ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

| أرشيف الذكريات  |

 

 

 

 

 

الأحد 8/2/ 2009



 ربع قرن على استشهاد ماهر الزهاوي
الحزب الشيوعي العراقي حزب الشباب والمستقبل
(1)

سهيل زهاوي

يقول حنا مينا عن نفسه:
( انا كاتب الكفاح والفرح الإنسانيين) فالكفاح له فرحه، له سعادته، له لذّته القصوى، عندما تعرف أنك تمنح حياتك فداء لحيوات الآخرين، هؤلاء الذين قد لا تعرف لبعضهم وجهاً، لكنك تؤمن في أعماقك، أن إنقاذهم من براثن الخوف والمرض والجوع والذل، جدير بأن يضحىّ في سبيله، ليس بالهناءة وحده، بل بالملفادات حتى الموت معه أيضاً. إن وعي الوجود عندي، ترافق مع تحوّل التجربة إلى وعي . . )
قدم الحزب الشيوعي العراقي على طول تاريخه السياسي ،التضحيات الجسام على طريق الحرية و الديموقراطية والعدالة الاجتماعية و من اجل الخلاص من الدكتاتورية الفاسدة التي تعاقبت على دست الحكم في العراق وفي سبيل حياة حرة كريمة و مزدهرة للشعب العراقي بكافة قومياته واقلياته واديانه وطوائفه .
لم يعشق الشيوعيون في يوم من الايام الموت بل انهم يحبون الحياة من اجل العطاء ، و قد ناضلوا من اجل المثل والاهداف النبيلة التي غرسها فيهم حزبهم المجيد وهي قضية الوطن و النضال في سبيل حرية وسعادة جماهير الشعب وتطلعاته واماله ولم يبخلوا بحياتهم من اجل تحقيق اماني الشعب. انهم من عشاق الحياة و المستقبل،وان تضحياتهم ساهمت بشكل كبير في انارة الطريق في النفق المظلم و في النخر في جسم الدكتاتوريات البغيضة ... فالماركسيون في روايات الاديب الكبير والفنان العظيم نجيب محفوظ بحق ( هم الابطال الشهداء حاملو الزهور الحمراء ، وهم يضيئون الحياة بنور الامل في الظلمات ).
في27 كانون الثاني عام 2009 حلت ذكرى مرور ربع قرن على اعدام الشهيد البطل ماهر عبد الجبار الزهاوي بعد ان تعرض الى ابشــع انواع  التعذيب الجسدي والنفسي وظلّ صامدا الى اخر لحــــظة من حياته و بعد ابقائه رهن الاعتقال ما يقارب تسعة اشــــــهر ونصف و قدم الى محكمة صورية ما يسمى ب(محكمة الثورة) الســيئة الصيت وحكم بالاعدام ونفذ به حكم الاعدام في 27 كانون الثاني 1985.
لا يمكن احياء ذكرى الشهيد و الوقوف على اهم نشاطه والدور الفاعل الذي اضطلع به خلال مسيرته النضالية الشاقة بمعزل عن الحقبة التاريخية التي استشهد فيها ودور الحزب وموقفه واهم المفاصل والمحطات التي مرّ بها ارتباطا بالظروف الموضوعية والذاتية ، الداخلية و الخارجية .
في 17 تموز 1968 تمكن حزب البعث بالاتفاق مع ائتلاف من الضباط من ذوي الارتبا طات بدوائر الاستخبارات الغربية وكانوا يشغلون مراكز حساسة في الدولة . . من اسقاط الحكم العارفي الدكتاتوري والذي كان يعاني من الضعف و العزله الجماهيرية و الازمة العميقة ، وحسمت قيادة حزب البعث في 30 تموز من نفس العام الموقف لصالحها والسيطرة الكاملة على الحكم في العراق بعد ان ازاح عدد من الضباط المشاركين معه في الانقلاب . وفي
اعقاب الانقلاب العفلقي تظاهر النظام الجديدـ القديم بالاستعداد لفتح صفحة جديدة مع الاحزاب والقوى العراقية واطلاق الحريات الديموقراطية وحل المسألة الكردية حلا سلميا ديموقراطيا و بدلا من ذلك اكتفي النظام ببعض الاجراءات الشكلية واطلاق التصريحات المتكررة فيما يتعلق بالديموقراطية والحريات الحزبية دون القيام بأي اجراء ملموس، كما رافق تلك التصريحات عدد من الاجراءات التعسفية منها اطلاق النار على عمال الزيوت المضربين في 5 تشرين الثاني 1968 وقتل عاملين و الهجوم المسلح على التجمع السلمي الذي نظمه الحزب الشيوعي العراقي في ساحة السباع ببغداد 6 تشرين الثاني في العام ذاته بمناسبة الذكرى 51 ثورة اكتوبر الاشتراكية العظمي اسفر عنه ا ستشهاد رفيقين اخرين ، كما تعرض العديد من الشخصيات والقوى الوطنية الى حملات الملاحقة والاعتقال و تم تصفية عدد من منتسبيها جسديا ، كما واصل سياساته الشوفينية ضد شعبنا الكردي عبر شن حرب شعواء على الحركة االتحررية القومية الكوردية، على مرحلتين قبل وبعد صدور بيان 11 اذار ، و افرغ الحكم الذاتي من محتواه الحقيقي .
رغم الاجرءات التى اقدم عليها الحزب العفلقي و محاولاته لتصوير نفسه بكونه يسير باتجاه تقدمي،الا انه رسم خطة منذ اليوم الاول من توقيع الجبهه مع الحزب الشيوعي العراقي من اجل تصفيته و اقتلاع جذوره من ارض العراق، كما كان يحلم . . متناسيا ان الحزب الشيوعي العراقي بنى قوته وصموده ومجده من كفاح مناضليه رجالاً و نساءً ودماء شهدائه الابطال الذين رووا بدمائهم ثرى هذا الوطن نبراسا وقناديل تنير درب الحرية والديمقراطية و العدالة الاجتماعية ولا يزالون سائرين على ذات الدرب.
في البداية عملت قيادة البعث على تقييد نشاط الحزب في مجال العمل الجماهيري عبر احكام السيطرة الكاملة على النقابات والجمعيات والمنظمات الجماهيرية و اصدار القوانين التي تحرم العمل في المنظمات غير المجازة مما شكل ضغطا متواصلاً هائلاً على الحزب واجبره على تجميد نشاط المنظمات الديمقراطية التي كان يساهم الشيوعيون في قيادتها. ولم تتوقف حملة التجاوزات و الاعتداءات على حقوق وحريات المواطنين من كافة الاتجاهات السياسية وخاصة الحزب الشيوعي العراقي بسبب نشاط الحزب والتفاف الجماهير حوله الذي ادىّ الى توسّع قاعدتة الجماهيرية .
اثر اجتماع اللجنة المركزية في اذار 1978 التي وجهت انتقادات كبيرة الى سياسة النظام المقبور ، شنّت سلطة البعث حملة قمعية علنية بشعة بدأت باعدام 31 مناضلا شيوعيا ومؤازرا للحزب في ايار من نفس العام و واصل النظام سياسته الارهابية عبر حملة اعتقالات واسعة لعشرات الالاف من الشيوعيات والشيوعيين الذين تعرضوا الى ابشع اانواع التعذيب الجسدي والنفسي واستشهد العديد منهم تحت التعذيب.
في ظل هذه اللوحة غير الكاملة من المشاكل و التعقيدات والصعوبات و النهاية الدموية لهذه التجربة، انتقل الحزب الى المعارضة ورفع شعار اسقاط الدكتاتورية الفاشية والاعداد للكفاح المسلح دون ان يتخذ الاجراءات الضرورية اللازمة من اجل تجنيب الكادر والمنظمات الحزبية وحمايتها من التدمير الكامل الا بعد ايار من 1978 . ارتباطا بهذا الوضع الصعب تفتت ولم تصمد التنظيمات الحزبية في كافة محافظات العراق ما عدا في بعض محافظات الاقليم امام الهجمة الشرسة . . . وبشكل متواصل جرت حملة اعتقالات لبعض الكوادر القيادية من التنظيمات التي تشكلت مؤخرا و انتقلت الى العمل السري وعلى رأسها الشهيدة المناضلة عائدة ياسين (ام علي).
في سياق الحديث عن البطولة الشيوعية ، يجب التذكير بمآثر شهداء الحزب الشيوعي العراقي في مرحلة صعبة من تاريخ الحزب الواقعة بين عام 1978 – 2003 اولئك الذين عملوا في ساحات نضال العمل السري في مختلف مناطق العراق .
ومن اجل انجاز هذه المهمة اقترح على قيادة الحزب الشيوعي العراقي تشكيل هيئة مختصة لدراسة وجمع كافة الوثائق المتعلقة بهولاء الشهداء ونشرها على الملأ ليبرز جانب مهم من نضال الحزب في الظروف العصيبة .
يعد الشهيد ماهر واحداً من مئات الشباب الذين عقدوا العزم على مواصلة النضال في الظروف السرية بعد انسحاب الحزب من التحالف مع البعث وقد اتخذت من الشهيد المذكور اعلاه نموذجا لأولئك الذين حملوا اكفانهم على اكتافهم ووضعو ارواحهم على راحة ايديهم فداءاً للوطن والشعب كجنود مجهولين عرفتهم شوارع بغداد وازقتها المظلمة والزنزانا ت الرطبة ، لم يحنو رؤوسهم للعواصف الهوجاء ولم ترهبهم الاساليب الفاشية التي مارسها النظام الدكتاتوري البائد ضد الشيوعيين وضد كل القوى الوطنية المعارضة كما تحلوّا بجهادية عالية في حقبة مظلمة من تاريخ العراق السياسي يصعب على المناضلين العمل فيها . . ووظفوا حياتهم للعمل الحزبي و نذروا انفسهم لخدمة حزبهم و شعبهم، وعملوا على اعادة الحياة في بعض الخلايا الحزبية واعادة الصلة ببعض الشباب المقطوعين وخاصة من طلبة الاعداديات و المعاهد والجامعات وفق توجهات الحزب آنذاك واعتمادا على ما كانت تبثّه اذاعته التي نصبت على الجبال الشامخة في كوردستان العراق و في معاقل الانصار والبيشمر كه الابطال .
وتحتشد ذاكرتي بأحداث عايشتها وذكريات عن هذا الشاب المناضل اليانع الذي دخل معترك العمل السياسي وهو لم يتجاوز الثامنة عشر واصبح خطرا على النظام الاستبدادي الدموي والقوانين البربرية السائدة انذاك وهولم يبلغ الثالثة والعشرون.
نشأ الشهيد ماهر عبد الجبار الزهاوي في اسرة معروفة بمواقفها الوطنية . . كان جده رجل دين معروف اما عمه ابراهيم خليل فكان واحدا من المع علماء الدين في كوردستان و كان قد دعى الى فصل الدين عن الدولة . . ولم يستلم اي منصب حكومي لكي لا يقع تحت تأثير الدولة العثمانية . .
اما والد الشهيد ، السيد عبد الجبار الزهاوي فقد ترك مقاعد الدراسة بعد ان اكمل الدراسة الابتدائية في نهاية الثلاثينيات من القرن الما ضي بسب وفاة والده و بعد ان اصبح معيلا لعا ئلته ، وكان محبا للقراء والثقافة ومشتركا في عدد من المجلات ويشجع ابنائه على القراءة منذ الصغر، وعمل في سلك الشرطة في تلك الحقبة الى ان نقل بامر اداري الى شعبة التحقيقات الجنائية في بداية تشكيلها الا انه امتنع عن العمل في هذا الجهاز بأعتباره معاديا للشعب ، وقدّم على اثره الى لجنة تحقيقية واعتقل لمدة شهرين و افرج عنه وطرد من سلك الشرطة. وكانت والدته فطريا تميل الى الحزب الشيوعي العراقي فهي نزيهة القلب واصلب من عرفت في المواقف الصعبة.

( يتبع )


 


 

free web counter