| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

محمد علي الشبيبي

Alshibiby45@hotmail.com

 

 

 

الجمعة 7/1/ 2011

 

من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي
(1913 – 1996)

محمد علي الشبيبي

مقدمة ألناشر
"الدرب الطويل" هذا عنوان القسم الثاني من "ذكريات معلم". ففي القسم الأول "معلم في القرية" تناول والدي حياته التعليمية في قرى الفرات الأوسط منذ أواسط ثلاثينات القرن الماضي، وكان حينها غير مرتبط بأي حزب أو تنظيم سياسي، وإنما كان يحمل فكراً وطنياً تحررياً متأثراً بما يحمله من تربية دينية متحررة.
كتب والدي في القسم السابق "معلم في القرية/السياسة والأدب" كيف كان يفكر قبل أن يتفتح فكره بانتمائه السياسي. فكتب (هكذا كنا نخوض السياسة بفهم خليط بين الطائفية والوطنية بل وحتى الإقليمية أحياناً. ونتعصب للملك وهو آلة أختارها الإنكليز، ووطنيته ليست أكثر من لافتة، يحافظ بواسطتها على تاجه، بين الذين جاؤا به لينفذ مطامعهم، وبين مطامح رعيته. هكذا كنا نعتقد إن مهدي المنتفكي ورستم حيدر شيعيان ووطنيان في آن واحد، ولا نفهم مركزهما الطبقي. ولم نفكر ما عوامل مجيئهما إلى الحكم وذهابهما عنه).
وفي "الدرب الطويل" يتناول والدي ذكرياته التعليمية بعد أن أرتبط تنظيمياً بالحزب الشيوعي العراقي، وأحدث هذا الارتباط في حياته وتفكيره تغييراً جذرياً. نعم أنه "الدرب الطويل"، فالطريق الذي سار عليه الوالد بعد ارتباطه التنظيمي طويل وشاق. كله أشواك، وتجوب فيه ضواري بشرية نهمة، لا تعرف حدودا للاكتفاء ولا أي معنى للإنسانية، وكل ما يهمها الدفاع عن مصالحها الطبقية الأنانية وزيادة أرباحها بمزيد من الاستغلال للطبقات الكادحة. ومن يختار هذا الطريق عليه أن يكون صبورا وشجاعاً، وأن تكون طاقته على التحمل ومقارعة الظلم والإصرار خيالية مع علم بالمصير - كما يقول -. ويشير والدي بكل تواضع إلى إمكانياته وقدرته، ويقارن ذلك بإمكانيات وقدرة شقيقه الشهيد حسين "صارم*" وفي موضوعة "أحلام اليقظة مع ذكريات عن بلدي" يكتب: (الحق إني غير أخي "صارم" ذلك الصلب العنود، الذي وضع رقبته على راحة يده. وهو يؤكد لي دائماً، إن الطريق طويـــل جداً يا علي إنه أطــول من "وادي الأحلام"!؟ ربما لا أستطيع تحديده لك مطلقاً. ربما لا يرى الفجر الذي ننتظره إلا أحفادك، أو بنوهم. أما نحن فمهمتنا أن نعبد الطريق - ما استطعنا - من أجلهم!. هي منه دعابة معي، فـ "وادي الأحلام" إحدى قصصي التي كنت أنحو بها منحى كتابات جبران الرمزية وقد نشرت في مجلة العرفان العدد .... صحيح إني أملك طاقة من الصبر ليست بالعادية، ولكن الذي أختلف فيه عن أخي الشهيد حسين "صارم" هو ليس الصبر وحده، انه الصبر والإصرار مع علم بالمصير!؟)
جذور الوالد الاجتماعية وتربيته العائلية وتأثره بالمواقف الوطنية لرجال العائلة من آل الشبيبي كالشيخ الكبير جواد الشبيبي وأبنائه العلامة الجليل محمد رضا الشبيبي وشاعر ثورة العشرين محمد باقر الشبيبي. إضافة إلى دور بعض الأساتذة في مدارس النجف من كان لهم دورا في نشر الوعي الوطني، أمثال: ذو النون أيوب، كامل القزانجي، وجعفر الخليلي وآخرون، تركت تأثيرها عليه، فكان يحمل في ذاته خامة أصيلة من الإخلاص والوطنية وخدمة شعبه بعيدا عن المنافع الذاتية والأنانية. ولهذا رفض مقترح عميد الأسرة "محمد رضا الشبيبي" للعمل كقاضي وفضل العمل في التعليم. فكتب: (كنت أنزع إلى أن أزج بنفسي في معترك الخدمة الأساسية، ضد الجهل الآفة المدمرة، التي تسبب العقم، وتحد من قابلية الأمة في مضمار التطور واللحاق بركب الأمم المتحررة من الجهل والمرض والفقر. وما أجد في وظيفة القضاء؟ غير أن أتورط في حكم باطل، في أمر طلاق! أو مسألة ميراث، أو مشاكل المتزوجين في حياتهم التي هي عمومها لم تبن على أساس الخيار، بل الاضطرار وأحياناً كثيرة الجبر والإكراه. /معلم في القرية/ مع المعلم).
لهذا كله كان المربي الراحل ينظر إلى التعليم باعتباره رسالة إنسانية سامية لمكافحة الأمية ونشر الوعي الوطني، فيكتب: (... معلم يحمل رسالة، يعرف أن أمامه العقبات الصعاب، والمخاطر التي قد تؤدي به إلى الهلاك. إنه يدرك إن الجهل عدو، له حلفاء يسندونه، هما المرض والفقر. فلا مناص إذن لهذا المعلم من التنبيه خلال عملية التعليم إلى هذين العدوين في حلفهم البغيض. المعلم الذي ينشئ أحراراً، لا ليصيروا له عبيداً، المعلم الذي يجعل الحرف مضيئاً ينير السبيل للسارين، لا ليؤلف كلمة ميتة، أو جملة خاوية لا معنى لها..... هذا هو المعلم الذي أعجبني أن أكونه، لا في المدرسة وعلى أسماع الصغار، بل في كل مجال تسمح به المناسبة./ معلم في القرية/ مع المعلم)
في هذا القسم "الدرب الطويل" يتحدث المربي الراحل عن بداية اكتشافه الطريق الصائب في تحقيق الاستقلال الوطني والتحرر الاقتصادي والقضاء على الاستغلال بكل أنواعه، ولماذا سار في هذا الدرب الوعر. فيكتب: (إني أكره الاستغلال. أحب أن أتحرر فكرياً. كم تمردت على بعض العادات. كم أطلقت لنفسي العنان في مجال اللهو. وتهربت من كثير من الالتزامات. كم شاركت بالحركات الوطنية، وأحببت أفكاراً خلتها هي السبيل الصائب إلى تحرير نفسي، وتحرير بلدي وأمتي. ولكن ما هي القاعدة الأساسية والعلمية إلى تلك المنطلقات؟/الدرب الطويل/ بداية الطريق). ويواصل الكتابة ليؤكد اهتدائه - عبر شقيقه الشهيد حسين "صارم"
(*) - للإجابة على تساؤلاته لمعرفة الأسس والمنطلقات العلمية لتحرير البشرية من العبودية والاستغلال. فقد حدث تطور هام وحاسم في حياة شقيقه الشهيد حسين. أنعكس هذا التطور إيجابيا أيضا على فكر ومنهج والدي في الحياة التعليمية والاجتماعية.
في أيار/حزيران
(1) من عام 1941 نشر الشهيد مجموعة من المقالات السياسية والاجتماعية في مجلة "المجلة" لصاحبها ذو النون أيوب. وقد أعجبت هذه المقالات هيأة تحرير مجلة "المجلة" ووجدت في الشهيد حسين وكتاباته وعياً طبقياً فطرياً، وقدرة جيدة على التحليل، إضافة لتمتعه بصلابة واستعداد للتضحية. وبناء على هذا التشخيص استدعته هيأة تحرير مجلة "المجلة" لمقابلتها. واعتقد أن هذا الاستدعاء حدث في تموز/آب (1) 1941. وسافر الشهيد لمقابلة هيأة تحرير "المجلة"، وهناك ولأول مرة قابل الشهيد سكرتير الحزب الشيوعي العراقي "فهد " (*) . فيكتب والدي واصفا مشاعر شقيقه حسين بعد عودته من أول لقاء بالشهيد الخالد "فهد": (عاد بعدها وعلى وجهه شعاع مبهج، وبين جوانحه عزم يكاد يطير به. أسرّ إليّ أمراً. علمت أن "المجلة" لسان فئة نذرت نفسها لتحرير الفكر، وتحرير الوطن. إنها تنهج في سلوكها منهجاً علمياً. وفق أحدث نظرية أثبتت علمياً إنها هي ولا غيرها الطريق إلى تحرير الإنسانية من العبودية بكل أشكالها./ الدرب الطويل/ بداية الطريق)
وهكذا بدأ والدي، في بداية النصف الثاني
(1) من عام 1941، عبر شقيقه الشهيد حسين العمل التنظيمي في صفوف الحزب الشيوعي العراقي. وقد صادف بداية انتظامه فترة الحرب العالمية الثانية وتأثيراتها على الطبقات الفقيرة والمسحوقة وما سببته من ارتفاع الأسعار وانتشار الفساد الإداري والمالي وانعكاسه على الشعب. وكان من باكورة نضالهم في مدينة النجف المبادرة لكشف الفساد، والمفسدين من المسؤولين الإداريين. مما سبب نقمة السلطات السياسية عليهم ومحاربتهم من خلال النقل الإداري والفصل والاعتقال.
كان لانتمائه للحزب الشيوعي تأثيره الايجابي في طريقة تفكير الوالد في إداء رسالته التعليمية، فيكتب : (الواقع إني غيرت كثيراً من نظراتي في مواد دروس العربية، في الأمثلة، ومواضيع النحو، في الإنشاء، والمحفوظات. سخرتها جميعاً لبث الوعي، ولكن بحكمة، وأسلوب لا يثير./الدرب الطويل/ مدرستي)
وبحكم جذور الوالد الدينية، حيث كانت دراسته ذات أساس ديني، كما خطط له والده، نجده دائم الاستشهاد والمقارنة بآيات قرآنية أو أحاديث شريفة. فهو ينتقد بشدة المفاهيم الخاطئة لدى بعض المتشددين الروحانيين، ويفضح التناقضات الصارخة في سلوكيات البعض. كما يفضح أساليب التضليل وتخدير المجتمع من قبل المسيطرين على المؤسسة الدينية من رجعيين ومتخلفين، من خلال نشرهم المفاهيم والمقولات المخدرة فيكتب (كان الوعاظ يعينون الطبقات المتنفذة، بما يبثونه من فكرة بين أوساط الكادحين والمستغَلين، كقولهم: "الفقراء عيالي والأغنياء وكلائي. وخير وكلائي أبرّهم بعيالي!"/الدرب الطويل/ بداية الطريق)
خلال تنقله بين مختلف المدارس المنتشرة في مناطق الفرات الأوسط، واحتكاكه بمعلمين بمختلف المستويات والانحدارات الاجتماعية والقومية والمذهبية، تعرف من خلال ذلك على الأفكار الطائفية والقومية المتطرفة وتأثيرها على الوحدة الوطنية والوعي الوطني، فاكتشف في الفكر الاشتراكي العلمي العلاج الوحيد والأنجع لمرض الطائفية والتطرف القومي. لذلك لم يكن تبنيه للفكر الثوري عبثياً أو مزاجيا وإنما عن قناعة مطلقة بصواب هذا الفكر، فكتب: (وإذا اختَرتُ طريق الاشتراكية العلمية، فذلك لأني أدرك أن رجال المال من أية قومية، عرباً أو فرساً أو أكراداً إلى آخره، هم الذين عملوا ويعملون لإثارة النعرات القومية والطائفية ليلهوا الجماهير عن معرفة أسباب بؤسهم وشقائهم. ليبقوهم عبيداً يشيدون الجنان ويوفرون بكدحهم كل أسباب الرفاه لأولئك الأسياد./ الدرب الطويل/ المعلم النطاح)
ويتحدث الراحل باختصار عن نشاطه الحزبي الذي استمر فقط لست سنوات تقريبا (1941- 1947). ساهم خلالها مع بعض رفاقه وبأشراف شقيقه "حسين" على وضع الأساس المتين في بناء وتطوير تنظيم الحزب في النجف. فبعد أن تخلى بهدوء عن قيادة المحلية المعلم إسماعيل الجواهري، أصبح الراحل مسؤولا عن محلية النجف منذ أواخر عام 1943. كما ساهم بحضور الكونفرنس الحزبي الأول ومؤتمر الحزب الأول. للأسف يتجنب الوالد الحديث عن هذه الأحداث المهمة بالتفصيل، وذلك خوفا من وقوع مخطوطته بيد أجهزة الأمن في العهد الملكي والعهود التي تلته، إضافة إلى ضياع الكثير من مدوناته المهمة بسبب سوء الأوضاع السياسية، كما هو يشير إلى ذلك.
ولا يتهرب الوالد من الحديث عن الصراع الذاتي الذي عاشه قبل أن يتخلى عن العمل الحزبي المنظم. ففي موضوعة "أتق شر من أحسنت إليه" يكتب بشجاعة وصراحة نادرة: (أحس في نفسي صراعاً حاداً، هل أستمر، أم أضع للأمر حداً؟ .... إني في صراع عنيف مع نفسي، أشعر بضعف ينتابني، بل يسيطر عليّ. ومن الخير أن أتنحى كيلا أخسر شرف الكلمة، وأجني على سواي، بلطمة من شرطي، أو تعذيب في ضربات خيزرانته فينهار بناء، وأكون مثلا ولطخة عار). ويواصل الكتابة ليثبت تأريخ أعتزاله العمل الحزبي، ورفضه طلب مرجعه الحزبي "مالك سيف" للانتقال إلى جانبه للعمل الحزبي في بغداد وإصراره على قرار التنحي من المسؤولية والحزب، فيكتب (وأجبت، أصر على ذلك . كان ذلك في 12/10/1947، ولم ألتحق بعد هذا بأي جماعة).
ويؤكد الراحل بألم من خلال كتاباته عما أصابه من إجحاف وتشويه من قبل أحد أصدقائه بعد أن ترك المسؤولية الحزبية لهذا الصديق. لذلك يكتب عن هذا ببعض التفصيل والألم. وهي قصص كنت أسمعها من الوالد والوالدة عن موقف هذا الصديق. فكتب ما يلي: (لم أكن مطلقاً أفكر بأي احتمال، فقد ألقيت عن عاتقي عبئ كل مسؤولية، وطلقت العمل الحزبي، وخرجت من العهدة، دون أن أكون آثماً بحق أحد، وعلى علم من صديقي "م" والذي ألتزم المسؤولية بعدي! أليس هو رفيق الشباب، وأيام جامع الهندي، وأندية النجف الأدبية. ومنه تعرفت على المجلات التي تعني بالفكر التقدمي!؟/ الدرب الطويل/ ليد القدر).
ويؤكد المربي الراحل دائما أن السبب الذي دفعه لاعتزال العمل الحزبي شعوره وتقديره بأنه غير قادر على تحمل تبعات ومسؤوليات العمل الحزبي، والتوفيق بين مسؤولياته الحزبية وواجباته العائلية. لكنه يشير في أكثر من مرة في مذكراته، أن تركه للعمل الحزبي لم يعفيه من هذه التبعات والمسؤوليات ولم يبعده عن النضال بصلابة من أجل القضية الوطنية. واستمرت الأجهزة الأمنية دائما بالتعامل معه وكأنه أحد قادة المنظمات الحزبية، وأحياناً يرون في سلوكه وعلاقاته الاجتماعية أكثر خطورة من أي مسؤول حزبي!؟
وبالرغم من اعتزاله العمل الحزبي منذ أواخر تشرن أول 1947، لكنه يصر على مواصلة النضال والإخلاص لرسالته التعليمية السامية كما آمن بها. فيكتب رسالة لصديقه ورفيقه السابق "جواد كاظم شبيل" جاء فيها: (... ولكني أفهم إني واحد من ملايين في بلادي تكرع كؤوس الشقاء. وعلينا أن نواصل المسير في توعية الذين يبنون الحياة بسواعدهم./ الدرب الطويل/ رسالة إلى الكبائش). وبقي الراحل مخلصا لمفاهيمه التربوية والوطنية إلى آخر أيامه. لذلك فإن الأجهزة الأمنية في كل العهود كانت تضايقه وتضعه في رأس قوائمها وتنشر حوله هالة من المسؤولية الحزبية لتبرر ملاحقاتها ومضايقاتها له!.
في بعض الأحداث تطرق الراحل لبعض الشخصيات فتجنب ذكر أسمائهم الصريحة، وأحيانا كان يشير إليها بالحرف الأول، ومرات أخرى يشير إلى الاسم بنقاط -فراغ- لكنه يذكر الاسم كاملا في هوامشه. فكتب في أحد هوامشه تحت عنوان "مدرستي": (لم أصرح بأسماء بعض الذين أذكر عنهم شيئاً، خصوصاً إذا كان ما فعلوه غير مستساغ، فقد انتهت حياة أكثرهم. المهم ذكر ما فعلوه، ولهم الرحمة). لذلك وجدت أن التزم بما انتهجه الوالد في تجنب ذكر بعض الأسماء.

* * * *
(1)
لابد من التأكيد من أن ارتباط الشهيد حسين "صارم" بالحزب وبالتحديد بسكرتير الحزب "فهد" كان في أواسط عام 1941. وللأسف لم يشر والدي في ذكرياته مباشرة في أي شهر بدأت هذه العلاقة. ولكن من خلال ربط وتسلسل تأريخ بعض الأحداث التي ذكرها الوالد يمكنني أن أجزم، أن الأشهر المثبتة هي الأقرب إلى الصواب والدقة.
(*) "صارم" الاسم الحزبي للشهيد الخالد عضو المكتب السياسي حسين الشيخ محمد الشبيبي. و"فهد" الاسم الحزبي لمؤسس وسكرتير الحزب الشيوعي العراقي الشهيد الخالد يوسف سلمان يوسف. و "حازم" الاسم الحزبي للشهيد الخالد عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي زكي محمد بسيم.

ألناشر
محمد علي الشبيبي
السويد ‏‏06‏/11‏/2010
alshibiby45@hotmail.com 
 

2 - الدرب الطويل
(14)

الخداع أبرز صفات الثعلب
حين جاء نوري السعيد إلى الحكم في 11/3/1947 أي بعد أكثر من شهرين على استقالة أرشد العمري، ألغى قرار تعطيل جميع الصحف، عدا جريدة العصبة، التي أغلقت أيام وزارة أرشد. وظهر كتقي يطلب الخير للجميع، ويمسح الدموع من عيون الأمهات والآباء والذين فقدوا أبناؤهم خلال العواصف الهوجاء. لقد جاء اختيار "نوري"، ليبدو بمجيئه هذا وكأنه بريء مما جنته يدا أرشد العمري!. فماذا سيفعل؟
دعا رجال السياسة من مختلف الأحزاب، أن يشاركوا بوزارته هذه. ويضمن لهم أن يحقق ما يشترطون!؟ وكانت شروط الأحزاب حينها، دعم الحياة الحزبية، وفتح فروع لها خارج بغداد، وحرية الانتخابات، وعدم التدخل من جانب الحكومة.
حقاً إن الذين قبلوا المشاركة، قد نسوا انه ثعلب ماكر، وان بدا مرتدياً مسوح الزهاد! ثلاثة أحزاب تقدمية، لم تكتف برفض الدعوة، بل جابهت هذا الإدعاء، بأنه لغرض تفتيت الحركة الوطنية، وتوريط شخصيات معروفة بصلابتها ونهجها، ليحدث بينها وبين أمثالها فجوة وشقاق.
حين دعا نوري الأحزاب للمشاركة استجاب له الحزب الوطني الديمقراطي، وحزب الأحرار. بينما دعت الأحزاب التقدمية الوطنية إلى عدم تصديق نوري لما تعهد. فحزب الإتحاد الوطني أعتبر مقاطعة الانتخابات أنجح وسيلة لفضح الغاية المبطنة. وحزب التحرر، بلسان رئيس الهيأة حسين الشبيبي قال في كتاباته "فنحن أذن ننبه المواطنين إلى خطر الأخذ بزعم انتخابات حرة، والى خطر الاشتراك في هذه الانتخابات التي يراد بها الإتيان بمجلس ووزارة مكلفة بتبرير بقاء النفوذ والامتيازات الأجنبية، ومكلفة بالتصديق على المشاريع، والخطط الاستعمارية التي يراد إعطاؤها الصفة الشرعية". وذكرت "القاعدة" جريدة الحزب الشيوعي في 24/12/1946 "إن الإنكليز هم الذين أوحوا بمجيئها لأحكام سيطرتهم على مقدرات البلاد".
وتحضرني التفاتة رائعة من فهد، أرى لزاماً عليّ أن أذكرها للتأريخ، ولست ممن يتعصب. قبيل سقوط وزارة أرشد العمري، كان الحزب قد عقد اجتماعا في دار أحد رفاقه في راغبة خاتون، وبعد أن أنفض الاجتماع وخرج أكثر الأعضاء، خرج فهد وزكي وحسين وأنا وسامي نادر، بانتظام مقرر في ساعة متأخرة من الليل. بينما كان فهد يمشي على مسافة معينة توقف ينتظرنا، دنونا، فقال "لا أستطيع الانتظار، أريد أن أقول لكم، إن محمد حديد سيكون في الأيام القابلة وزيراً!". تساءلنا، وكيف هذا؟ أجاب عندما نصل إليكم، سأوضح ذلك، إنه استنتاج!
وصلنا البيت، فأخرج جريدة "نيوستسمان" الإنكليزية. كان فيها مقال للأستاذ محمد حديد فيه عبارة تشير إلى "إن الإنكليز مازالوا يفهمون العراق والعراقيون كفهمهم له أوائل أيام احتلالهم، إنهم يجيئون إلى الحكم بوجوه عرفها العراقيون وفهمها جيداً وسئم منهم. وقد ظهرت وجوه محترمة في أفق السياسة والثقافة؟!". أنا لا أفهم اللغة الإنكليزية ولم أكتب نص كلمة محمد حديد من الجريدة، لذا كتبت مؤداها قدر ما أتذكر. وعقب فهد "إن هذه العبارة لفت نظر لهم. وعلى الأكثر سيأتون به يوماً!".
فلما أعلن عن تشكيل وزارة نوري التاسعة، ودعا إلى مشاركة الأحزاب له في الوزارة وفق ما يريدون من شروط، وأعلنت أسماء الوزراء الجدد، فكان من بينهم "محمد حديد" للتموين. وآخر عن حزب الأحرار. وأشار نوري إلى إن وزارته ضمت عضوين من وزارتين فقط، لأنها ائتلافية!
وقاطع حزب الشعب الانتخابات أيضاً وأصدر بيانا بهذا الشأن. أما حزب التحرر فانه لم يكتف بالمقاطعة، بل قاد مظاهرة صاخبة احتجاجا على أساليب الوزارة السعيدية. فقد أستأجر حزب التحرر دار ملهى الفارابي ليلقي فيه رئيسه "حسين الشبيبي" خطاباً كان بعنوان "موقفنا من الوزارة الحاضرة" وقد صودر الخطاب من المطبعة. ولما حضرت جماهير الحزب وجدوا محل الاجتماع مغلقاً ومختوماً بالشمع، والشرطة واقفة على الباب تمنع الوافدين، مع إن الاجتماع مأذون من المتصرفية حسب الأصول. فأثارها المجتمعون مظاهرة رائعة، قاومتها شرطة نوري، فقاومت هي الشرطة بما استطاعت. وأعتبر رئيس الحزب الوطني الديمقراطي هذه المظاهرة بأنها جاءت لإحراج موقف حزبه من الوزارة، وحَمْلِها على الانسحاب منها. وقال على صفحة صحيفته "صوت الأهالي" بتأريخ 16/12/1946 "إنهم مخطئون إذا كانوا يقصدون ذلك لأن حزبنا أستقل بأعماله".
وأعيد "حسين" وبعض رفاقه وكثيرون من قبض عليهم في المظاهرة إلى السجن. وحكم على حسين -بعد حين- بست سنين بسبب المظاهرة والخطاب.
وفعلاً فان نوري الثعلب بعد أن شكل الوزارة، نقض عهوده بأساليبه المعروفة التي ينفذها عملاؤه. فأعتذر عن فتح الفروع للأحزاب، بحجة أن الأمر موكول إلى متصرفي الألوية، وعلى الأحزاب أن يقدم منتسبوها الطلب إليهم. ولم تجد كل المحاولات مع المتصرفين. كذلك قام عملاؤه بواجبهم، كما يريد، في التدخل بشؤون الانتخابات، لذا لم يفز حزب الاستقلال وهو يلتقي مع نوري السعيد في كرهه للشيوعيين والشيوعية مع اختلاف في طريقة التعامل، ولكنه يرى أنها عقيدة يجب أن تقاوم بعقيدة، ونظام اقتصادي يجب أن يقابل بنظام اقتصادي، لا بالقوة والإرهاب فهذا ما يزيدهم قوة.
وانكشفت مزاعم نوري السعيد حول حرية الانتخابات، فاستقال وزيرا الوطني الديمقراطي والأحرار. وقالت جريدة السياسة: "لقد توقعنا كل هذا وحسبنا حسابه". أما زعيم الوطني الديمقراطي فقد أعتذر بقوله "من واجبنا أن لا نمارس الحياة الديمقراطية بصورة سلبية دائماً".
ثم استطاعت شرطة التحقيقات الجنائية أن تكشف الدار التي تطبع فيها جريدة الحزب. وبعد أسبوع وفي 11/1/1947 ألقت الشرطة القبض على "فهد" سكرتير الحزب الشيوعي، وبعض أعضاء المكتب السياسي، كان بين المعتقلين زكي محمد بسيم، وعزيز عبد الهادي، وصاحب الدار الصيدلي إبراهيم ناجي. للعثور عليهم حكاية سأرويها. وبعد فترة تزيد على الشهر قليلاً استقال محمد حديد بسبب تدخل جماعة الكتلة، المقصود بهما صالح جبر وصادق البصام. جماعة الكتلة استقالوا من الوزارة ليتسنى لهم جو أرحب في خوض غمار الانتخابات.
نحن في النجف شهدنا أعوان نوري، من المتقدمين بترشيح أنفسهم، ومن جلاوزته وجلاوزتهم كيف يتدخلون وكيف يعتدون، بينما كان المشرف القانوني الأستاذ "ياسين الكيلاني" أنزه من عرفنا من الحكام وقد نقل برقياً إلى بغداد. ذلك إن المؤيدين لسعد صالح كانوا قد شدوا الحيازم وهم من مختلف الاتجاهات الوطنية، فلم يجد السعيد بداً من الاتصال به. طاعنين بنزاهة موقف الحاكم النبيل، ومع ذلك فإنهم لم يستطيعوا التغلب.
لم يسبق أن رأى النجفيون حاكماً نزيهاً وصلباً في الحق والعدل مثل "ياسين الكيلاني". كان لا يزور أحداً، ولا يسمح لأحد أن يزوره خلال دوام المحكمة، ولا يقبل وساطة أو شفاعة. أتصل به نوري نفسه يتهمه بالتسامح في مراقبة الانتخابات وتلاعب بعض المتنافسين، فرده بعنف بأنه يعرف المتلاعبين ولم يسمح لهم وأنهم هم الذين تهتم بهم!
نوري لابد انه يمهد السبيل لطبخة جديدة. ذلك ما فهمناه من تصريحات رجال القوى الوطنية خلال طعنهم بدعوته للأحزاب بالمشاركة. فلننتظر فالمستقبل كشاف كما يقولون!

حكاية إلقاء القبض على فهد والمطبعة
حسب علمي، حين أختلف ذو النون أيوب مع القاعديين، وأصدر نشرته "إلى الأمام". ثم القي عليه القبض، ويبدو أنه أجاد التفاهم مع رجال التحقيقات الجنائية، فأصدر بيانا يبدو من عباراته، انه لما لم يجد مجالا للنضال العلني سلك هذا المسلك ولما فسح له الآن المجال، فإنه يلقي عصا النضال، ولرفاقه الذين كانوا معه حرية الرأي، في أن يتبعوه أو يلتحقوا بفئة أخرى؟!
وفعلاً التحق أحدهم وهو إبراهيم ناجي بجماعة القاعدة. بينما ألتحق الآخر ولا أذكر أسمه تماما ".... فعل" بداود الصايغ، وفتح له هذا مكتبة يستعين بها على إدارة شؤون منظمته "رابطة الشيوعيين" فكان الموما إليه مديراً للمكتبة.
كان الصائغ قبل انسحاب ذو النون من الحزب عضواً هاماً في الحزب (عضوا في اللجنة المركزية/ ألناشر). وبجهوده أستطاع أن يستعيد المطبعة التي أحتجزها جماعة ذو النون، وحدث بعد مدة أن أوقف داود وعند خروجه من الموقف أنسحب أيضاً وكوّن كتلة رابطة الشيوعيين وأصدر جريدة العمل.
ويبدو أيضاً إن ".... فعل" قد فكر بالابتعاد عن العمل السياسي مطلقاً، دون أن يفكر بطريقة الخلاص. وجاء داود -على العادة- للحساب على صادر ووارد وأرباح المكتبة، فانكشف تلاعب هذا الأمين، فكانت مشادة وشجار انتهى بأن هدد هذا -الأمين- سكرتير الرابطة "داود". لا علم لنا طبعاً كيف اهتدى الشرطة واكتشفوا هذا -الأمين- أو إنه هو الذي وشى بداود. وحين القي القبض على "داود الصائغ" مضوا به إلى مديرية التحقيقات الجنائية، يعلنون أفراح النصر. إلا إن المسؤولين أفشلوهم وأفهموهم، إن المطلوب فهد سكرتير الحزب الشيوعي.
ويذكر أن "..... فعل" ذكر لهم حينما استفسروا عن علمه بالوكر الذي يأوي إليه فهد أرشدهم إلى مراقبة دار إبراهيم ناجي، فهذا قد ألتحق بركب القاعديين بعد أن ألقى ذو النون عصا النضال. وهكذا تم لهم ما أرادوا، إذ أن فهد حين علم بإلقاء القبض على داود أهتم كثيراً، وراح يصفي ما لديه من أدوات وسجلات تخص الحزب. كان يعينه على هذا عضو اللجنة المركزية "زكي بسيم" وهو من أنشط وأبرز الأعضاء و "عزيز عبد الهادي"، ولم تجد الشرطة ما ينفعها غير آنية فيها رماد أوراق أحرقت، وسجل لف في بطانية والقي في قعر خزان الماء في سطح الدار. وأجاب فهد عن هذه الأسماء التي تضمنها السجل، بأنها أسماء لشخصيات وطنية ولمواطنين نتعاون معهم في ما نلتقي معهم به من رأي في حقل السياسة والقضايا الوطنية وأنهم ليسوا شيوعيين مطلقاً.
 

يتبع


السويد ‏07‏/01‏/2011


من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (13)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (12)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (11)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (10)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (9)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (8)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (7)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (6)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (5)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (4)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (3)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (2)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - الدرب الطويل (1)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (22)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (16)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (15)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (14)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (13)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (12)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (11)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (10)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (9)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (8)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (7)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (6)
من مذكرات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (5)
من كتابات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (4)
من كتابات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (3)
من كتابات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (2)
من كتابات المربي الراحل علي محمد الشبيبي - معلم في القرية (1)



 

free web counter