ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 


ذكريات الزمن القاسي

(21)


محمد علي الشبيبي

في مديرية الأمن العامة
مرَّ على إعتقالي يومين ولم يزرني أي زميل من اللجنة الإتحادية وكنت بحاجة ماسة للإتصال بهم وتوضيح ملابسات ماحدث لي ولإيصال المعلومات عن وضعي للحزب، كما كنت قلقاً على الرفيقين الذين رافقاني للكلية والمسدس الذي تركته في البيت، ولكن للأسف لم يفكر أحد بهذا!. تفاجأت بزيارة أحد زملائي في الصف ألأول وهو الزميل محمد رشيد عبدان، فلم أتوقع أن يبادر هذا الزميل الوفي بزيارتي. لم يكن محمد عبدان من الطلبه الناشطين إتحاديا ولا من الحزبيين ولكن موقفه فترة الإنتخابات كان شجاعا وجريئاً عكس الزميلين (ف.و ص) اللذين كانا يتهربان طول الفترة ولم يحاولا أن يكونا بجانبي. حتى مبادرته لزيارتي رغم قصر فترة تعارفنا تدل على أنه أنسان يقدر الصداقة ولا يتهيب أو يتحفظ، مثل البعض، في زيارتي وتقديم المساعدة لي إذا ما إحتجتها. أخبرني محمد أنه أبلغ زملائي برغبته لزيارتي وكان موقفهم لا أباليا مبررين ذلك بضرورة الحذر وعدم الأتصال بي! كما أبلغني أن البعثين بعد أن هربوا وأصيب أحدهم قابلوا بطريقهم ظافر عبد الله وأعتدوا عليه بالضرب إنتقاما لما لاقوه منا. وبقي هذا الزميل الوفي مواضب على زيارتي طول أيام إعتقالي في أبي غريب. وحاولت زيارته في بيته، لتقديم شكري وإمتناني له لموقفه الطيب معي، بعد ألإفراج عني في أيلول عام 1967 ولم أجد أحداً في البيت وقد أخبرني جار لهم بإنتقالهم من البيت ولا يعرف عنوانهم الجديد، وهكذا فقدت صديقا وفيا ولم أتمكن من التواصل معه. وشاءت الصدف عام 1988 أي بعد أكثر من 20 سنة على تلك الأحداث أن أسافر الى ليبيا للبحث عن عمل، ويكون بيته أول بيت يستضيفني في طرابلس بدون أن أقصد ذلك، ويقدم لي ألشاي من سماوره الجميل ونتبادل الحديث ونحن نجلس في زاويتين متقابلتين من الغرفة، ولم نكتشف بعضنا لأن وجودي في بيته كان موقتا فأنا أنتظر ألصديق الراحل د. صالح زيدان طيب الله ثراه لأسكن معه موقتاً، حتى جاء لزيارته صديقين وقد عرفني أحدهم وسألني أن كنت أتذكره، وللأسف خانتني الذاكرة حتى بادر هو بتقديم نفسه وكان زميلا لي في سجن الحلة قسم المعمل عندما أعتقلت بعد إنقلاب 8 شباط الدموي عام 1963. حينها سألني محمد رشيد ليتأكد عما سمعه عن حقيقة أسمي وعندما أكدت له إسمي إنتفض من مقعده ليحييني بحرارة وشوق وتعجب معلقاً: لقد حسبتك قد إستشهدت!! ها أنت حي! وحضنني وهو يقبل صديقا إفتقده لعقدين ولم تكن عمر صداقته سوى أسابيع معدودة، ومازال يتذكر صديقه ويحن لصداقته ولتلك الأيام.

لم يدم إعتقال قصي وزميله طويلا فقد اُفرج عنهما بكفالة بعد يومين، لأنه يوجد من يتابع وضعهما. شجعني الإفراج عن قصي وزميله على تقديم طلب بالإفراج عني بكفالة، خاصة بعد أن وجدت نفسي وحيدا لا يوجد من يسأل عني من زملائي أو رفاقي، حتى عائلتي تجنبت إبلاغها، لأن والدي كان له موقفا آخر من مشاركتي في الأنتخابات، لذلك لم تعرف عائلتي بما جرى لي إلا في نهاية الأسبوع بعد أن عاد بعض زملائي الكربلائيين الى كربلاء. أزعجتني لا أبالية زملائي وتركي معتقلا دون محاولة الأتصال بي وتوفير ما أحتاجه، أما تبريرهم للحذر فهو تبرير أقل مايوصف بالجبن وعدم توفر الحد الأدنى من روح التضامن مع زميل في قيادة اللجنة الأتحادية في الكلية، وكان المفروض أن تشجعهم زيارات محمد رشيد عبدان لي أو على الأقل أن ينسقوا معه لا أن يتهربوا حتى من التنسيق معه، فمبالغتهم بالحذر لا أساس لها فأنا معتقل في مركز شرطة، وليس تابعا لمديرية الأمن وحتى لايوجد فيه قسم للأمن، وهاهو محمد رشيد يكرر زياراته لي من دون أن تسبب له الزيارات أية متاعب.

كتبت طلبا لحاكم التحقيق وقدمته صباح اليوم التالي ولكن الحارس الخفر الذي أستلم الطلب أعاده لي مرفوضا من قبل مأمور المركز ولم يرسله للجهة التي عنونت طلبي اليها وهو حاكم تحقيق الكاظم، لأن أبي غريب كانت تابعة للكاظم في ذلك الوقت. قررت الأضراب عن الطعام لحين إستلام طلبي وقدمت مذكرة بذلك، تم إعادة المذكرة مع تعقيب شفوي بأني لست سياسيا كي أضرب عن الطعام!!. لم أهتم بالرفض وأعلنت ألإضراب وأبلغت محمد رشيد أثناء زيارته الثانية ليبلغ ظافر وبقية ألزملاء بإضرابي. كنت واثقا بأني سأحقق مطلبي من خلال ألإضراب، لأني لاحظت حتى المدير لم يكن مقتنعا بإفادات ألطلبة ضدي، لاحظت ذلك من خلال مقابلتي له ومعاملته لي بكل أدب وأحترام، ورفضه لتصرف مأمور ألمركز في ألإعتداء عليَ. رفضت إستلام وجبة الغداء وتركتها خارج الموقف جانب الباب. جاء مأمور ألمركز مستخفا بقراري، فحملته مسؤولية تصرفه ورفضه لأستلام طلبي. في اليوم الثالث من إضرابي في ألثانية بعد ألظهر جاءني الحاج والي ليخبرني بالموافقة بإستلام طلبي، وأبدى إستعداده لأخذ الطلب بيده للحاكم. أعطيت دينارا للحاج والي كمصرف تاكسي للذهاب إلى الكاظم بسرعة قبل إنتهاء ألدوام. عاد ألحاج ليبشرني بأن ألحاكم أطلق سراحي بكفالة قدرها 50 دينار! وقيمة ألكفالة تؤكد كم كانت إتهاماتهم مبالغة وركيكة حتى أن ألحاكم لم يرى في إطلاق سراحي خطورة.

لابد من ألحديث عن الحاج والي، هذا الإنسان البسيط النبيل والشهم، ندر أن يوجد مثله في أجهزة الشرطة في ذلك العهد. كان ألحاج والي في عقده الخامس، ضخم وطويل القامة. وعلاقته بالموقوفين كانت ذات طابع إنساني، ويتعامل معهم بإحترام، ويحنو على ألشباب منهم. تشكلت بيني وبينه علاقة صداقة وثقة غير معلنة منذ اليوم الأول من إعتقالي. خلال فترات إعتقالي وتنقلي بين مختلف المعتقلات لم أصادف شرطيا بطيبة وإنسانية وجرءة الحاج والي. كانت أجهزة الشرطة رمز لظلم وأستبداد الأنظمة القائمة، وكان معظم الشرطة يتصرفون بإستبداد وعدم إحترام للمعتقلين إرضاء لمرؤوسيهم، أو شعورا منهم بالنقص وإحساسا منهم بكره الشعب للأجهزة الأمنية. أما الحاج والي تصرف معي بشجاعة وشهامة عندما تصور بأني سأرشد الشرطة للبيت الذي إختفيت فيه، وطلب مني عدم فعل ذلك. وشجاعته في إخبار مدير ألمركز بإعتداء المأمور علي وإنقاذي من إستمرار المأمور بممارسة ساديته وحقده علي. وأخيرا موقفه الشهم بالتطوع لأخذ طلب كفالتي بنفسه لحاكم تحقيق قضاء الكاظم بالرغم من معرفته أن تصرفه هذا لايرض مأمور المركز. فأخلاقه وتربيته ماتزال لم تتأثر بالسلوك الاستبدادي وللا أخلاقي الذي تربت عليه الأجهزة الأمنية في تلك الأيام، وما زال يحمل في داخله القيم والاخلاق الطيبة التي تربى عليها أبناء شعبنا النجباء. هذه المواقف النبيلة لابد من الإشارة لها بإمتنان لهذا الشرطي النبيل والذي حافظ على نبله وطيبته العراقية بالرغم من عمله في أحد أجهزة وأدوات ألإستبداد في ذلك ألزمن. امنيتي أن يطلع هذا الأنسان أو أحد أبنائه على هذه الإنطباعات ألطيبة عن والدهم، وللأسف لم تساعدني ألظروف على ردِّ جميله أو حتى زيارته.

زارني محمد عبدان وحاول كفالتي لكنها رفضت لأن دخله لايساعد. كان بإمكاني تكليف محمد بالإتصال برفاقي في شارع النهر لتدبير مسألة كفالتي، لكنني كنت حذراً ولم أرغب في إقحامه في الإتصال برفاقي. ولم أطلب منه ألأستعانة بزملائي في الكلية، لأني فهمت من أحاديثه ترددهم وعدم رغبتهم في الإتصال بي وقد يرفضون أو يتهربون حتى من إيجاد كفيل لي إذا ماكلفتهم. وكنت في صراع ذاتي مع ماقررته في تحمل مسؤولية نشاطي خلافا لرأي الوالد أو الأضطرار الى طلب مساعدة عائلتي وإقحامهم بمشاكلي مجددا رغما عنهم، وأنا واثق أنهم لن يتخلوا عني. لم يكن أمامي سوى الأستعانة بمحمد أبو الأربطة أحد معارف أخي همام، وهو رجل شهم وطيب يملك محل لبيع الملابس والاربطة المستعملة (اللنگات)، وليس له إهتمامات سياسية لكنه متعاطف معنا. وشجعني على فكرة الأستعانة بمحمد أبو الأربطة هو علاقته بصبري العامل الذي رافقني ورفيقه يوم إعتقالي في الكلية، ولا بد أنه سمع ولو القليل عما جرى لي في الكلية. ومحل محمد يقع في سوق (أبو الجام)، وهو الزقاق الذي يربط شارع الرشيد بشارع الجمهورية ويقع بين سوق الشورجة والساحة التي ينتصب فيها تمثال الشاعر معروف الرصافي، كما أنه من السهل الأهتداء والوصول اليه، خاصة أنه يتخذ من محله سكناً ايضاً. بينما كنت أصف لزميلي موقع محل محمد أبو الأربطة، وصل والدي، وكأنه نزل لي من القمر وأنقذني من مأزق لم أكن واثقا على قدرتي لمعالجته.

منذ إعتقالي تجنبت ألإتصال بعائلتي وقررت ألإعتماد على نفسي وعدم تحميل عائلتي متاعب بسبب نشاطاتي السياسية، خاصة أن والدي كان له رأيا بعدم المشاركة المباشرة بالإنتخابات وأن لا أكون في الواجهة الأمامية في النشاطات السياسية والحزبية، وأن أهتم بدراستي لأعوض عن السنين ألتي ضيعتها في ألسجن. عندما أستمعت لرأي والدي قبل الأنتخابات أوعدته بأني سأتجنب النشاط المباشر والعلني. لكن تهرب الزميلين (ف. و ص) من ترشحهما وهما الوحيدان المزكان لنا من قبل الحزب، لم يتركا أمامي خيار آخر سوى ترشيح نفسي لخوض الإنتخابات. كنت أقدر موقف والدي وحرصه على مستقبلي الدراسي والسياسي، فهو لم يمنعني يوما ما من النشاط السياسي، وكان دائما يتابع سياسة الحزب من خلال أخي الراحل همام ومن ثم من خلالي ويعرف علاقتي الحزبية. فبعد قبولي بكلية الزراعة أي بعد أكثر من سنة ونصف من خروجي من السجن، أرسل الحزب في كربلاء رفيقا يحمل أشارة ألإتصال، التي أتفقت عليها مع منظمة سجن نقرة السلمان، لأيصالها لي، ولما تعذر عليه الأتصال المباشر بي لوجودي في بغداد أضطر وبدافع ثقته الإتصال بالوالد لإيصال إشارة الإتصال عبر الوالد. وبهذه المناسبة أتطرق لمفارقة سببتها صعوبة وتأخر الأتصالات الحزبية بسبب الضربة الشرسة التي وجهت للحزب منذ 8 شباط وأستمرت في ظل حكومة عبد السلام وأخيه عبد الرحمن عارف. كانت إشارة الأتصال عبارة عن سؤال ( هل إستلمت كتاب التأريخ؟) والجواب (لا، للأسف لم ألتقي بعامر). وبعد مرور أكثر من سنة ونصف على خروجي من سجن النقرة، وترتيب علاقتي الحزبية، وإنغماري بالدراسة والعمل الحزبي والطلابي، نسيت أشارة الأتصال والتي لم أعد بحاجة لها. ولما أضطر هذا الرفيق بإيصال الأشارة عبر والدي، لم تبدر ببالي في أول الأمر إشارة الآتصال، وحسبت أن السائل يريد أن يتأكد من كتاب (إقتصاد) أستعرته قبل أيام من أحد أبناء النقيب كنت بحاجة أليه في الكلية، فقلت للوالد: أني أستلمت كتاب اقتصاد وليس تأريخ! وتكررت تساؤلات الرفيق وبالتأكيد كان مستغربا وغير مقتنع بالجواب، ووالدي يؤكد له في كل مرة أن محمد استلمت كتاب إقتصاد وليس كتاب تأريخ. ويمكن للقاريء أن يتصور الإرباك الذي وقع فيه الرفيق الذي يبحث عني لربطي بالتنظيم الحزبي. حتى أثار تكرار زيارات هذا الرفيق للوالد ذاكرتي، وتذكرت أن الشخص هو رفيق يحمل سر الأتصال، فإضطررت أن أصارح الوالد بعلاقتي بالحزب وطلبت من الوالد أن يخبره بأني لست بحاجة لهذه الصلة، لذلك لم تكن صلتي الحزبية خافية على والدي.

عندما قابلني ألوالد كانت نظراته فيها شئ من العتاب لعدم صدقي معه، ولم يكن الظرف يسمح لشرح وتبرير تصرفي ولماذا أضطررت للمشاركة في الإنتخابات أو لإستعمال السلاح. كان مجئ الوالد صدفة بعد أن سمع عن أخباري بمبالغة وتشويه من قبل بعض طلبة كلية الزراعة الكربلائيين وربما هم أيضا لم يكونوا عارفين بتفاصيل ماحدث، ولم يعرف أنه تم الإفراج عني بكفالة وأني أبحث عن كفيل. وصول الوالد حل مشكلة الكفيل وتكفلني. لكن مأمور المركز أخبرني بتشفي بأنه لايمكن إطلاق سراحي لأن مدير الأمن ألعام يطلب مقابلتي في مديرية الأمن العامة، وأنهم سيأخذوني ألى هناك. شكرت الوالد وطلبت منه العودة للأهل وأوعدته بأني سأتصل بهم حال ألإفراج عني وخلاف ذلك يعني أني محجوز في ألأمن ألعامة.

عند وصولي للأمن العامة لم يكن مدير الأمن العام موجودا، وبقيت أنتظره في هول صغير تحيط به أربعة غرف من ضمنها غرفة مدير ألأمن العام وربما الغرف الاخرى لمساعديه أو غيرهم من مسؤولين. كنت تحت حراسة ثلاثة من شرطة الأمن، وكانوا يتناوبون في حراستي، وأحيانا يبقى واحد منهم معي وأحيانا اخرى يكون الجميع متواجدين. تجمعوا حولي في الهول ، طبعا كانوا بملابس مدنية وجميعهم من الشباب، سألوني بفضول عن سبب طلب المدير لمقابلتي. وأخبروني بأنه سيعود في ألساعة ألواحدة ليلا بعد أن ينهي سهرته في أحد الملاهي أو من جلسة البوكر والسكر. خلال فترات أعتقالي وتنقلي بين مختلف المواقف والمدن لم ألتقي بأضرف من هؤلاء الشرطة. من الساعة الاولى ألتي تواجدت بينهم تكونت علاقة طيبة وصادقة بيني وبينهم، خاصة بعد أن إحتاج أحدهم طابعا ماليا وكان لدي طابعا فاعطيته له. كانت رغبتهم شديدة لمعرفة أسباب أعتقالي وأهتمام ألمدير بلقاء شاب بعمري. أخبرتهم بإختصار إني أعتقلت بسبب فوزي في الإنتخابات الطلابية، وتعرضت للأعتداءات من بعض الطلبة المستهترين، وبدل إعتقال المعتدين علي أُعتقلتُ أنا. علق أحدهم وبسرعة وكأنه أكتشف سراً كبيراً: إذن أنت شيوعي!! وأضاف سوف يحولك المدير لمكتب محمد صالح فهو المسؤول عن قضايا الشيوعيين. علق آخر بأن هذا ليس أكيدا فالمدير سيصل ويطلب منه جلب وجبة عشائه المفضلة أولا، وهي دجاجة مشوية شرط أن لايكون جلدها قد شوته ألنار أكثر من أللازم. وواصل حديثه لي: ويداعيك كالعادة يتقصد أن يختار ألدجاجة المشوية زيادة عن اللازم خلافاً لرغبته، فيشتمني ويسبني لغبائي لأني في كل مرة اُكرر نفس ألخطأ وهو لايعرف بأني أذكى منه وأتقصد تكرار الخطأ، وبعد أن يأكل قطعة صغيرة منها يدعوني لأخذها ونحن في إنتظار وليمة المدير المحترم! قال هذا ساخراً، وأضاف هذا الشرطي ليقص عليَ أسباب أنتمائه لسلك الأمن، مبررا ذلك كونه فشل دراسيا في المتوسطة وكان أمامه أحد خيارين أما الإلتحاق بالخدمة العسكرية وتحمل مصاعبها أو أن ينتمي للأمن ويعتبر ذلك خدمة عسكرية. وأنتهز ذهاب زملائه فأضاف: أنا ألآن مرتاح في عملي وأحمل مسدس جميل يهلهل تهلهل، وأذا حدث إنقلاب فأنا أول من سيفرغ طلقاته في رأس المدير!!!. إستغربت من حديثه وصراحته وجرأته وهو يتحدث في مركز مديرية الأمن العامة، ربما إطمأن لي بعد أن خمن إنتمائي، ولكني كنت حذرا ومترددا معه في مجاراته بالحديث، فمهما يكن فهو شرطي أمن. لما وجدني حذرا سألني لماذا نحن الشيوعيون لم نستلم الحكم، فالبعثيين والقوميين إستلموا ألحكم إلا أنتم!؟ قلت له إني لست شيوعيا، وهم أفضل من يعطيك جواباً شافياً، ولكن أعتقد أنهم لآيحبذون أستلام السلطة وكل مايهمهم أن يكون الحكم وطنيا وديمقراطيا ويفكر بمصالح الناس الفقراء، هذا مايناضل من أجله الشيوعيون، ولم يفكروا بأن يكونوا في قيادة السلطة. لم يكن هؤلاء الشرطة فظين معي بل كانوا يعاملونني بإحترام، وخلال وجودي بينهم أكثر من ستة ساعات أنشرحوا لي وتحدثوا عن بعض أسرارهم في عملهم مع مرؤسيهم. فصاحب المسدس (أليهلهل) يعمل كفراش وأحيانا سائق لمدير الأمن، أخبرني كيف يذهب له صباحا للبيت قبل الفطور لإحضاره للعمل، فيطلب منه أن يأتيه بفطوره، وهو عبارة عن قيمر (قشطة) ومربى التفاح والعسل، وفي طريقه بالفطور للمدير يلتهم إحدى تفاحات المربى ويلعق حتى من العسل، ويعلق قائلا أني محروم من المربى والعسل لولا عملي هنا، أنهم يعيشون في نعيم أما أنا أعيش على فضلاتهم ومقتنع بحياتي، ولكن مع هذا فأنا أيضا تركت للمدير فضلاتي بعد أن ألتهم يوميا تفاحة المربى وألعق من العسل.

شرح لي هذا ألشرطي عادة المدير في لقائه مع ألمعتقلين وقال : سيستقبلك بعد أن يتناول الدجاجة التي أجلبها له، وسَيُهيأ قبل أللقاء جهاز التسجيل لتسجيل ما يدور بينكما من حديث، وغداً يستمع للتسجيل بعد أن يصحو من سكرته، فإذا أعجبته إجاباتك سيطلق سراحك وإذا لم تعجبه ستبقى موقوفا وقد يستمروا بالتحقيق معك في مكتب محمد صالح، وهذا معروف بحقده على الشيوعيين ويستعمل التعذيب القاسي معهم في التحقيق حتى وأن كانوا أبرياء.

وصل المدير كما قالوا في ألواحدة ليلا، وأنا في إنتظاره أكثر من ست ساعات، نظر اليَ وسألني إن كنت أنا الطالب من كلية زراعة أبي غريب، فأجبته نعم وهو يتمعن في وجهي، ربما كان يريد أن يتذكر ملامحي فلربما التقاني من قبل. طلب عشاءه ألمعتاد وعندما جلب السائق العشاء كشف الدجاجة المشوية أمامي ليثبت لي صحة ما قاله، بأنها مشوية أكثر من المطلوب. بعد دقائق طلب المدير سائقه، ودخل السائق مبتسما، وكأنه يقول لي هل صدقتني الان، هاهو يترك بقية الدجاجة لنا. وخرج من غرفة المدير منتشيا وهو يحمل صينية الطعام ، وتجمع حوله زملاؤه ليشاركوه الوليمة ولم ينسى أن يدعوني لمشاركتهم، لكن جرس المدير دعاه ليطلبني للدخول لمقابلته. وقبل أن أدخل على المدير عاد هذا الشرطي ليهمس بأذني ويذكرني بما قاله عن أسلوب مديره بمقابلة المعتقلين. دخلت على المدير وفي بالي ماحدثني سائقه عن إسلوبه في تسجيل اللقاء وقررت أن أستفاد من ذلك لربما يقتنع بإطلاق سراحي في اليوم الثاني. كان حديثه معي مهذبا، تحدث عن عائلتي بإعتبارها عائلة اُدباء وشعراء ومشهود لهم بالوطنية ومكانتها الإجتماعية والسياسية، وعاتبني كوني شاركت ورشحت في الإنتخابات الطلابية!! وأننا الطلبة تجاوزنا حدودنا ولم نقدر رغبة السلطة في إشاعة الديمقراطية، وخضنا صراعاتنا بشكل فظ ، وأكد لي جديته وصدقه لمساعدتي أذا ما تعاونت معهم. إعتذرت له لما حدث وشرحت له بأني ضحية لتصرف بعض العناصر المستهترة والفاشلة إجتماعيا ودراسيا والتي كانت تعرف مقدما خسارتها بالإنتخابات فمارست ضدي وضد ألآخرين إسلوب الإعتداءات لإرهاب الطلبه ومنعهم من التصويت ومع هذا فشلوا وفزت. أما لماذا شاركت ورشحت نفسي ، فهذه رغبة السلطة لأنها صاحبة مشروع الإنتخابات ولابد من الإستجابة لرغبتها لأنجاح مشروعها، كما أن زملائي بالصف يحترمونني وطلبوا مني تمثيلهم ، وليس من المعقول أن لآ أستجيب لرغبة السلطة والطلبة. أما الحديث عن إستعمالي للسلاح ومعي مرافقين مسلحين أيضا فهذا تلفيق من قبل ألمجموعة ألتي خسرت ألإنتخابات ويمكنك ملاحظة ذلك إذا أطلعت على إفاداتهم المتناقضة مما يدلل على كذبهم ، وكان كذبهم سببا في قرار الحاكم بالإفراج عني بكفالة بسيطة جدا. لم يخلُ حديثه من الإغراءات والوعد بمساعدتي بعد فصلي نهائيا من الجامعة ، وأنه مستعد أن يحصل لي على قبول في كلية القوة الجوية أذا رغبت، أو العمل في الأجهزة الأمنية وبراتب محترم ، مشيراً الى أن قرار فصلي من الجامعة يعني عدم قبولي بأية كلية مستقبلا وهذا يعني ضياع مستقبلي الدراسي إذا كنت طامحاً بإكمال دراستي. لا أدري لماذا إختار القوة الجوية من دون بقية الكليات لربما لعدم خضوعها لنظام الجامعات. قلت له كوني من عائلة أدباء مشهود لهم بالوطنية ولهم مكانة إجتماعية مرموقة ، فأنا أطمح في إتمام دراستي الجامعية ، كما أني لآ اجيد العمل في أجهزة الأمن التي تتطلب قدرات خاصة أفتقدها. كانت إجاباتي مختصرة لأتهرب منه دون أن أثيره. أنتهى أللقاء بتوقيفي دون أن أعرف ألى متى سيتم إحتجازي منتظرا ليوم الغد ليتوضح لي قرار المدير كما قال سائقه. حجزت في غرفة للشيوعيين وأصدقائهم. لم تدم إقامتي في ألموقف طويلا، فبعد ثلاثة أيام من وجودي في ألحجز تأكد لي بأن المدير لم يرتاح لأجاباتي ، وتم نقلي ألى معتقل الفضيلية.

يـتـبـع


¤ الحلقة العشرون

¤ الحلقة التاسعة عشر

¤ الحلقة الثامنة عشر

¤ الحلقة السابعة عشر

¤ الحلقة السادسة عشر

¤ الحلقة الخامسة عشر

¤ الحلقة الرابعة عشر

¤ الحلقة الثالثة عشر

¤ الحلقة الثانية عشر

¤ الحلقة الحادية عشر
¤ الحلقة العاشرة

¤ الحلقة التاسعة

¤ الحلقة الثامنة

¤ الحلقة السابعة

¤ الحلقة السادسة

¤ الحلقة الخامسة

¤ الحلقة الرابعة

¤ الحلقة الثالثة

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى

 

الأحد 8/10/ 2006

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة