الاستعماري للعراق خلال النقاش حول تقريره.:"ليس من الصحيح القول أن الجماهير الشعبية في العراق تقع تحت طائل إدارة الحكومة الوطنية، إنها تعاني من النير المباشر للأمبريالية البريطانية.... إن العراق مستعمرة للأمبريالية البريطانية، والجماهير الشعبية تئن تحت أفواه السلاح الانجليزي.... وفيصل يمثل تحالف الإقطاعيين والكومبرادور... وتوجد في العراق حركة تحررية وطنية جبارة، ويعتبر الحزب الشيوعي العراقي أن من واجبه تنظيم هذا الحزب تحت قيادة الكومنترن على أساس الدور الطليعي للطبقة العاملة (59).

إن أي حديث (ولا يستثنى الحزب الشيوعي عن ذلك) يحتاج إلى تحليل محتواه، الذي يتستر بالكلام الخاص المستخدم. والمهم ليس ظاهره الخداع (مثل، العناصر الايقونية لهذا الحديث كـ"هيمنة الطبقة العاملة" و "النير الأمبريالي" وما شابه ذلك). ما هو جوهري شيء آخر: تطور العملية السياسية، وممثليها وتقييمها والمشاركين فيها بهذا الشكل أو ذاك. ويستحق إلقاء نظرة على فقرات من الوثيقة المنشورة أعلاه لتبيان وجهة النظر هذه.

إن من كان يعتبر نفسه شيوعياً في العراق في عقد الثلاثينيات، كان من المشاركين في العملية السياسية المحلية، التي تتحدد مهمتها الأساسية في تعبئة الجهود لإضفاء طابع وطني على الدولة التي أنشأت من قبل قوة خارجية. فهذه القوة الخارجية هي التي كرست كل نواقص وعيوب وأمراض هذه العملية - كالمناطقية المعبر عنها أيضاً في نزعة صريحة معادية للشيعة (60)، (إذا كان الأمر يتناول المجموعة الشيوعية البغدادية) أو المفردات المعادية للسامية (61)، و التقليل من أهمية احراز استقلال الدولة أو الميل للحصول على وصاية القوى الخارجية (حتى "الأخوية" منها حتى ولو كان الحزب الشيوعي السوري "الشقيق") (62). وفي الوقت الذي يجري التمسك بالبطولة ظاهرياً بشعار تحقيق المبادئ البلشفية (بإعتبارها الأداة لمواجهة بريطانيا العظمى)، ولكن كان عليهم تعبئة كل جهودهم لتحقيق "المصالح العليا" للحركة "من أجل التحرر الوطني"، وليس دعم تلك القوى السياسية في البلاد التي تحصل على تمويل لها من قبل ألمانيا النازية أو ايطاليا الفاشية (بدعوى التحرر من نير الأمبريالية البريطانية). ولعل أبرز مثال على ذلك مواقف الشيوعيين تجاه الانقلاب العسكري لرشيد عالي الكيلاني في نيسان عام 1941، وهو ما أكده قاسم حسن أحمد الشيخ في موسكو في سيرة حياته حيث قال:"لقد شاركت في الحركة الفدائية وأضطررت للهرب إلى إيران كلاجئ سياسي" (63). القضية تتحدد في الدور الذي لعبه الشيوعيون في العملية، وماهية علاقتهم باللاعبين الآخرين، وفي نهاية المطاف، ماهي الأطراف التي إعتبروها حلفاء أو خصوم لهم؟

إن الجواب على الجزء الثاني من هذا السؤال يخلو من التعقيد. فإذا ما كان خصوم الشيوعيين هم بالدرجة الأولى المنفيون العراقيون المناصرون "للفكرة القومية العربية"، فهل كانوا من أنصار جعفر أبو التمن وحزبه الوطني، ولاحقاً "الشعبيين" من "ممثلي جمعية الإصلاح الشعبي"؟ لا يوجد في وثائق الحزب في عقد الثلاثينيات على الإطلاق أي انتقاد للأمير فيصل (الذي تولى العرش لاحقاً) ولا لعائلته، ولا أزاء مجموعة العمل القومي. وهذا الوضع بالضبط يمكننا من اعتبار الشيوعيين العراقيين قوة هامشية.

ويبدو أن هامشيته تكمن في مجال آخر، وتحددت في حالة أخرى، على سبيل المثال العدد القليل من أنصار الفكرة الشيوعية. فحسب رواية قاسم حسن أحمد الشيخ، عندما عاد إلى العراق من موسكو عام 1936، "كان عدد نشطاء الحزب بضعة رفاق.... ولكن هؤلاء الرفاق ذوي ميول يسارية، إثنان منهم أعضاء في اللجنة المركزية.... وبعد تنحي صائيموف (عاصم فليح بعد اعتقاله وتعرضه للتعذيب الشديد –ج. س.)، بقينا أربعة رفاق، إضافة إلى آخر ميكانيكي، إلاّ أنه أمي"(64).

ولكن بعد مضي بعض الوقت، أعلن قاسم حسن أحمد الشيخ في موسكو بأن الحزب قوي، وإنه يستمد قوته من "فعالية أعضائه". ولكن كل ذلك مجرد كلمات، جرى تلفظها من أجل الحصول على الدعم المادي من قبل الكومنترن قبل كل شيء. وأورد كاتب التقرير معطيات أخرى ومن ضمنها "انبثاق عدد من لجان المناطق للحزب ، منها لجنة الفرات الأوسط يتولى رفيقان في كل منهما الشؤون التنظيمية بين الوطنيين الثوريين، ولكن يضيف قاسم حسن أحمد الشيخ،"إننا لا نستطيع متابعتهم لأن أحدهم قابع في السجن، والآخر لم يقدم التقارير الضرورية". "ولجنة البصرة مكونة من ثلاثة رفاق، ولديها عدد من الخلايا. ولا يعرف بدقة عدد أعضاء الخلية، وقد جرى حل بعضها، أما البقية فتستمر بنشاطها التنظيمي". وتتالف "لجنة الناصرية من ثلاثة رفاق، يقبع سكرتيرها في السجن. ولديها خلية من التلاميذ - ثلاثة رفاق -، وخلية أخرى من ثلاثة خلايا لصباغي الأقمشة والأخرى لباعة الصحف والثالثة لصغار الموظفين". "وتضم لجنة الديوانية ثلاثة رفاق، وثلاثتهم في المعتقل الآن". وهناك "لجنة عمال السكك الحديدية على خط بغداد - كركوك تحت قيادة مهندس الخط. وأخيراً "لجنة بغداد" التي تتولى مهمة اللجنة المركزية ، وتقود عدد من خلايا العاصمة، ولدينا في الجيش أ- في القوة الجوية وقد قتل إثنان منهم ، وب- خلية في صنف المشاة وتضم ضابط وخليته وفي المدفعية رفيقين"، "وفي مدرسة الصناعة في بغداد،هناك ثلاث خلايا يعمل في كل منها ثلاثة رفاق"، و"أ- ثلاث خلايا في شغيلة السكك الحديدية وينتظم في كل خلية ثلاث رفاق، ب- ثلاث خلايا في المهن الحرة ، الأولى بين الحمالين والثانية خاصة بالرفاق اليهود والثالثة بين عمال الجص"، و "خلية للحلاقين تضم رفيقين" و "خلية للمستخدمين في وزارة الخارجية تضم رفيقين"، و "خلية في دوائر بلدية بغداد - رفيقين"، و "خلية في دوائر الأوقاف تضم أربعة رفاق"، و"خلية في صناعة الثلج" لا يعرف عددهم. وبالمناسبة تعمل في بغداد، المدينة العراقية المتعددة القوميات، "ثلاث لجان مستقلة ذاتياً للأكراد. الأولى تضم ثلاثة رفاق أكراد، والثانية رفيقان" و"خلية مستقلة للرفاق الآشوريين صلتها بالحزب عبر سكرتيرها وتضم ثلاثة رفاق"(65).

إن الحديث لا يدور حول منظمة للشيوعيين العراقيين قليلة العدد. إنهم كانوا قوة هامشية من وجهة نظر علاقاتهم بموسكو. "لقد توجه الحزب الشيوعي العراقي، كما جاء في الوثيقة التي قدمها سكرتيره قاسم حسن أحمد الشيخ، بطلب إلى الكومنترن ليكون فرعاً للأممية الثالثة كي يتلقى بشكل دائم توجيهاته ونصائحه"(66). هذه الوثيقة تعود إلى عام 1937.

ولكن المهم هو شأن آخر: هو هامشية الشيوعيين العراقيين بقدر ما يتعلق بالسياسة الداخلية، وعلاقاته الوثيقة المديدة مع العملية العرضية المؤذية مع الوطنيين الجناح "اليساري" للوطنيين - جعفر أبو التمن و"الشعبيين" بقيادة كامل الجادرجي وعبد القادر اسماعيل؟

إن تطور الوضع الداخلي بعد فرض نظام الانتداب الانجليزي قد تحدد ببروز مجموعة نشطة من الوطنيين المحليين في البلاد. وتجاوزت الوطنية العراقية هذه المجموعة التي عملت داخل البلاد، فشملت حاشية الأمير فيصل. وكان يمثلهم الأعضاء السابقون في جمعية "العهد"، التي ضمت الضباط السابقون في الجيش العثماني. والحديث يدور حول مجموعة متراصة (سبق أن أشير إليهم في نشرات الشيوعيين) والذين وصفته الأبحاث العراقية في عداد "فئة إجتماعية خاصة". هذه الفئة في الإطار الوطني والديني، هي مجموعة عربية دينية تبلورت اجتماعياً من "المنحدرين من رحم المجتمع من الفئات ذات الدخول المحدودة، وإختاروا الخدمة في الجيش بإعتبارها ميداناً لنشاطهم المهني". إن أعضاء هذه الفئة ليس لديها أي ملكية، ولا أية مصادر ولم يكن لديهم ممتلكات، ويعتمدون على رواتبهم، ووحدة الثقافة والتقاليد التي تتصف بها البيئة العسكرية"(67). وأخيراً، إلتحقوا بالمسيرة المجيدة "الثورة العربية الكبرى"، وشاركوا في المحاولات لتوسيع نفوذ سيدهم "فيصل"، الذي سبق وأن تم تتويجه على العرش في دمشق، ولو على جزء من الأراضي العراقية التي إحتلها الانجليز، وتحقيق هدف القوميين قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى.

لقد أصبحت القضية المتعلقة بأساليب إدارة العراق مهمة ملقاة على السلطات البريطانية يجب تحقيقها بعد إندلاع ثورة العشرين الوطنية في داخل البلاد (68). وتضمن هذا الأمر (الذي نفذته مجموعة من ممثلي الإدارة الانجليزية والمؤسسة السياسية) في نقل السلطة إلى العرش الهاشمي والمحيطين به، والجناح "الخارجي" من القوميين العراقيين. ورافق عودتهم الاحتفالية إلى الوطن تأسيس "طبقة حاكمة" متراصة نسبياً، مستثنين منهم ممثلي الوطنيين في "الداخل".

