|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

السبت  23  / 12 / 2017                                 د. عبد علي عوض                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

 الإقـتـصـاد الروسـي والإقتصاد العراقي ... مقاربات مقتضَبة

د . عبد علي عوض
(موقع الناس)

عندما يتناول أي متخصص بالشـأن الإقتصادي دراسة وتحليل أية ظاهرة إقتصادية في بلد ما، فإنه يَجنَح إلى أسلوب المقارنة بين تلك الظاهرة مع مثيلاتها في ألبلدان ألأخرى. ونظراً لتشابه مؤشرات واقع الإقتصاد الروسي الحالي مع مؤشرات الإقتصاد العراقي لِما يعاني منه الإقتصادان من عمليات تخريب ممنهج ومنظّم وفسـاد مستشـري، نجد من الضروري إجراء المقارنة بين إقتصادي البلدين.
بعد تفكّك الإتحاد السوفيتي عام 1991 والتخلص من نظام البعث الدكتاتوري في العراق عام 2003، إنتشرَت ظاهرة النهب العام المُباح والفساد وتبوّء أناس من الدرك الأسفل للإدارة في كِلي البلدين. لكن على صعيد السياسة الخارجية الروسية، نجحَت إدارة بوتين بإستعادة ثقلها وهيبتها دولياً، وإنتهت مرحلة هيمنة القطب الواحدا( الولايات المتحدة الأمريكية)، ونجحت على صعيد العلاقات الإقتصادية الدولية بإبرامها عدة عقود في مجالات تصدير الأسلحة والقمح وبناء المحطات الكهروذرية وزيادة معدلات تصدير النفط والغاز... وفي العراق، نجحَ رئيس الوزراء حيدر العبادي بكسر طوق العزلة الإقليمية والعربية التي كان يعاني منها العراق بسبب النهج الطائفي المتطرف لسابقة/ صاحب المشروع الإسلامي/ المالكي، وبفضل السياسة الجديدة، أعلنت بعض دول الخليج إستعدادها للمشاركة بإعادة إعمار ألعراق وبناء مشاريع إستثمارية أنتاجية تعود بالنفع على الجميع.

أما واقع الإقتصاد الروسي داخلياً، فيبيّن حجم الكارثة التي حلَّت بروسيا التي تُعتبَر أحد أغنى بلدان العالم بموارده الطبيعية والبشرية والمادية، ولنرى بعض المؤشرات بالأرقام:
تمتلك روسيا (11,5 % ) من المساحة اليابسة عالميا , وتشكل 2% من سكان العالم , ولديها احتياطي نفطي يشكل (14,5 %) من الاحتياطي العالمي , ولديها 40% من الأحتياطي العالمي من الغاز , وتمتلك 25 % من المياه الصالحة للشرب في العالم , وتمتلك 25% من الغابات في العالم , و (9%) من الحقول المحروثة في العالم , والدولة الاولى في تصدير الماس .... وفي عام 1987 كان الناتج المحلي الاجمالي لروسيا السوفياتية فقط يشكل نسبة تتراوح ما بين 37-40% من الناتج المحلي الاجمالي للولايات المتحدة الامريكية ,أما روسيا الاتحادية فانها تشكل اليوم نسبة تتراوح مابين 10-12% من الناتج المحلي الاجمالي لامريكا. في عام 1987 بلغ عدد المدارس نحو 70 الف مدرسة وعدد الدارسين فيها نحو (23) مليون طالب ,أما في عام 2015 كان عدد المدارس (44.8) الف مدرسة يدرس فيها 14.4 مليون طالب.

وكان يعمل نحو (24) مليون مهندس وعامل فني في القطاع الصناعي، وفي عام 1992 تقلص العدد الى (11) مليون مهندس وعامل وفني بسبب تنفيذ برنامج الخصخصة ,وفي عام 2014 تقلص العدد الى (3) مليون مهندس وعامل فني يعمل في القطاع الصناعي الروسي. وخلال السنوات الثلاث (2013-2015) انخفضت الأجور بنسبة 35% والمرتبات التقاعدية بنسبة 35%. وبسبب تطبيق ما يسمى بالأصلاح الاقتصادي ,انخفض الأنتاج في القطاعات الانتاجية مابين 60-90% ,كما انخفضت انتاجية العمل نحو (2) مرة ,وبلغت نسبة الأندثار في القطاعات الاقتصادية وخاصة الأنتاجية مابين 55-90% ,وانخفض الناتج المحلي الأجمالي خلال الفترة 1992-2006 بنحو ( 2 – 4 مرات) .

اما القطاع الزراعي ,فقد حلت بهِ الكارثة الحقيقية، حيث أصبحَت ما بين 35-40 مليون هكتار متروكة وغير مزروعة ,وتستورد روسيا سلع غذائية بمعدل 60% من حاجتها، وخلال الفترة 1992-2004 اختفت (13) الف قرية في الريف الروسي، وان 80% من الآلات والمعدات تحتاج الى استبدال والقطاع الزراعي يحتاج الى تخصيصات مالية نحو 20% في حين يتم تخصيص 1% فقط ,وبلغت نسبة المشاريع الزراعية الخاسرة لعام 2004 نحو 50% في حين بلغت هذه النسبة في ظل السلطة السوفياتية نحو 3% لعام 1990.

خلال الفترة 1992-2002 استحوذ (15%) من الأغنياء الروس على (85%) من الدخل القومي وزاد عدد المليارديرية من 6 ملياردير عام 1997 الى 60 ملياردير عام 2007 والى 200 ملياردير عام 2015 ,وليس غريبا ان تكون الكلفة الشهرية لأطعام حيوان حراسة الاوليكارشية الروسية يساوي (4500) دولار , في حين يساوي راتب البروفيسور الشهري 450-500 دولار؟! .

حسب تقديرات مجلس الدوما (البرلمان) بلغت الخسائر المادية للشعب الروسي بسبب تنفيذ برنامج الخصخصة للفترة (1992-2005) نحو (2) تريليون دولار اي اكثر مما خسره الشعب السوفياتي في حربه العادلة ضد المانيا الفاشية بـ (2.5) مرة ,وخلال الفترة (1992-2004) تم بيع (500) مؤسسة صناعية كبرى بـ (7) مليار و200 مليون دولار ,في حين قدرت قيمتها الحقيقية بتريليون دولار ,وتبلغ دورة راس المال (الاقتصاد المافيوي) او "اقتصاد الظل" في موسكو فقط نحو تريليون دولار. ومن نتائج سياسة العلاج بالصدمة (1992-1999) وتطبيق النهج الإصلاحي لليبرالية الجديدة (نيوليبراليزم)، فقدَت روسيا اكثر من (20) مليون شخص كمهاجرين، وتم تهريب اكثر من (3) تريليون دولار تعمل لصالح الاقتصاد الراسمالي الغربي، وبسبب هذا النهج تم تصفية واغلاق اكثر من (100) الف مؤسسة انتاجية في روسيا.

ان روسيا ليست بحاجة الى الأستثمارات الأجنبية أصلا , فهي دولة غنية في مواردها المادية والبشرية ,فلو تم إستثمار تلك الموارد وبشكل عقلاني ووفق رؤية استراتيجية إقتصادية وطنية وتم تطبيق القوانين الصارمة بهدف منع هروب رؤوس الأموال للخارج ومحاربة جادة لظاهرة الفساد المالي والادراي والتي أصبحت اشبه بمرض السرطان يفتك بالمجتمع والاقتصاد الوطني لما آلَت إليه ألأمور من سوء بحيث بلغَت الأموال المهربة الى خارج روسيا للفترة (1990-1997) نحو 7 تريليون دولار , فكم بلغت الاموال المهربة خلال الفترة (1998-2016) ؟؟ اما الخسائر المادية بسبب هجرة العقول للفترة المذكورة فقد بلغت نحو (800) مليار دولار. وخلال فترة ما يسمى بالاصلاح الاقتصادي (1992-2016) زادت عملية تهريب رؤوس الاموال السنوية الى خارج روسيا من 150-200 مليار دولار سنويا , ,وبلغ اجمالي قيمة مشتريات الحكومة الروسية للأوراق المالية لعام 2015 نحو (91.2) مليار دولار ,كان الأفضل والأجدر بالحكومة الروسية ان تستثمر هذه الأموال في تطوير قطاعي الزراعة والصناعة بهدف تلبية حاجة السوق الداخلية ومعالجة البطالة وخاصة وسط الشباب ,ولكن سطوة الأوليغارشية أقوى ...؟!.

وعلى صعيد الواقع العراقي:
-- في مجال البُنى التحتية للقطاع المدرسي، يحتاج العراق حالياً إلى أكثر من (عشرة آلاف مدرسة) للتخلص من ظاهرة الدوام المزدوج والثلاثي، ولكن نعلم جيداً بقضية الفساد الخاصة بالهياكل الحديدية لبناء المدارس.

-- تحوم محاولات دعاة اللبرالية الجديدة لخصخصة مصانع القطاع الصناعي العام ( 115 مصنع) وبيعها برخص التراب... مع العلم كان ولا يزال بالإمكان تحديث تلك المصانع وجعل منتجاتها منافسة للمنتوج الأجنبي، إضافةً إلى عدم الجدية لإحياء القطاع الخاص والقطاع التعاوني.

-- بلغت المبالغ المسروقة من قِبل أحزاب السلطة والمخصصة لإنجاز 9000 آلاف مشروع 228 تريليون دينار/ هذا ما أعلنته عضو مجلس النواب د. ماجدة التميمي/ وهذا المبلغ يعادل 198 مليار دولار!؟... أي أنّ تلك المشاريع وهمية ومجرد حبر على ورق. والمبلغ المذكور لا علاقة له بالمليارات المهربة عن طريق نافذة بيع الدولار.

-- في القطاع الصحي: إنتشرَت المستشفيات الخاصة بالتوازي مع تردي الخدمات في المستشفيات الحكومية العاجزة عن توفير الخدمات لشريحة الفقراء الذين أصبحوا فريسةً لجشع الأطباء.

-- في القطاع الزراعي: إنتشرَت ظاهرة تجريف الأراضي الزراعية وتحويلها إلى عرصات سكنية والجهات الحكومية واقفة تتفرج وغير مستعدة لتطبيق قانون (الرقبة). إضافةً إلى ظاهرة المماطلة بتسليم الفلاحين لمستحقاتهم المالية لقاء تسليمهم إنتاجهم من الحبوب، وتلك السياسة يُراد منها إجبار الفلاح على تركه مهنة الزراعة لكي يتسنى للتجار الطفيليين إستيراد ما يحتاجه العراق من حبوب.

-- هجرة العقول العراقية (الثروة العلمية) إلى خارج العراق مع عدم السماح للكفاءات العلمية المتواجدة بالخارج للعودة لخدمة بلدهم.

إنّ الحال المأساوي بالعراق لن يتغيّر بتغيير أسماء القوى السياسية الجاثمة على السلطة ألتي مارسَت الفساد قبل إحتلال داعش لثلث مساحة العراق... فلا سبيل أمام العراقيين لبناء العراق سوى التخلص من تلك المافيات السياسية بإعادتها إلى بالوعات دورات المياه حتى تُطوى صفحة مظلمة من تاريخ العراق.


 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter