|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الجمعة  15  / 9 / 2017                                 يوسف أبو الفوز                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

وجهة نظر : إنفصال أم تقرير مصير؟

يوسف أبو الفوز
(موقع الناس)

لم أقدم سنوات زهرة شبابي، والتحق بحركة الكفاح المسلح في جبال كردستان، لاشهد مثل هذه الاجواء المشحونة بدق طبول الحرب وتصاعد مشاعر الكراهية، بين شعبين، عاشا عقودا طويلة، بتاريخ وهموم واحلام مشتركة، ولطالما غنينّا للشراكة بينهما التي تحطمت على صلابتها مخططات الاستعمار والصهيونية في المنطقة !

وبأعتقادي ان قضية أقليم كردستان، وما يجري الان، لا يمكن ان تمر ببساطة عبر الجواب "لا" أو "نعم" في الاستفتاء الذي تنادي به القيادة الكردية الحالية للاقليم، حيث تتصاعد روح التعصب القومي  في الاقليم ، تساعد على ذلك مناورات بعض الاحزاب الكردية مستغلة مشاعر الناس واحلامهم المشروعة، وتنتفض من الجانب الاخر في المناطق العربية الروح الشوفينية، مغلفة بالشعارات الوطنية ومتباكية على وحدة العراق.

وسط هذه المعمعة، أجد ان بقايا البعثيين واترابهم لا يستحقون حتى الرد، فبعضهم يحاول استغلال الفرصة والاساءة لمواقف القوى الوطنية، التي طالما ناضلت وقدمت التضحيات لاجل مستقبل الوطن الحر والسعيد ، فهولاء وحين ثلم "القائد اللاضرورة" الخارطة العراقية من جهة الاردن وتنازل عن حقوق العراق في المنطقة المحايدة، التي اختفت بعدها من الخرائط، بسبب رغبته في كسب تأييد الاردن والسعودية في حربه مع الجارة ايران، لم ينطق احد منهم بكلمة عن حرمة التراب العراقي. الان صار الجميع يتغنون بحب العراق، بل وثمة من يدعو القائد العام للقوات المسلحة للتصرف للحفاظ على وحدة العراق. أنهم يدقون طبول الحرب والكراهية ويدفعون بمستقبل الاجيال القادمة الى الهاوية المجهولة.

من جانب اخر، لا احد يستطيع انكار مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، وكون الشعب الكردي صار ضحية الاتفاقات الدولية الاستعمارية ما بعد الحرب (سايكس ــ بيكو 1916) ، بملايينه الموزعة على تركيا وسوريا وايران والعراق، وان له الحق، بل وكل الحق، بأن يمتلك دولته الوطنية، ولكن السؤال الكبير عندي هو : متى وكيف ؟

بعض القيادات الكردية ـ بمختلف الالوان السياسية ـ تريد ان تدخل التأريخ مستثمرة مشاعر الكرد وحلمهم المشروع بالدولة القومية، فراحت تنادي للاستفتاء ملوحة بالانفصال عن الدولة العراقية الاتحادية التي ارتضوها وصوتوا على دستورها وكانوا عاملا حاسما في اقراره، وباركوا الحكم وفق مبدأ المحاصصة الطائفية والاثنية طالما كان مفيدا ونافعا لهم .

اعتقد ، بأن احد اطراف المشكلة الحالية ، هو كون ان البعض يفهم " حق تقرير المصير" وكأنه " الانفصال"  الفوري فقط ، دون ان يكلف نفسه الرجوع الى الادبيات الكلاسيكية، ماركسية أو غيرها ــ حول ذلك  ويراجع تجارب الشعوب، ليجد ببساطة ان "الانفصال" هو أخر العلاج. في أدبيات الحزب الشيوعي العراقي (تأسس 1934) وهو أعرق حزب سياسي عراقي، واول من رفع شعار تقرير المصير للشعب الكردي، طالما قرأنا عبارة مثل " النضال من اجل حقوق الشعب الكردي بتقرير المصير بما في ذلك حق الانفصال وتأسيس دولته المستقلة"، والقراءة المتمعنة لهذا تعني ان هناك تدرجا في اشكال تقرير المصير واخرها هو الانفصال. فتقرير المصير،  الذي هو مصطلح في القانون الدولي ويعني منح الشعب أو السكان المحليين إمكانية أن يقرروا شكل السلطة التي يريدونها وطريقة تحقيقها ، يبدأ من التمتع بالحقوق الثقافية، يليه اشكال من الحكم الذاتي ( كتالونيا ــ الإسبانية)، يتطور ذلك الى شكل الحكم الفيدرالي (العراق بعد 2003)، أو الحكم الكونفيدرالي (الاتحاد الاوربي)، واذا نضجت الظروف وتكاملت يمكن ان يحدث الاستقلال الناجز. ومن الضروري الانتباه الى ان الماركسية تعلمنا بأن وجهات نظر ماركس ولينين عموما، وحول تقرير المصير أيضا، اذا كانت صحيحة وصائبة في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، فأن كثير منها قد يفقد صحته مع حلول القرن الواحد والعشرين، وان حرق المراحل يدخل اي طرف تحت مظلة التطرف اليساري .

ما يجري الان ، وان كان في اطار مناورات سياسية، فهو بالحقيقة القفز على كل المراحل وحرقها ليكون الامر أشبه بولادة طفل في مرحلة مبكرة للغاية (مثلا في 27 أسبوعاً أو أقل بينما الولادة الطبيعية هو 37 اسبوعا)، ، دون ان يكتمل نمو اجهزته الداخلية، ليكون طفلا صحيحا ينمو بدون اي مشاكل ليكون انسانا بالغا، حيث سيظل يحتاج إلى رعايته في وحدة العناية المركزة ويكون عرضة لخطر كبير وقد يموت.

وأذا اقررنا باعتبار  استقلال شعب، بكيان سياسي مستقل هو ثورة ، فهل يمكن للثورة ان تحدث دون ان تتوفر شروطها الموضوعية والذاتية ، كما تعلمنا ابجديات النضال الثوري؟ ان تأسيس دولة كردية هو ثورة بحق، سواء ان كانت بحركة مسلحة او باستفتاء سلمي، ولكن ما هي ظروفك الذاتية يا شريكي في الوطن، وما هي ظروفك الموضوعية التي ستحيط بدولتك القادمة التي نحلم بها معك؟

طيلة سنوات الاحتراب بين العراق وايران وتركيا، لم يتوقف التنسيق وحتى اللقاءات المباشرة بين الجهات الامنية ـ مؤسسات وزارة الداخلية وغيرها ـ وعبر قنوات مختلفة ، حين يتعلق الامر بالقضية الكردية ، فهم متفقون دائما على ذلك وان احتربوا على قضايا اخرى. وأن اسرائيل ، الدولة العنصرية، التي تضطهد وتسلب حق الشعب الفلسطيني لا يمكن لها ان تكون سندا حقيقيا لشعب أخر يناضل لاجل حقوقه، فالامر بكل بساطة هو استثمار خاص بسياستها في المنطقة، واما الولايات المتحدة الامريكية، التي اسقطت نظام الطاغية صدام حسين لم تأت بجيوشها لسواد عيون العراقيين والكرد، او لاكل التين المجفف ـ على حد قول احد القادة الامريكان ـ بل لاجل مصالحهم في المنطقة، والتاريخ يبين لنا بانها حليف غير مؤتمن لقضايا الشعوب العادلة، ولا يمكن ان تكون حاميا لدولة كردستان المستقلة.

يجب ان نتذكر دائما ، من تجارب الشعوب ، بأنه لا يمكن لاي قائد سياسي، مهما كانت براعته، ان يحقق اهدافه المشروعة ان لم يلتف حوله ابناء شعبه، وتكون جبهته الداخلية متراصة وموحدة، وبنظرة خاطفة نجد ان الشعب الكردستاني حاليا بمكوناته المختلفة منقسم بشكل واضح، سياسيا واداريا وماليا، والاقليم في العراق يعاني من مشاكل اقتصادية وسياسية عميقة، وقوى الفساد الاداري والمالي تتحكم بمقدرات الناس وتنخر في حياة الاقليم على عدة مستويات.

وأن الحكومات المتتالية في بغداد ، من بعد سقوط الصنم ، خصوصا حكومات نوري المالكي، العاملة وفق نظام المحاصصة الطائفية والأثنية، أثبتت فشلها في التعامل مع حكومة الاقليم، وكانت سببا مباشرا في صعود "داعش" وأحتلال الموصل، لكن هذا لا يمنح الحق للقيادات الكردية الحالية، ان تتعامل مع الشراكة في الوطن العراقي وفقا لرد الفعل على سياسة طرف من العملية السياسية، لانهم ببساطة لا يمثلون كل العراق، مثلما ان قيادات الاقليم الحالية لا تمثل كل الشعب الكردستاني !

ان الاستجابة لدعوات الحوار، ما بين الاقليم والمركز في بغداد ، وحل الامور بالمفاوضات، ووضع خطة طريق بضمانات لمستقبل البلاد وشكل تقرير المصير، هو الحل الذي يضمن السلام في المنطقة والتعايش بين شعوبها، ويجنبها ويلات قادمة تنعكس على مستقبل اجيالنا القادمة .
 

12 أيلول 2017

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter