ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

"مصطفى عبد الزهرة الناصر"
الذي ضحك من هذا الزمان


علي جاسم شبيب


                             ردني إلى بلادي               مع نسائم غوادي

تجلجل ضحكتك في القاعة الكبيرة، ونسيم الفجر يهب علينا. كنا وحيدين في قاعة كبيرة فوق صالة( ميمي) للحلاقة في مدينة دمشق الفتية الهادئة، المتمكنة والعزيزة..
لم استطع النوم في ليلة من ليالي نيسان المزهر.. أنت تضحك من نسمات تحملنا على كفيها البيضاوين إلى بلادنا وأنا أمد يدي لألمس آخر خيوط الليل، كنت حالما وأنت تضحك بزوغ يوم جديد..وبعد أن خلصنا الكلام كله، وضاعت ذكرياتنا عن البصرة والجيل المهيب، علت ضحكاتك مرة أخرى، فيها شئ من شوق وأمل وإخلاص، فبسطت كفيك للنسائم الندية لهذا الفجر المراوغ. يا مصطفى-: الم أنهك عن الضحك في ساعات الفجر المريبة، خوف النهار القادم..ولكنك أقنعتني قبل أن ننام ساعة، أن تقرا قصيدة (عراقيون) لعبد الكريم كاصد وكنت تحفظها قبل أن يجف حبرها على ورق المجلة، ووقفت في القاعة الكبيرة، كنا مثل مسافرين ضائعين في صالة مغلقة، محاطة بالنسيم ولون الفجر..وكانت القصيدة جواز سفرنا، بإيقاعها ورتم موسيقاها المميز وهدير خطواتها، قد أعادت لنا شيئا من التماسك، فدفعنا ساعة النوم، وبدأنا نرددها مثل زاد حل أوانه، فلا بد من التزود للنهار القادم بزاد، يخفف عنا العوز والخسارة لمقاتلين لا يملكون سوى الذاكرة والحلم والإصرار على بقاء نور الفكرة ونيران المشاعر والصداقات الوارفة مثل ظلال شجرة الجوز في (يك ماله).
وفي شوارع دمشق المبتلة بالوداعة والضجيج.. كنا نسير صامتين..لقد عبرنا سوية الثلج الغزير، نحن الجنوبيين، نحب الثلج ونعشق لونه وضياء بلوراته ولكننا لم نلمسه ونعرف لسعاته ولم نعرف عقوباته القاسية، فالحب غير المعرفة، واللمس غير الخاطر والخيال.. ولما نزلنا السفح، لم نكن نعرف ان الثلج سيصل خواصرنا، وكنت تحمل كيسا من الكتب وسلاحك الذي لم يفارقك.. فتجمد الجسد وتصلبت القامة وجفت الكفان، نزعت الكفوف الجلدية التي رافقتني في سفرات قديمة وألبست الكفين المتخشبتين ودفعناك مثل شجرة تمشي، وفي باحة يستريح فيها الرعاة، أنزلنا حزمات (الجلو) من قمم الأشجار العارية وعملنا بها دائرة، وضعناك في وسطها وأشعلنا نار (المجوس)،فاصطليت ونحن ننظر إلى وجهك ورأسك، حتى سمعنا ضحكتك المجلجلة مرة أخرى.. كنت وسط النار تضحك.
-:الم أنهك عن الضحك يا مصطفى؟؟ فانه بطر في هذا الزمان.. الزمان الذي بدأناه من البصرة، في شقة العشار، في خلية زرناها بداية السبعينيات، الراحل هاشم حاتم وأنا وكان مسؤول الخلية الرفيق ناظم معتوق (أبو سلام) وكنتم تناقشون، بنودا من البيان الشيوعي، وكنت المميز في الإضافات والتفسيرات العلمية..اذكر انك ركزت على دور الوعي الطبقي وكيف للعامل أن يصل إلى الوعي السياسي وأتذكر عندما خلطت ما بين الطبقة بذاتها ولذاتها وقلت انك تكره كلمة الذات.. فهل كنت يا مصطفى موضوعيا!؟ بلى، كنت الجنوبي الوحيد الذي لم يتحدث عن ذاته.. وفي صباح اليوم التالي كنا في سفرة نهرية إلى "بيت الكويتي" ذو الأسدين على الشط الغامر، الشط المغامر، الشط الذي تتذكره دوما، حين تحفز الماء من انهار الجبل.. كنت تردد: هذا ابرد من مائنا ويشعرني بالرجفة وليس فيه طعم ماء الشطوط والأنهار ولم تر فيه سمك الشانك ولا " زرات الصبور" التي تحبها عمتك، عندما تتأخر في وجبة الغداء وتقرض العظام على مهل ثم تتأوه من التعب والخدر في الساقين، وانتم تضحكون.. كنتم تغسلون أياديكم وتغفون بعيدا، تنتظرون هذه الكلمات وتضحكون.. ((أوي تعبت)) وقلت لك يا مصطفى ونحن في بغداد-: الواقع سيكون مرا ومغلقا ولكنك أخذت مقاولة عمل لصبغ حديد في محطة سكك الحديد.. حديد مطروح صدئ، وجمعتنا كعمال في زمن هروبنا واختفائنا عام 1978. كنت تعمل ونحن نراقب، لأننا لا نعرف عمل اليد؟ ولا كيف نصبغ الحديد الثقيل!؟، ولا كيف أن نقلبه على وسائد الخشب؟ وكنت منهمكا بالعمل والتعليم، تعلمنا منك كيف تجري الفرشاة بخطفات سريعة ومادة قليلة من دهان احمر..وتلوثت الأيادي، وكنت تضحك لأننا لا نعرف سوى القلم والطباشير..
عندما زارتك أم حيدر في بغداد، جئت معها إلى الفندق، فرأت نقاط حمر على الجباه فضحكت وعرفت هي المعنى..لقد كانت تعرفك حتى من اغماضة عينيك، واتجهنا بعدها إلى الشوارع العريضة، ذات الأكتاف الرصاصية، المدججة بكل ما هو غامض، سري ومخيف.
الم أنهك يا مصطفى عن الضحك في الحدائق العامة في دمشق؟ لان عيونا راصدة، صلفة تقبع وراء خضرة الشجر وأرجوحة الأطفال.. في العتمة تصدح ضحكاتك مع الرفيقة "مها" وأنتما تلعبان وتنطلقان متسابقين مثل الأطفال، ولكن بلهاث وسعال التدخين اللعين..أتتذكرك حدائق "ألسبكي والمرجة والحلبوني" والمهاجرين وقاسيون في دمشق ذات الغرة والجدائل، حدائق صغيرة وكبيرة، مدورة، فيها مرحك وفيض ابتساماتك وضحكاتك.. ومن صورة ،أضعتها، أخذها لنا مصور متجول تراصفنا نحن الثلاثة مثل لاعبي كرة قدم، فتمددت على الحشيش الرطب الغافي، كنا أصحاب شقاوة وعبث. بين بصرتنا وبغداد وجبال كردستان كان اسم (أبو جنان) النصير المثابر، العارف، البسيط.. يعرف كيف يديم السلاح وخاصة رشاش "العفاروف" وابتكر طريقة سهلة لرصف الطلقات في مخزنها الاسطواني الكبير وعلمنا إعداد الطعام وطبخ الرز وقال يعلمني-: يجب أن يكون بعد ذلك على نار هادئه، خافتة ، حتى ينضج، قلت: كل ما تصيبه النار يطبخ؟. فرد: سيكون مرا ونيئا وكل ما طبخ بهدوء وانتظار وصبر، فسيكون طيبا شهيا.
وفي (هيركي) قاعدتنا الوسطية بين قاطع بهدنان وسوران كان أبو جنان دائم الحركة والمواصلة ما بين جلساته الخاصة مع الشهيد سليم وفرقة مدافع الهاون و اللجنة الثقافية والمساعدة على بناء (كبرات) الصيف وكان يحرص على المشاركة مع جماعة التفجيرات ويراقب هذا العمل الخطير وقلبه مع الرفيقة "عايدة" والرفيق "أبو ولاء" وكان يوجه ملاحظات عابرة عامية لأبي قمر ويسّكتْ الدكتور "سليم" الذي يعتقد انه يعرف كل شيء كأنه زرق ابر وعندما يمر المقبور ابو طالب ينسد انفه ويكتم ضحكته بكفه السمراء، حيث يطلقها عن بعد "أبو نضال" المشاكس فتثور الهمهمات وتزداد الوشوشة حتى يغيب الظل الأسود في الغرفة الصامتة، المريبة.
إلا تذكر يا أبا حيدر كلمات أبو قمر "نحن الهراكلة لا نصبر على الضيم التي أوصلها الى التمثال الاسود ممن يعيشون الان في بحبوحة السير على الطريق الذي عبدته وآخرين شجعان وفتيان اقوياء – ابو ادراك واعتزازه بمفردة طبعا وابو اقبال حامي الرفاق من البرد وابو شرارة حامل البريد عبر مجاهل ماتوية معقدة " قائد مفارزنا باتجاه بهدنان.. "أبو براء" الذي ينام بكامل عدته وعتاده و"أبو فاطمة" الذي تقيأ الدم في شتاء ابيض و"أبو سعد" القارئ الفطن و"أبو وسام" الذي يخر كأس الحليب من يديه المرتجفتين فيمتعض ويقوم بلا إفطار ونسمعه يتمتم: إنها عادة قديمة، عليّ تجاوزها، والرفيقات مثل طيور الخطاف، قلقات في محيط ضيق وعيونهن ترنو إلى ما وراء جبل القمر وجبل السحاب اللذين يحدان "هيركي" من الشرق والجنوب وكنت تصمت ولا تضحك أبدا من نكات أبو "زهير" الطويلة مثل قصصي المملة!!.
وبعد فهل تتذكرهم الآن وغيرهم في منافي الله الواسعة -الضيقة.. يتذكرون الفتى البصري الأسمر الذي لا يمل من الحديث والضحك...
سأطوي لك المكان، سجادة مشجرة، ألفها بخيوط الزمان وأضع عليها "صينية العفاروف"، مثل قمر لامع بسواد يشبه سواد الحداد.

البصـرة
4/4 /2007

الأحد 8/4/ 2007

| أرشيف الذكريات  |