ولم تكن هي المرة الوحيدة في تاريخ العراق بين الحربين العالميتين أن جرت محاولات التغيير بعد حدوث إنقلاب عسكري في تشرين الأول عام 1936 الذي قاده بكر صدقي، وتشكلت حكومة برئاسة حكمت سليمان، شارك فيها ممثلو جمعية الإصلاح الشعبي ممثلاً في شخص قيادتها جعفر أبو التمن. وإلى جانب ذلك، فإن التحالف بين الطبقة التقليدية الحاكمة وبين الجناح الداخلي للوطنيين بدا مؤقتاً، نظراً لأن التناقضات بين نخب هاتين المجموعتين أضحت عميقة. ففي صيف عام 1937، أزيح وزراء "الشعبيين" من تركيبة الوزارة، وبدأت في العراق الموجة الدورية لهستيريا معادة الشيوعية، التي لم تكن موجهة ضد الشيوعيين فحسب، بل ضد جمعية الإصلاح الشعبي.


بكر صدقي                                         حكمت سليمان
1890-1937                                          1889-1964

لم يكن الفارق عميقاً في تقييم الشيوعيين لامكانيات انقلاب بكر صدقي وحكومة حكمت سليمان في بداية تشرين الأول عام 1936، وبين تقييمهم لهذا الإنقلاب في صيف عام 1937؟ إن المنشورات التي وزعها الشيوعيون عقب الإنقلاب مباشرة أثارت نشوة عارمة، فقد جاء في أحد هذه المنشورات:"إن الشعب الذي عانى من استبداد الطغاة البرابرة، رفع السلاح وأطاح بسلطة أولئك الذين مثلوا النظام السابق. وقد تم إحراز النصر لأن الشعب دعم الحكومة الجديدة وإعتبرها شرعية. إن الشعب يطالب بإطلاق الحريات الديمقراطية ويحيي بالأجماع الحكومة الجديدة ويدعمها...على طريق الثورة التحررية الاجتماعية"(69). ولكن كان تعليق الحزب في صيف عام 1937 مختصراً:"لقد قُتل بكر صدقي على يد أحد الجنود في الثاني عشر من آب ...وهكذا طويت صفحة على الفاشية العلنية"(70).

نشأت الشيوعية العراقية في بيئة الوطنيين "المحليين" كرد فعل على التهميش الطويل الأمد للعراق عن محيطه. إن ضيق صدر وعدم التحمل الثوري للوطنيين الشباب دفعهم إلى التوجه صوب الأفكار الشيوعية، وأجبرهم على البحث عن المساعدة من قبل القوة الخارجية الوحيدة الاتحاد السوفييتي، القادرة، كما بدا على إنقاذ الوطنيين "المحليين" من الدوامة. ولكن هذه القوة الخارجية كانت أقل استعداداً لحل هذه المشكلة. فقد كانت لها مصالحها الذاتية، وإن فعلها كان محدوداً بسبب التزاماتها، فقد كانت هي الأخرى تسعى إلى الخروج من العزلة الدولية. وكان الشيوعيين العراقيين قليلو العدد ومحرومون من الصفة الضرورية كأعضاء في الكومنترن، واحتلوا المكانة الثانية في العملية السياسية المحلية. ولكن هل كان بإمكانهم تغيير هذا الوضع؟

إن العقيدة الشيوعية ما هي إلاّ أداة عمل، وإن القاعدة التي يستندون إليها ("الطبقة العاملة" ، "حزب البروليتاريا" و "الشيوعية") ما هي إلاّ أدوات ليس لها سوى علاقة محدودة بالواقع. وفي هذا المعنى، فإنها تشبه العقائد الأخرى التي تحددها التطبيقات السياسية (الوطنية أو العقائد الدينية المتحضرة). وبإعتبارها قاعدة لكل الهياكل النظرية، فإن الخطاب الشيوعي هو مؤشر يسمح بالتمييز بين الهياكل التنظيمية الموجودة في المجتمعات الضعيفة في اصطفافها الطبقي. ومع ذلك، فإن الاستناد إلى الخطاب المناسب، المقترن بموجه (على دعم محدود من الخارج) لا تساعد من حيث المبدأ فقط على وضع حدود بين المشاركين الجدد في العملية السياسية وبين من سبقوهم جينياً، بل ويسمح للمشارك الجديد بكسب الإنصار. ولا يمكن النظر إلى التنظيم الشيوعي كإستثناء. فهل كان لدى الشيوعيين العراقيين القدرة على اختيار هذا التكتيك الموجه (الذي رعاه الاتحاد السوفييتي والكومنترن)؟.
إن الجواب على هذا السؤال سلبي وعلى الفور.

لقد ظهرت منظمة الشيوعيين العراقيين على السطح في تلك الفترة من نشاط الكومنترن، التي يمكن اعتبارها مرحلة انتقالية للإعلان رسمياً عن رفض تكتيك "طبقة ضد طبقة"، والإعلان عن فكرة تشكيل إئتلاف سياسي واسع يطال أيضاً (بلدان الشرق) إلى جانب الشيوعيين والمجاميع والتنظيمات والحركات الوطنية اليسارية. إن إمكانية تشكيل مثل هذه "الائتلافات - الجبهات" تعود إلى أن بلدان الشرق قد حلت موضوعياً مهمات الثورة الديمقراطية البرجوازية كمرحلة تسبق الثورات ذات الطابع الاشتراكي (في المنظور البعيد).

لقد شخصت سكرتارية القسم الشرقي في اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية تأسيس الجبهة المعادية للأمبريالية في ظروف العراق كمهمة ملحة من الدرجة الأولى لرفاق الدرب. ففي كانون الأول عام 1936 توجهت السكرتارية الشرقية للكومنترن لأول مرة بتوصيات تتعلق بنشاط رفاقها في العراق. وقد كتب مسودة هذه التوصيات م.م. الجزائري. وجاء في التوصيات "تحركوا (صوب جمعية الإصلاح الشعبي) وإعملوا هناك من أجل تحقيق برنامجه، وبينوا أنكم أفضل المناضلين من أجل مصالح الشعب. إن إنخراط الشيوعيين في هذه المنظمة من شأنه ، أولاً العمل في وسط الجماهير، وثانياً، عدم الشعور بالرعب من القمع الذي تسلطه الأمبريالية ضد الشيوعيين... ويرتكب الشيوعيون خطأً كبيراً في حالة استمرارهم في رفع شعار (التحرر الاجتماعي الثوري) الذي تم رفعه كشرط لدعم حكومة حكمت سليمان". ويستطر الكاتب في المسودة:"يجب على الشيوعيين أن يبادروا ويتصدروا العمل من أجل تأسيس الجبهة الموحدة لجميع التنظيمات الديمقراطية ("جبهة الاصلاح الشعبي"و"الحزب الوطني") من أجل دعم الحكومة الديمقراطية الحالية... وأن يشارك الشيوعيون في طليعة المناضلين من أجل الوحدة، وتقديم العون للشعبيين الثوريين من البرجوازيين الصغار والتحرر من الأوهام اليسارية المتطرفة. وللأسف في الماضي، فإن الشيوعيون العراقيون أنفسهم حاججوا الشعبيين من منطلق يساري"(71).

وفي النص لاحقاً، أجرى م.م. الجزائري تعديلات (دون المساس بالمعنى كلياً) وترجم إلى اللغة العربية. وأشير في الوثيقة الجديدة:"أنه بات من الضروري بالنسبة لكم القطيعة مع كل الشعارات والمطاليب ذات الميول المتطرفة والانعزالية، والتي يدعمها بعض الوطنيين المتطرفين، الذين يسعون إلى عرقلة عمل الحكومة الوطنية وفضحها بذريعة تغيير الاتفاقية العراقية- البريطانية أو قضية توزيع كل الأراضي على الفلاحين .... فكل هذه المطاليب إنعزالية لكونها غير قابلة للتحقيق في الأمد القريب. وعلى العكس من ذلك، فإن تكتيكاتكم يجب أن توجه صوب عزل الرجعية، والتخلي عن شعارات الحد الأقصى، التي يمكن أن تساعد على انتقال العناصر التقدمية إلى معسكرها".

وتستطرد الوثيقة:"وإنطلاقاً من ذلك، فينبغي عليكم العمل في جمعية الإصلاح الشعبي كحزب وطني جماهيري وعلني (كما جاء في الوثيقة-ج.ك.) والدعوة لكل المجاميع والعناصر ذات المسحة الوطنية إلى الانخراط في هذا الحزب. وعبر هذا التكتيك فقط يمكن تعبئة أوسع الجماهير حول تحقيق مطاليبكم اليومية ، وتعزيز مواقعكم بينهم بإعتباركم أكثر المناضلين ثباتاً من أجل مصالحهم. وعبر هذا الطريق فقط، بإمكانكم تعزيز مكانة الحكومة الوطنية كحكومة ديمقراطية بحق، ودفعها إلى تحقيق الحريات للشعب وعزل العناصر الرجعية عن الحركة الوطنية، وتطهيرها من جهاز الدولة. وعلى هذا الطريق فقط يمكنكم دعم مطاليب كل المجاميع الوطنية والأثنية، والذي يؤدي إلى تعزيز تضامنهم الأخوي، وسيساعد على تعزيز الوحدة العراقية وتأسيس جبهة وطنية"(72).

كلمات سليمة ومنمقة! ولكنها حرمت الشيوعيين من إمكانية التوجه صوب المفاهيم الأساسية لخطابهم، إلى تلك المؤشرات التي قادتهم إلى حافة الهاوية بينهم وبين المقربين منهم عضوياً من المجاميع السياسية الفاعلة. فكلمة "الشيوعية" لم تصدح حتى في نشراتهم. وإذا ما صوروا أنفسهم "جبهة معادية للأمبريالية" خلال الثورة التي إندلعت في الفرات الأوسط (جبهة ضد الاستعمار) (73)، ولكنهم بعد انقلاب بكر صدقي - أصبحوا "مجموعة التحرر الوطني والاجتماعي" (جماعة التحرير الوطني والاجتماعي) (74).

إن أنصار الكومنترن تعرضوا للركود في صفوف الوطنيين (75). فهل سعوا إلى مواجهة هذا الوضع المتراكم؟ بالطبع نعم.

فالتقارير المرسلة إلى موسكو من قبل كل من وصل إلى العراق من الخريجين تشير إلى اختيار سكرتير جديد لمنظمة الشيوعيين العراقيين (علماً أنه قد تدرج في تولي هذا المنصب كل من عبدالحميد الخطيب وعاصم فليح وقاسم حسن أحمد الشيخ، وأخيراً يوسف سلمان)، وأشارت المعلومات إلى طرد "التروتسكيين" و"المتطرفين اليساريين" من الحزب، والذين أطلق عليهم صفة "العناصر المعادية للحزب". وفي واقع الأمر، فليس في تحديد السمات، فقد وضعوا هؤلاء بدون معنى في صف أؤلئك الذين تعرضوا للعقوبات بتهمة معارضتهم لنهج الحزب الشيوعي السوفييتي (البلشفي) في الاتحاد السوفييتي. فماذا كان الاتهام الذي وجّه إلى عاصم فليح لطرده من الحزب عام 1938: لقد جرى التأكيد على أنه "على علاقة مع المنظمات الصهيونية ومع أشخاص لهم علاقة غير مباشرة مع أقطاب الطائفة الشيعية في مدينة النجف"(76). وبالمناسبة، فإن هذا الوضع قد جرى تقييمه من قبل السكرتارية الشرقية للجنة التنفيذية للكومنترن وإعتبر أنه إمتداداً للصراع حول المناصب في الحزب (77)، وأتخذ ذلك من قبل اللجنة التنفيذية للكومنترن كذريعة إضافية لرفض الاعتراف بالشيوعيين العراقيين كعضو في الكومنترن.

ولكن الحجج كانت أكثر مبدأية عند توجيه الاتهامات ضد العناصر المعادية للحزب. فقد اتهموا بممارستهم "تصرفات استفزازية متطرفة"، ذات "ميول يسارية"، أدت بهم إلى التخطيط لـ"إصدار جريدة وتوزيع منشورات والإعلان عن نشاطهم الحزبي"(78). إنهم ، كما أعلن في السكرتارية الشرقية للكومنترن، قد شرعوا مبكراً بالدعوة "ضد المشاركة والعمل في الحركة الوطنية"، وقاوموا "الاتحاد مع بعض المجاميع والأحزاب الوطنية على أساس النضال الوطني التحرري"بذريعة" أن الحركة الوطنية - هي حركة برجوازية، وإن هؤلاء الوطنيين هم مجموعة من الخونة"(79). إن كل هذه "الممارسات" ما هي إلاّ إنعكاس لإنعدام الصبر الثوري، والطموح صوب الخروج من ظل القادة "المحليين" الهامشيين، وإتباع نهج في العمل بعيداً عن الإصلاحية، وكسب النفوذ في المجتمع والتحرر من الحالة الهامشية.

5
حل الكومنترن كشرط لتأسيس الجزب الشيوعي العراقي
كيف كان مصير بطل الشيوعيين العراقيين يوسف سلمان؟ وصل يوسف سلمان إلى الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق من باريس بحماية الشيوعي العربي الفلسطيني محمود الأطرش، في ظل رفض قاطع من قبل قائد الحزب الشيوعي السوري خالد بكداش (80)وبالإستناد إلى تصريحات للسكرتير العام للحزب الشيوعي السوري، وقام م.م. الجزائري بنقلها إلى السكرتارية الشرقية أن "يوسف لا يتمتع بثقة حزبنا"، ويستطرد قائلاً أن "رمزي"(الاسم المستعار لخالد بكداش-ع.ح.) طلب إلى جانب ذلك فصله من الحزب ، لأنه سيء "ومن جانبه أكد م.م. الجزائري(محمود الأطرش –ع.ح.) نفسه:"إنني لا أثق بيوسف... ولم اقدم له المساعدة". إن هذا ضرب من شطط بعض الشيوعيين للتعبير عن فهمهم لـ" الأممية البروليتارية"!


خالد بكداش
1912-1995

لقد إقترنت عودة يوسف سلمان قادماً من موسكو بجملة من المصاعب (81). ورجع يوسف سلمان إلى الوطن في بداية عام 1938، (82)، مركزاً نشاطه على مدينة البصرة، وانتقل لاحقاً إلى بغداد في عام 1940.


زكي خيري                                         نوري روفائيل
1911- 1995                                        1905 -1985

لقد وصف الوضع داخل صفوف الشيوعيين العراقيين على أنه مخيب للآمال، ولم يكن ذلك المرة الأولى التي استلم الكومنترن بشكل مباشر مثل هذه التقارير في البلاد. فقد كتب يوسف سلمان وقتها، إن القادة الحزبيين "منهمكين في النقاش بينهم حول قضية القيادة، وبالطبع، حول المالية". وأعلن عن عدم وجود مجموعة شيوعية منظمة وموحدة في العراق، وقدم إلى السكرتارية الشرقية معلومات عن قادة الأجنحة:"مجموعة عبد الله مسعود - وهم من الرفاق ذوي الميول الثورية"، "التروتسكيون، وزعيمهم نوري روفائيل وكان في اسبانيا"، ومجموعة قاسم حسن ويوسف متي وزكي خيري التي لا تعتبر مجموعة حزبية "حيث" أن مواقعهم اللاماركسية وأفعالهم الخيانية أدت إلى تحطيم الحزب". وإلى جانب ذلك، هناك "مجموعة معارضة يتزعمها يعقوب كوهين (فاضل)"، "التي جمعت الرفاق اليهود في مجموعة خاصة بهم، مما يذكرنا بتنظيم "البوند"(مجموعة من الماركسيين اليهود في روسيا قبل الثورة - ع.ح.)، والتي أعلنت أنها تمثل اليهود في الحزب، التي تؤكد أن المنظمة الشيوعية العراقية "لا تعتبر حزباً عمالياً، وكذا الحال بالنسبة للطبقة العاملة فلا وجود لها في العراق حتى الآن، ولا يدور الحديث الآن عن الثورة الاشتراكية (التي يحققها المثقفين)". وقد أعلنت كل هذه المجموعات أن يوسف سلمان "غير مناسب للعمل الحزبي".

لقد مارس يوسف سلمان نفس الأدوار التي إتبعها أسلافه الذين تولوا سكرتارية منظمة الشيوعيين العراقيين. (وحسب أقوال قاسم حسن أحمد الشيخ في عام 1940 أن "يوسف سلمان أصبح على رأس الحزب")(83). وبالمناسبة فإن المنظمة لم تتعرض إلى نزعة راديكالية في بواكير نشاطها. وتمكننا الوثائق المحفوطة في أرشيف الدولة الروسية للتاريخ السياسي والاجتماعي، من الإطلاع على أن يوسف سلمان لم يكن إصلاحياً بقدر ما كان يسعى إلى هيكل شيوعي جديد، كما أعلن في تقرير قدمه إلى جيورجي ديمتروف "القائد الشيوعي البلغاري وسكرتير الكومنترن –ع.ح.) ، والذي جاء فيه "إن عدد أعضاء منظمتنا، التي ما هي إلاَ مجموعة لا تتعدى العشرة أعضاء"(84). وتميز نشاطها بالخصوصية وفي الوقت نفسه عملت بشكل جدي وهادف. (يبدو أنه قد تعلم الكثير في موسكو في عقد الثلاثينيات).

أعلن يوسف سلمان في موسكو عن نشاطاته وكتب يقول:"حتى عام 1937، كانت الناصرية نقطة الإرتكاز وأقوى مركز لنشاط الشيوعيين. فهي زودت الحزب بأعداد كبيرة من الكوادر (ومن ضمنهم أنا، السكرتير الحالي للحزب الشيوعي) وأعضاء الجهاز السري ونشطاء حزبيين فعالين للغاية. إلاّ أن الملاحقات المستمرة لأعضاء الحزب، والمواقف الخيانية لبعض القادة في عام 1937، والمستوى الواطئ للتعليم في السابق، إضافة إلى الوضع الإقتصادي للرفاق في الناصرية أدى إلى أن تتخلف الناصرية"(85). والمدينة التي أشار إليها القائد الشيوعي الجديد، هي نفس المدينة التي أسس فيها فرعاً للحزب الوطني، وشرع بنشاطه السياسي وحيث بقي أصدقائه الذين يعرفوه ويتذكروه.

إن المعلومات التي توفرت لدى اللجنة التنفيذية للكومنترن حول التركيبة الكمية للحزب كما يؤكدها يوسف سلمان على الوجه التالي:"بلغ عدد أعضاء الحزب الشيوعي العراقي 420 عضواً في عام 1942". بالطبع إن أكثر الأعضاء هم في منظمة بغداد" 300 عضو، منهم 100 عامل ، و100 معلم وطالب، و80 من شغيلة الفكر والمحامين والموظفين الصغار والتجار الصغار، و10 عسكريين و 10 نساء. فضلاً عن ذلك فقد تمركزت الخلايا الحزبية في جنوب البلاد:"البصرة 30 عضواً"، "العمارة 20 عضواً"، وغالبيتهم من المثقفين وتحديداً من المعلمين الذين تم انخراطهم في الحزب حديثاً". وضمن منظمة "النجف 15 عضواً ضمن تنظيم ضعيف"، "والديوانية والسماوة 15 عضواً"، و"لناصرية 10"، و"الكوت 3". وأصبح الإتجاه العام ليوسف سلمان هو تأسيس خلايا حزبية في جنوب العراق، وقال :"نحن نعمل في اتجاه تعزيز العلاقة مع الديوانية والبصرة والناصرية والعمارة والنجف". وفي هذه المناطق برز أبرز أنصاره، (ومنهم حسين محمد الشبيبي في النجف).


حسين محمد الشبيبي
1917-1949

ويشير فهد في التقرير الذي قدمه إلى أن اللجنة المركزية الجديدة تضم "أغلبية عربية". علماً أن الحزب لا يضم في صفوفه مختلف القوميات فحسب (هناك 20 مواطن يهودي يحملون عضوية الحزب)، بل أحتلت وجوه جديدة في الهيئات القيادية، ولكن من النادر أن لعب المنحدرون من المكون الشيعي في السابق دوراً في الحركة الشيوعية العراقية"(86). وأشير في التقرير إلى تشكيل خلايا في الموصل، إضافة إلى ظهور أنصار للحزب في السليمانية "(المركز الكردي)، وهذا ما اعتبره يوسف سلمان:"إننا تقدمنا بخطوات حثيثة للعمل في وسط الأكراد".

وأحيا يوسف سلمان يوسف المجموعة الشيوعية البَصرية، ووسعها كوسيلة اقليمية للتحرك صوب السلطة على النطاق العربي. وبالمناسبة فإن عملية التعبئة للمضمون الوطني القائم على اساس التحفيز الخارجي للفضاء الإقليمي أضحى بدون جدوى بدون العلاقات الوثيقة للمجموعات التي تتشارك في الرؤى اقليمياً أو تقليدياً، وهي مهمة ينبغي أن تتحقق عبر تأسيس سُلّم مراتب السيطرة والخضوع على مستوى كل البلاد.

في نهاية كانون الأول عام 1942، أصدر الحزب منشوراً تحت عنوان "نداء إلى الشعب العراقي" موقعاً بإسم "اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي"(87). والحديث يدور حول الإعلان عن أول وثيقة برنامجية للشيوعيين في تاريخ العراق، التي وصفت الحزب بكونه "الفصيل الطليعي للطبقة العاملة العراقية الفتية... والوطنيين الحقيقيين لبلدهم، والذين يقفون على رأس حركة التحرر الوطني".

ومن الطبيعي أن ينتهز الشيوعيون الفرصة باعتبارهم موجود سياسي مستقل ليتطرقوا إلى موضوع الحرب العالمية في هذا المنشور:"يرى الشيوعيون العراقيون في النازية والفاشية خطراً على العراق. هذا الخطر لا يهدد فقط مصادرنا النفطية ولا احتياطي خبزنا واحتياطي التمور وبقية ثروات البلاد. فالفاشية وتعاليمها وأفعالها تهدد وجود العراق نفسه كدولة وطنية. ويحيط بنا خطر استعبادنا وتحطيم إرادة الشعب العراقي المحب للحرية، الذي لم يضع نصب عينيه مهمة استعباد الشعوب الأخرى ونهبها". ومن الطبيعي أن إعتبر الشيوعيون أنه من الضروري التأكيد على رؤيتهم في "الدول الديمقراطية المشاركة في الأمم المتحالفة والذي يقف الاتحاد السوفييتي في طليعتها ... بإعتباره افضل ضمانة لتحطيم الفاشية وإلى الأبد، وإزالة المخاطر التي تهدد استقلالنا"(88). ولكن الشيء الآخر المهم، أن الشيوعيين العراقيين، إذ يعلنون استقلالهم الفكري والتنظيمي، فإنهم يتمسكون بتلك الشعارات التي كانت على الدوام في مركز اهتمام الحلفاء الوطنيين القدامى والوطنيين المحليين وأن:"آمال الشعب العراقي في الوقت الحاضر تتحدد في إمكانية العمل وتوفير مستلزمات العيش، في ظل الدستور وضمان الرفاه الاقتصادي لكل الطبقات وتوفير الحريات الديمقراطية الحقة والإمكانية الفعلية لتوفير التعليم والرعاية الطبية....والمشاركة في التطور الاقتصادي والثقافي للبلاد". ويختتم البلاغ بالكلمات التالية:"عاش الشعب العراقي الحر".


 

(57) ماذا نريد؟
(58) خطاب ناظم تمينه ، وفد الحزب العراقي إلى المؤتمر السابع للكومنترن في الأول من آب عام 1935.
(59) جواب ناظم فردي في 13 آب 1935.
(60) رسالة مرسلة من عاصم فليح عبر سوريا من إلى موسكو في آذار عام 1935، يعلن فيها عن "الإصلاح الوطني"(في وقت تم تداول اتهامات الحادة بين الشيوعيين مثل العدو الطبقي ضد الزعماء الشيعة لانتفاضة الفرات الأوسط الذين " يوجهون اللعنات دون الاشارة إلى طرق ووسائل "النضال اللاحق( رسالة من العراق استلمها مراد في سوريا وأرسلت إلى سكرترية الشرق).
(61) على سبيل المثال يشير قاسم حسن أحمد الشيخ في رسالة موجهة إلى سكرتارية اللجنة التنفيذية للكومنترن إلى نشاط عملاء ألمانيا وايطاليا في العراق في نهاية عقد الثلاثينيات ومحذراً من نتائج ذلك، قائلاً:" إن الألمان يشجعون ويعمقون المشاعر المعادية لبريطانيا في أوساط الرأي العام، ويستغلون ....الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية. إننا لو ألقينا نظرة إلى مسألة المال والتجارة، فإننا نرى أن 80% من التجارة الخارجية تقع في يد البرجوازية اليهودية. وإن الكثير من الرأسماليين اليهود الكبار على علاقة بالصهيونية في فلسطين، دون نسيان أن اليهود من الناحية التريخية هم شعب مضطهد خلال فترات متواصلة ويتمتعون بـ"الحماية" من قبل السياسة الكولونيالية للأمبريالية البريطانية، وإن الدعاية الفاشية الألمانية اكتشفت العديد من الحلقات الضعيفة التي يمكن أن تخترقها وتعمل بفعالية على طريق تشويه الحقائق. وقامت الفاشية الألماني بحريض النخبة الإسلامية والمسيحية من البرجوازية المحلية ضد اليهودمن ناحية، وضد المدافعين عنهم من ناحية أخرى. وتسنى لهم أيضاً دق ناقوس الخطر تجاه الموظفين الذين يعملون في خدمة الربويين اليهود". زقور- مكائد الفاشية الألمانية في الشرق الأوسط. تشرين الأول عام 1941. ارشيف تاريخ روسيا الاجتماعي والسياسي.
(62) في النصف الثاني من عقد الثلاثينيات، استلمت سكرتارية الشرق أكثر من مرة رسائل من العراق تشير إلى أن الحزب الشيوعي السوري لا يقوم بواجبه تجاه الشيوعيين العراقيين. وقد أشار قاسم حسن أحمد الشيخ إلى:" إنعدام أية مساعدة من الحزب الشيوعي السوري، مما يعني أن الرفاق السوريونيتجاهلون واجبهم تجاه الحزب الفتي الذي ينمو في أهم بقعة في العالم العربي . فكيف يمكن لهذا الحزب أن ينمو إذا كان محروماً من إرشادات القيادة العليا والدعم المادي؟"(كتبت الرسالة باللغة العربية في تقرير عن الوضع في العراق ، وجرى استلامه من قبل اللجنة التنفيذية للكومنترن في العشرين من تشرين الأول عام 1937.
ويستطر قاسم حسن أحمد الشيخ تقريره في لحن أشد قائلاً:"إننا نطالب بقطع علاقتنا مع السوريين، القصيري النظر، والذين يسعون فقد إلى فرض سلطتهم علينا وبعملون بأساليب من أجل توسيع نفوذهم في الشؤون العربية لكي يوحون لكم بأنهم يقفون على مواقع قوية، ويوحون وكأن الآخرين ضعفاء"(رسالة باللغة العربية مؤرخة في 25 نيسان عام 1935.
(63) السيرة الذاتية لزهير نعيم (قاسم حسن)، عند تقدمه تقييماً لانقلاب رشيد عالي الكيلاني والحرب العراقية البريطانية، كتب قاسم حسن أحمد الشيخ ما يلي:"سرعان ما اتخذت هذه الحركة طابعاً ثورياً واضحاً. وبدأ الشعب بحمل السلاح، وقد قام الشباب المتحمس بقيادته.واتخذ قراراً بالمقاومة حتى النهاية، وقد جرى التأكيد على أن الاتحاد السوفييتي سيقدم بالتأكيد الدعم ، وإن ألمانيا ما هي إلاّ مستعمر جديد، ولا نريده ولا نريد مساعدته. وفي الثاني والعشرين من أيار عام 1941، أصدر الحزب الشيوعي بياناً احتوى على تحليل للتوجه الثوري الجديد. وطالب البيان من الحكومة تعيين وزراء جدد ، وتنظيم توزيع المواد الغذائية في بغداد وضواحيها، ووقف الدعاية الفاشية، الهادفة إلى دفع الحركة صوب الحرب الأهلية والعنف ضد الأقليات القومية. وطالب الحزب بالتوجه صوب الاتحاد السوفياتي لطلب المساعدةوعقد معاهدة معه. ودعا البيان كل جماهير الشعب-الطبقة العاملة والفلاحين والطبقة المتوسطة –إلى تنظيم أنفسها لمواجهة الوضع الناشئ كتب باللغة العربية موقعاً من قبل زهير.
(64) تقرير باللغة العربيةعن الوضع في العراق، جرى استلامه من اللجنة التنفيذية للكومنترن في العشرين من تشرين الأول عام 1937.
(65) الحزب الشيوعي العراقي. تقرير الرفيق ناظم.
(66) نفس المصدر
(67) ف.د.أو.نظمي
(68) يستند الكاتب هنا ولاحقاً على المؤرخ وعالم الاجتماع العراقي علي الوردي.علي الوردي- لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث. ثورة العشرين. بغداد عام 1978.
(69) انتصار جبهة الشعب- ارشيف تاريخ روسيا السياسي والاجتماعي.الجزء الخامس.ثورة العشرين.
(70) " كيف دمرت الفاشية الإيطالية والألمانية الديمقراطية في العراق. إحدى جرائم الفاشيست.تشرين الأول عام 1937.
(71) الوضع في العراق . مهام اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي بعد إنقلاب التاسع والعشرين من تشرين الأول عام 1936. بدون توقيع.
72-ممسودة رسالةللحزب الشيوعي العراقي(باللغة العربية)
73-النهوض الثوري ونضال الفلاحين في العراق ، الصار في 15/4/1935.
(72) انتصار جبهة الشعب.
(73) إن التحلل في صفوف الأحزاب الشيوعية في العالم العربي وفي بيئة قومية هو نتيجة طبيعية للنهج الذي اتبعه الكومنترن حول تأسيس الجبهة الواسعة المعادية للأمبريالية، كما طبقفي سوريا وفسطين. انظر إلى كتاب"راية حمراء فوق الشرق الأوسط"بقلم ج.ج.كوساج.
(74) ترجمة روسية لرسالة من العراق موجهة إلى سليم عبود في السادس عشر من كانون الثاني عام 1938.
(75) رسالة سليم عبود " حول الوضع في الحزب الشيوعي العراقي" موجهة إلى ديميتروف مانويلسكي في العشرين من كانون الثاني عام 1938.
(76) مادة باللغة العربية تحت عنوان"تقرير عن الوضع في العراق" وصل إلى اللجنة التنفيذية للكومنترن في العشرين من تشرين الأول عام 1937.
(77) مقالة بقلم سليم عبود تحت عنوان" الحركة التحررية الوطنية في العراق"عام 1936.
(78) ترجمة روسية لرسالة مرسلة من العراق إلى سليم عبود في عام 1938.
(79) تقرير عن سكرتارية الشرق بقلم م.م. الجزائري:"فردريك (يوسف) صحفي وعامل سابق حسب قوله، لا يحظى بالثقة..أرسل فردريك من مرفأ بيروت إلى فرنسا لأسباب مجهولة، وزار البلاد مرة ثانية بنجاح".
(80) تقرير حول القضايا التنظيمية. سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي في 17 كانون الأول عام 1942.
(81) حول الحزب الشيوعي العراقي(تقرير الرفيق زقور نعيم)، وحررت من قبل زقزر كوزلوف.
(82) تقرير عن نشاط الحزب الشيوعي العراقي، مصحوب برسالة إلى جبورجي ديمتروف.
(83) تقرير حول المشاكل التنظيمية للحزب الشيوعي العراقي.سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي يوسف سلمان.
(84) وفي عدادهم "يوسف سلمان عامل ولاحقاً مثقف، عبد الله مسعود - محامي ومعلم ، داود الصائغ - محامي، عبد تمر – عامل، صفاء مصطفى – موظف ومعلم، وديع طليا - كوظف، نعيم طويق - موظف يعمل في صحيفة، أمينة الرحال - طالبة في كلية الحقوق، حسين محمد الشبيبي – معلم، حسين طه- موظف"،إضافة غلى "نعيم بدوي، سامي نادر،عبد الرحمن عبد القادر( جميعهم معلمين).
(85) بيان الحزب الشيوعي العراقي في 28 كانون الأول عام 1942
(86) ت.ديميتروف حول وضع الحزب الشيوعي العراقي
 

 

 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter