ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

| أرشيف الذكريات  |

 

 

 

 

 

الأثنين 9/2/ 2009



 ربع قرن على استشهاد ماهر الزهاوي
الحزب الشيوعي العراقي حزب الشباب والمستقبل
(2)

سهيل زهاوي

ولد الشهيد ماهر في خريف عام 1961 في محلة الحميدية في مدينة خانقين المحاذية لحدود ايران من الشرق . وفي المرحلة الثالثة من الابتدائية انتقل الى بغداد، حيث اكمل دراسته الابتدائية و المتوسطة والاعدادية ، ثم التحق بكلية الطب البيطري في جامعة بغداد .

برزت مواهب الشهيد في العديد من المجالات وهو في مقتبل العمر ولم يتجاوز الثالثة عشرفقد كان خطاطا واعدا و موسيقارا يعزف على القيثارة وله قابليات رياضية في اكثرمن مجال و كان يقرأ بنهم الكتب السياسية والادبية وينجذب الى الفكر الماركسي وفي بداية السبعينيات اصدر بجهوده نشرة تتضمن المقالات السياسية والاخبار عن الحركة الشيوعية العالمية وكان يطمح ان يصبح صحفيا في المستقبل . .
وفي ذلك الوقت تبلورت في شخصيته عناصر العمل السياسي و بدأ يقترب من العمل في طلائع اتحاد الشبيبة الديمقراطي و اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية. في عام 1978 انتمى الى الحزب الشيوعي العراقي و لم تمضِ فترة طويلة على انضمامه للحزب بدأت الحملة القمعية البوليسية ضد الشيوعيين ، و بسبب صغر عمره وانقطاعه عن التنظيم لم ينكشف امره لجلاوزة السلطة وجمد نشاطه عندما بدأت الاجهزة الامنية تستدعي افراداً من عائلتة بسبب اتجاهم السياسي المعروف .

في عام1980 بدأ الشهيد باعادة الإتصال بالرفاق المنقطعين ولمّهم في محاولة بأتجاه اعادة الحياة الى الخلايا الحزبية ، وحصل تطور نوعي فعلي في انجازها بعد ان شكّل لجنه على مستوى القاعده من مجموعة من الشباب لم تتجاوز اعمارهم الخامسة والعشرين ، وكانوا يتحركون بحذر تام ويقومون ببعض النشاطات في المناسبات . .
و كانت مصدر توجيهاتهم بالدرجة الاساسية . . اذاعة الحزب وبين فترة واخرى كان يتم الاتصال المباشر بالحزب عن طريق بعض الرفاق في بغداد او كوردستان وخلال الفترة 1980 ـ 1984 اعتقل عدد من الرفاق منهم ، على ما تحتفظ به ذاكرتي الشهيد البطل ( علاء سعدون فدعم) من حي المشتل ببغداد الجديدة ، الذي كان في المرحلة الثانية في كلية الهندسة بجامعة بغداد ، وكان قبل اعتقاله في 1980 قد اقسم امام الشهيد ماهر انه سيحافظ على اسرار الحزب حتى ولو كلفه ذلك حياته .

تعرض الشهيد ماهر خلال السنوات الخمسة في كليته الى التهديد والوعيد والاستدعاء المتكرر من قبل المدعو احمد الحديثي معاون العميد في كلية الطب البيطري و جلاوزة ما سميّ بـ ( بالاتحاد الوطني لطلبة العراق) بسبب شعبيته بين الطلبة و جرت محاولات عديدة لكسبه الى الاتحاد السلطوي بالاغراء او الاكراه الا انه تمكن من الافلات من قبضتهم بأ ساليب متعدد كما تعرض الى الضرب في احدى السفرات من ازلام الاجهزة القمعية.
رغم كل المخاطر المحدقة به الا انه لم يترك ساحة النضال بل استمر في كفاحه المثابر بنكران ذات . . وجعلته كل تلك الامور يزداد قوة وشجاعة في مواجهتم والتصدي لهم واشاع الرعب في قلوبهم من خلال صبره ومواقفه الشجاعة، حيث لم يعرف الخوف طريقا الى قلبه. وقد استمد شجاعته والوفاء للقيم الانسانية ومبادئ العدالة الاجتماعية والوفاء لشعبه والدفاع عن حقوقه في الحرية والحياة الكريمة . . من قوة وعزيمة حزبه الشيوعي اضافة الى أن اصراره وعناده في النضال ضد الدكتاتورية والظلم هي سمة من سمات مدينته الباسلة خانقين العريقة التاريخ.

في اذار عام 1984 وعلى وجه التحديد في عيد نوروز التقيت بالشهيد ماهر بعد سبع سنوات من الفراق في دارالرفيق الراحل شيخ علي البرزنجي والمناضلة الشيوعية المعروفة جَيْ ران البرزنجي في مدينة السليمانية ، فبدى لي ذلك الشاب الطويل القامة، الضعيف البنية ، الذي لا تغيب البسمة على وجهه . . هادئ الطبع، خافت الصوت، قليل الكلام، صادق العاطفة، واثقاً بنفسه وبمبادئه وتتلمس فيه روح التحدي والارادة القوية وروح المبادرة . .
واكتشفت فيه عمق الخبرة والتجربة في العمل السياسي والاستعداد الكامل لتنفيذ اي مهمة تناط به ، رغم انه كان يشعر و يتلمس المخاطرالتي كانت تحوم حوله ، الا ان همّه الاساسي كان يتركز في كيفية ترسيخ التنظيم في بغداد وتطويرنشاطه بما ينسجم مع حجم تأثير الحزب وتاريخه النضالي .

وبعد عودته الى بغداد بعد اللقاء الثاني بدأ بطبع بيان بمناسبة الذكرى الخمسين لميلاد الحزب الشيوعي العراقي الذي استمع اليه من اذاعة الحزب ، بالرونيو الشعبية بعد ان تدرب عليها في مدينة السليمانية . .
ففي ليلة الذكرى الخمسين لتأسيس الحزب في 31 اذار جرى توزيع الاف البيانات مع الرفاق الذين كان يقودهم . . في ضواحي بغداد وفي قلب العاصمة، مما ادخل الرعب في صفوف الاجهزة الامنية وعلى ضوء ذلك النشاط تم تشديد المتابعة و المراقبة على الشهيد وكان داره مراقبا من قبل احد ازلام اجهزة الامن المعروفة (1) .
في مساء 14-15 نيسان عام 1985، كان الشهيد مستغرقا في نوم عميق عندما داهمت قوة من اجهزة الامن والمخابرات الدار ، وكانت بقيادة احمد الحديثي معاون عميد كلية الطب البيطري لشؤون الطلبة !! واقتحم ثمانية افراد من ازلام السلطة غرفة الشهيد وقد قاومهم وحاول الهرب الا ان كثرتهم تغلّبت عليه حتى كبّلوه بالقيود (2) .
لا تزال نظرتة الاخيرة الى والدته شاخصة لها و لا تنساها . . حين كان يودعها مكبّلاً بالقيود وجلاوزة الامن يحيطون به في حديقة الدار وعيناه تجوسان في المكان . . حيث نظرت اليه امه وقد ساورها شعورفي تلك الحظة لتعرف ماذا كان يدور في خلده في لحظة الوداع . فقالت له وهي تقترب منه رويدا رويدا حتى عانقته وقبلته : ( يا امي هذه هي القبلة الاخيرة . . لن تراني مرة اخرى ! ) ورأت امه شعوره الذي كان ينمّ عن الصمود والتحدي و مواصلة الدرب حتى النهاية.

بعد ان يأس الجلادون من نزع الاعتراف منه والنيل من عزيمته و بعد ان مرّ يومان على اعتقاله وتعرضه الى ابشع تعذ يب ، اعلن اسمه ضمن قائمة المفقودين في الحرب العراقية ـ الايرانية وعلق في كليته. وفيما بعد توجهت قوة من جلاوزة الامن لأ عتقال اخيه كفاح (دكتور سلام) الذي كان عضوا حزبيا في نفس التنظيم الذي كان يعمل فيه الشهيد ، غير انه تمكن من الافلات منهم والتحق بقوات الانصارـ البيشمركه.
وقد افاد رفاقه وزملائه في سجن الاحكام الثقيلة من الذين نجو من حكم الاعدام عنه . . بأنه خطط للهرب وعمل على تنفيذه عندما جرى نقله بسيارة محاولا الافلات من قبضة الاجهزة الامنية بكل ثقة وعزيمة . . فتحقق ذلك بعد ان رفس الباب بقدمه والقى بنفسه من السيارة ولاذ هاربا في الدرابين المحيطة ولاحقه ازلام السلطة وبعد جهد تمكنوا من الامساك به واعادته الى مكانه ومارسوا له تعذيباً بشعاً . . اعادوه بعده الى زنزانته في المعتقل وجسمه مدميا من ضرب الكيبلات الا انه كان يزداد اصرارا وعنادا غير مكترثاً بما كان يجري له من تعذيب وآلام .
و يروي رفاقه وزملائه عن ذكرياتهم كيف كان الشهيد ماهر يحول معاناة وقائع التعذيب الى مسرحيات سخرية ومرح داخل زنزانات الاعدام ويدخل السرور والبهجة الى نفوس السجناء عبر صوته الشجي واغانيه الشعبية ، رغم معرفته بمصيره . لقد ظلّ صامدا ومترعا بمخزون من التفاؤل لا ينضب.
كان نموذج المناضل الذي مهما بلغ حافة اليأس وهو مقيد يبقى لديه قوة التفكير في النجاة من هؤلاء الاوغاد ومواصلة نضاله في صفوف الحزب.

في الساعة الخامسة من صباح 27 كانون الثاني 1985 يوم ذكرى الوثبة العظيمة توجه الشهيد ماهر الزهاوي الى مقصلة الاعدام بنفس البيجامة التي كانت عليه عند اعتقاله . . بمعنويات عالية ، وقد وقف مرفوع الرأس وسخر من قائدهم الطاغية صدام حسين ونكّت عليه بحيث اضحك جلاديه وعندما سألوه عن عنوان داره حدق في وجوه الجلادين بأزدراء . . لقد ظلّ صلبا و متماسكا ومتحديا لا يهاب الموت من اجل قضية الشعب العادلة (3).
وقد سلم جثمانه الطاهر في نفس اليوم الذي تم اعدامه فيه. و بالرغم من الاجراءات الامنية المشددة التي تمنع القيام بأي مراسيم تخص الشهيد... كان عشرات المشيعين من جماهير خانقين البطلة يندفعون وسط اجواء حزن عميق متحدين قرارات السلطة الفاشية، كما عقدوا العزم على اقامة مجلس فاتحة له يليق بمناضل شيوعي في دار السيدة المناضلة خديجة ملا كريم .

قررت مع نفسي ان لا اذرف دمعة ، حين سماعي خبر اعدامه، كنت واثقا انه حافظ على العهد مهما بلغ الثمن بل تحول الخبرعندي الى عرس حقيقي لصموده البطولي .. صمود مناضل نضج وخبر الحياة والنضال من اجلها حرة سعيدة قبل سن البلوغ .... لم يكن سهلا علي ان اصل الى ضريحه، وبعد سقوط الصنم كنت مع اول المندفعين الى مدينة خانقين ... وجدت ضريحه شامخا مبتسما يتألق وهو يعانق السماء وقد تحققت احدى امنيانته بسقوط الطاغية .

كنت رائعا ياحبيبي ماهر في حياتك ..... كنت رائعا في شهادتك !

 

(1)  بُلّغ الشخص الذي كان يراقب الدار في الساعة الثامنة صباح 15 نيسان ، من جهاته الأعلى بأن مهمته قد انتهت ، كما وصل الى علم الكاتب بعد سقوط الدكتاتورية .
(2)  كانت الرونيو الشعبية موجودة الا ان ازلام السلطة لم يدركوا ان تلك الالة قد طبعت الالاف من البيانات.
(3)  حسب الوثيقة المرقمة (131353) الصادرة من مديرية الاحصاء الحياتي والصحي بوزارة الصحة والموقعة من قبل الدكتور قاسم محمد جعفر ، الطبيب المقيم في مستشفى الاصلاح الاجتماعي . تفيد الوثيقة بأن ماهر الزهاوي واسم والده عبد الجبار خليل ابراهيم الساكن في بغداد الجديدة – بغداد مهنته طالب قد تم فيه تنفيذ حكم الاعدام شنقا حتى الموت ، الساعة الخامسة من يوم 27 كانون الثاني 1985 وسلم جثمانه في نفس اليوم.

 

free web counter