ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

عشاء الطائي الأخير

في ذكرى الشهيد باسل كاظم الطائي ( أبو تغريد ) ورفقته الخالدين
 


نجم خطاوي


سأحكي لولدي عن قصة ذلك الفتى

الذي حلم يوما بالعراق الجميل

الذي تسوده العدالة .

سأحكي للناس

عن البسالة والهمم .

وسنكمل الطريق ,

وهو أجمل الوفاء
 


مضيت كل تشرين الثاني وسط أهلي وأصدقائي , وحانت لحظة عودتي إلى بلد الصقيع السويد ثانية . الطريق من مدينتي الكوت , وحتى أربيل , طويلة وشاقة , تجوفها بعض المخاطر . في بعض المرات كان أخي يسوق السيارة بشكل يوحي لي وللصديق الذي زاملنا السفرة وكأن سيارتنا ستتحول إلى طائرة , وكان يعلق ساخرا في كل مرة , كون الدافع هو الضرورة الأمنية , وعلي بكل تواضع تفهم هذا الأمر , باعتباري قد خضت تجربة الكفاح المسلح , واقدر هذه الحالات .

شمس الأول من كانون الثاني حارقة ولذيذة وهي تبسط حرارتها وسط برودة الصباح الذي اكتسى بضباب سميك حجب الرؤية مررنا بمدن الدبوني والعزيزية والصويرة وبغداد والخالص وطوز خورماتا وكركوك واقتربنا من مشارف أربيل .

قلت لأخي وصديقه , بأني أنوي الذهاب مباشرة بعد وصول مدينة أربيل لزيارة أصدقائي ورفاقي اللذين تضم رفاتهم مقبرة شهداء الحزب الشيوعي العراقي القريبة من مدخل المدينة , وخيرتهم في رفقتي , وتحمسوا لذلك .

وصلنا المكان , وهو لا يبعد طويلا عن نقطة السيطرة العسكرية الكبيرة القريبة من مدينة اربيل , والتي أهاجت عصبية أخي وصديقه , بسبب شدة إجراءاتهم الأمنية ومعاملتهم الخشنة , والتي كادت أن تحرم أخي وصاحبه من دخول المدينة , لولا حديثي معهم باللغة الكردية التي تعلمتها في الجبال في حركة الأنصار, ومن ثم ترحيبهم بنا واعتذارهم .

لم تكن المقبرة كبيرة , ولكنها كانت مرتبة ومهيبة , وتشعر بذلك منذ اللحظة التي تطالع فيها أسماء الشهداء المنقوشة على الحجر, والقبر الذي بني حديثا للقائد الأنصاري البطل وضاح عبد الأمير ( سعدون ) , الذي استشهد قبل عام من اليوم في نفس الطريق التي سلكناها اليوم في رحلتنا , وفي نفس المكان الذي كان آخي يقود السيارة فيه بشكل جنوني .

كان أخي وصديقه يقرأن الأسماء وبصوت عال وكأنهم يريدون سماع الصدى الذي تتركه قراءتهم على مسامعي , وكنت حينها أعصر الألم في داخلي محاولا كبت الدموع .


باسل كاظم الطائي ( أبو تغريد )

وقفت قرب المكان متطلعا في الحجر الرمادي وخطوطه السوداء والحروف التي خطت بعناية .

قال صديق أخي :

هل تعرفه ؟

قلت : نعم كان رفيقي في حركة الأنصار , وكنت حاضرا في المنطقة , ليس بعيدا عن مكان استشهاده .

وسرحت بعيد في الذاكرة .....

في تشرين الثاني 1982 شاهدته وتعرفت به في مناطق بشت ئاشان المحاذية للحدود العراقية الإيرانية , وكانت يومها أماكن خلفية لقيادة الحزب الشيوعي العراقي . والذين تعرفهم في خلايا الكفاح الثوري يكون لهم في كل مرة وقع وتأثير في الضمير والذاكرة .

وفي هذا الشهر بالذات , تشرين الثاني 1982 كنت قد وصلت وادي ( بشت ئاشان ) , بعد مسيرة طويلة وشاقة تجاوزت الشهر , عبرنا فيها عشرات الأنهار والوديان والجبال والحدود والغابات والطرق الجبلية وشوارع الإسفلت وخط نفط كركوك ومفارز الجيش التركي و ربايا الجيش العراقي وكمائن المرتزقة الجحوش . وكان ما جلبناه لرفاقنا على البغال العملاقة في ذلك الشتاء القارس من سلاح ومال ودواء وكتب وغيرها , وهي هدايا لا تقدر يومه بثمن , معينا لنا على الصبر والتحمل في تلك المسيرة المضنية .

في الوادي ( بشت ئاشان ) لم أمكث سوى يومين في موقع لأحد الفصائل يجاور المستشفى الصغيرة ( الطبابة ) .

في اليوم الثالث شددت رحلي برفقة أحد الرفاق صاعدا التلة التي تفصل بين وادي( بشت ئاشان) ووادي ( بولي ) الصغير .

في هذا الموقع الجديد استقبلوني بفرح ومودة ورفقة , وكان معهم الشهيد باسل ( أبو تغريد ) . والذي جذبني فيه اسمه الذي لا يخلوا من رومانسية , وخمنت يومها , لعله لا زال يحتفظ بذكرى الفتاة التي أرغم على مفارقتها , فسمى نفسه هكذا حبا بها . وبعد مرور سنوات طويلة , وبالذات حين فقدنا ( أبو تغريد ) ورفاقه في سهل اربيل , وفي قرية ( هيله وه ) عام 1987 , وفي معركة غير متكافئة مع هليكوبترات وأوغاد صدام , عرفت بعد أن كتب الرفاق اسمه علنا ( باسل ) أن اسمه الحقيقي يليق بشخصيته الباسلة , وباتخاذه طريق البسالة في درب الشيوعية .

وهذا الإنسان الطيب والشهم كان طائيا أيضا , بالمعنى الذي ارتبط به الاسم , واقصد الكرم . فرغم أن جميع الأنصار هناك كانوا دراويشا لا يملكون سوى المبلغ البسيط الذي يعطيه الحزب في كل شهر , وهو لا يكفي لشراء السجائر , وهو مثلنا تماما , لكنه كان يدعونا في كل ليلة في ضيافته وتناول الطعام الذي يطبخه بنفسه ............

قرأ آخي وصديقه الأسماء جميعا بعد أن مروا بقبور الشهداء جميعا , وكانت قسمات وجهيهما توحي بالحزن والألم وعدم الضيق مما أعطاني فرصة أن امضي طويلا في إثارة الذاكرة الطرية , ومضيت ......

في تلك الأيام الشتوية القاسية من عامي 1982 , و 1983 , وفي منطقة ( بولي ) تعرفت به , وكان المكان يضم فصيلا شيوعيا متقدما لحماية الرفاق في وادي ( بشت ئاشان ) .

ولم يمض على وجودي هناك يومين , حيث كلفوني بمهمة مساعد الخباز , وكان رئيسي في المهمة الخباز الشهيد ( أبو تغريد ) الذي دلني على الطست الكبيرة ومكان الملح والمقادير وكيفية غلي الماء , وكل التفاصيل . وعجنت الطحين في ذلك اليوم الشتائي الذي غطت ثلوجه أطراف الوادي وقمم جبال قنديل العالية , وخبزناه سوية وسط الأحاديث والضحك . وصرت واحدا منهم يوم أكلت وجبة العشاء الأولى وكانت عدسا لذيذا زاد من لذته الخبز الحار الذي عجنته كفي وخبزته يد ( أبو تغريد ) بعناية العارف .

وسيم الطلعة , متوسط القامة , من مواليد 1957 ومن مدينة الحلة , تغطي وجهه لحية طويلة تميل إلى الصفرة يعلوها شارب طويل غطى شفته العليا . وكانت هذه المعالم تضيف له طيبة ووقارا وهو يمضي بفكاهته اللذيذة وتعليقاته الساخرة , وكانت لديه قدرة هائلة على كبت الألم وتحويل الحزن إلى ما يشبه الفكاهة , وهذه قدرة فائقة لا يجيدها أيا كان .

وودعنا المقبرة والشهداء متجهين للمدينة . وفي فندق المدينة ليلا قصصت لهم حكاية كرم الشيوعي باسل كاظم الصفار ( أبو تغريد ) ......

اعتدنا تناول اللبن أو العدس صباحا كوجبة فطور , وفي الظهر تكون الوجبة عادة فاصوليا مع الرز , وفي العشاء يتبادل العدس مكانه مع اللبن , فحين يكون صباحا يكون العدس مساء , وهكذا . وليالي الشتاء طويلة ومملة ونحن ننحشر في غرفة طينية كبيرة ضمتنا , وكانت شبيهة بعراق مصغر, ضمت اكثر من عشرين رفيقا ومن مدن العراق جميعها تقريبا . في هذه الأجواء الكئيبة ابتكر الفكاهي الطيب صاحب الطرفة اللاذعة والتعليق الساخر ( أبو تغريد ) طريقة جديدة لنسيان الهم ومقاومة العوز والحرمان , وقد استحسنا جميعا تلك الفكاهة .

في المساء يخيم الظلام على سفح الجبل وعلى فصيلنا ( بولي ) , وتشعل الفوانيس وتعلق وسط الغرف الطينية , ونظل نحن جالسين في أماكننا نتبادل الأحاديث والتدخين وشرب الشاي , والمدفأة الخشبية تتقد نيرانها مشيعة الدفء والراحة . قبل الخلود للنوم يبدأ ( أبو تغريد ) أداء المشهد الذي يكون خاتمة السهرة قبل النوم , والمشهد عبارة عن طبق طعام يختاره هو بنفسه في كل ليلة , معلنا عن اسمه , ثم يبدأ تهيئة مواده وتحضيرها , شارعا في إعداد الوجبة وبكل حنكة الطباخ . كنا نحن نصغي بصمت حتى انتهاء الوجبة , أحيانا لا يتمالك أحدنا نفسه ساخرا ببعض الكلمات ( ولك مو موتتنا من الجوع ) , ( كافي شبعنا ) , ( سأقترح على الإداري أن تكون الوجبة القادمة كهذه الطبخة ) , وغيرها من التعليقات .

ومضت الأيام , وصعدنا جبل قنديل بثلوجه وطرقه المخيفة في تلك الأيام العجاف من عام 1983 , وبعد أحداث ( بشت ئاشان ) التي تركت ألما في ضمائر الشيوعيين الذين عاشوا أحداثها ومآسيها . ثم التقيت بالشهيد في منطقة ( بارزان ) في نفس العام 1983 بعد أن حللنا هناك لنكون النواتات الجديدة لإعادة تأسيس قاطع أربيل . وكان كما عهدناه , نفس الابتسامة , ونفس السخرية الطريفة , ونفس الطيبة والبساطة , والسيجارة لا تفارق يده النحيفة .

بدأ الليل يهبط على مدينة اربيل وخلت الشوارع من المارة ولكن نافورة الماء أمام مبنى المحافظة ظلت ترش ماءها , كنت الحظها عبر نافذة شباك غرفة الفندق , ونام أخي وصديقه , وظللت وحدي في حلمي وسط بحر الذاكرة .

وسط سهل أربيل نشطت ثلاث سرايا شيوعية جسورة ( قه ره جوغ , أربيل , به رانتي ) , قامت بعمليات عسكرية كبيرة , ونشاطات جماهيرية .

وقد احتفت هذه السرايا بمقدم بعض المقاتلين من قواطع أخرى , ومن ضمنهم ( أبو تغريد ) الذي نسب للعمل في سرية الشهيد عباس ( اربيل ) .

وفرحنا بمقدمه واستذكرنا طرفه وحكاياته الجميلة ودعاباته , وكان كما هو , نفس الثقة بالنفس , ونفس الابتسامة .

وقد أحبه الأنصار الشيوعيين الكرد , وتعززت علاقته الطيبة بهم , رغم أن اغلبهم أبناء مزارعين ورعاة , وهو الشاب القادم من الدراسة في المعهد الفني في بغداد , ومن سكان مدينة الحلة .

كان يجهد للحديث معهم بالكردية , محاولا إتقانها . يتذكره الجميع والرشاش الأسود يتدلى من على كتفه .

وقد شارك في الكثير من المهمات الأنصارية العسكرية , وفي مهمات نضالية كثيرة , وبكل شجاعة وإقدام .

في الأيام الأخيرة التي سبقت استشهاده عام 1987 ورفاقه في تلك المعركة الفاجعة , التقينا في مقر سريته ( عباس ) , مستذكرين أيام ( بولي ) ووجبات العشاء التي كان يطعمنا إياها , وحدثنا في سخرية في تلك الليلة وأنصتنا سوية , وكان هذا العشاء الأخير الذي يطعما به ( الباسل أبو تغريد الطائي ) .

على تراب هذه القرية ( هيله وه ) الممتدة على سهل أربيل فقدنا أحبة لنا في المعركة الباسلة المسماة باسم القرية ( هيله وه ) في الثالث عشر من تشرين الثاني 1968 , وهم (( علي نذير أحمد(عادل),عثمان خضر كاكيل(سه ركوت),هيرش مجيد(سمكو),ممتاز محمد إبراهيم(بيشرو) )) ,وبعد قرابة العام وليس بعيدا عن مكان المعركة الباسلة هذه فقدنا العزيز الشهيد باسل كاظم الطائي ( أبو تغريد ) مع كوكبة من الشهداء, الدكتور سعيد ( هاني دنحا داود , أزاد , وبقية رفاقهم الخالدين ) .

في هذه المعركة الغير متكافئة تخسر الحركة الأنصارية والحزب الشيوعي العراقي , والشعب العراقي ابنا بارا وشهما ستخلده الأيام , وسيكون مفخرة لمدينته الحلة , وللعراق كله . لقد كافح واستشهد في أبسل حركة شيوعية مقدامة ووطنية قاومت اعتي دكتاتوريات المنطقة , وفي زمن نحس ولئيم .

المجد والخلود لك يا باسل ...

ستظل راية الشيوعية خفاقة في الوطن .

ولن تكون الدماء رخيصة يوما يا باسل .




السويد
8/2/2006

الأربعاء 8/2/ 2006

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة