ذكريات
كتب الراحل توما توماس هذه الاوراق ما بين 1990 - 1996 ، إلا أن أسبابا عديدة كانت وراء بقائها تنتظر فرصة لنشرها ، ليطلع القراء على ما دونه قلم شاهد عيان لفترة عصيبة من تاريخ العراق .
وهي أوراق لقائد ميداني ولدّته المحن والصعاب ، فكان أهلا لها ولمواجهتها وتحديها ، فترك عند جميع من عايشوه أو سمعوا عنه إنطباعات مثيرة للجدل ، إلا أن جل تلك الانطباعات ، تؤكد مصداقية هذا القائد مع الذات ، الى الحد الذي يسهل علينا ملاحظة ، أن تضحياته كانت بالنسبة إليه ، تشكل أقصى درجات السعادة في مسيرة التداخل بين الخاص والعام ، لدرجة الذوبان ، أحدهما في الآخر ، فالعراق وشعبه كانا في قمة ما يشغل بال أبو جوزيف حتى اللحظات الاخيرة من حياته ...
وبالتزامن مع الذكرى العاشرة لرحيله في 15 /10/ 1996 سيباشر موقع الناس ، بنشر حلقات مسلسلة من أوراقه.يمكن إعادة النشر ، مع ذكر المصدر "موقع الناس" بصورة مناسبة
أوراق توما توماس
( 27 )
مراحل المكتب العسكري المركزي – تشكيلاته
في حرب الانصار ، كما في تشكيلات الجيوش النظامية ، يفترض وجود هيئة قيادية ميدانية مركزية تعمل تحت اشراف القيادة السياسية، الحزب الذي يقود العمل المسلح في حالة حرب الانصار، الذي يتمتع بكامل الحرية والصلاحيات الواسعة لقيادة وتوجيه عملها، دون التدخل في تكتيكاتها، شريطة إنتهاجها استراتيجية الحزب العامة. وتسمى مثل هذه القيادة في الجيوش النظامية ب " هيئة الاركان" اما في تشكيلات الانصار فأنها تسمى ب " المكتب العسكري"، الذي عادة ما يتشكل من كوادر عسكرية متمرسة، ويمكن ان يضم ايضا بعض ضباط الجيش الملتحقين بحرب الانصار.
ان قوة اية حركة انصارية ونجاحها تأتي من قوة مكتبها العسكري وثباته واستقراره، بعيدا عن التدخل العشوائي في شؤونه من قبل القيادة السياسية العليا. اذ ان في استقرار تشكيلة المكتب العسكري تكمن امكانية كسب الخبرة القيادية والتمرس من خلال العمليات العسكرية.
وفي حركتنا الانصارية، كان من الممكن تلمس ظاهرة خطرة تركت اثارها السلبية على مجمل العمل العسكري، الا وهي الضعف الواضح في امكانيات المكتب العسكري، ويعود سبب ذلك الضعف الى التغيرات الاعتباطية غير المدروسة التي أُجريت على قوامه. فقد أجريت تغيرات فرضتها الرغبات والامزجة لدى بعض اعضاء المكتب السياسي دون الاستناد الى القابليات والامكانيات العسكرية، بحيث كان بعض اعضاء المكتب العسكري لا يعرفون شيئا عن حرب الانصار وشروطها ومبادئها، ولم يكن غريبا ان يجهل هذا البعض حتى كيفية استخدام السلاح للدفاع عن النفس !!.
وقد ادت هذه التغيرات المتكررة الى مزيد من التدخل غير المبرر في شؤون المكتب العسكري والى عدم فسح المجال لقيادة وتوجيه العمل العسكري وفق الامكانيات الواقعية. وخلق هذا التدخل المستمر حالة ارباك دائمة قادت بالتالي الى خسائر غير مبررة بالارواح طوال سنوات.
من المعروف انه لم يكن لقيادة الحزب اي دور في الايام الاولى عند تشكيل وحدات الانصار، بسبب بعدها عن الرفاق الاوائل الذين استطاعوا رغم افتقارهم الى السلاح والمال، من تنظيم عملهم العسكري والاداري والسياسي وقاموا بتشكيل سرايا وفصائل، وشخصوا لها المسؤولين العسكريين والسياسيين.
حينذاك تم تشكيل قيادة ميدانية سميت بـ"المكتب العسكري " لوضع الخطط العامة لتنظيم العمل اليومي دون ان تكون هناك اية هيئة حزبية قائدة حتى نهاية عام 1979.
وبعد وصول الرفيق عمرعلي الشيخ والرفيق ابو سيروان، تم تشكيل " لجنة هندرين" كقيادة حزبية للانصار والتنظيم المدني في اقليم كردستان، واصبح المكتب العسكري يعمل تحت اشرافها وتمثلت الصعوبات آنذاك في عدم وجود اجهزة اتصال بين المقرات لتسهيل مهمة القيادة .
تشكيلات المكتب العسكري :
اولا : كانت التشكيلة الاولى امتدادا لما كان قائما قبل تشكيل "لجنة هندرين " وتكونت من:
1. ابو جميل مسؤولا للمكتب العسكري – عضو ل.هندرين
2. ابو آسوس مسؤولا سياسيا للانصار
3. كانبي محمد صالح معاون مسؤول المكتب العسكري
4. ابو سربست مسؤولا اداريا للانصار
واستمرت "لجنة هندرين" في قيادتها واشرافها على عمل المكتب العسكري، وتدرس محاضر اجتماعاته وتقرر بخصوص مقترحاته ما هو ضروري في ممارسة العمل العسكري الذي يقوم به، وارسال المفارز الى العمق دون التدخل في شؤونه الا في ما يعتقد انه مخالف لسياسة الحزب.
وكان المكتب العسكري يدرس طلبات السرايا وما تحتاجه من سلاح وعتاد او اموال حينما تتوجه هذه السرايا الى العمق، ويقرر بخصوص عملياتها العسكرية المقترحة ويحدد المناطق التي ستوجد فيها والمدة التي ستمكثها هناك. وكان من المقرر ان تستمر مهمة السرية لمدة شهرين لتعود بعدها للالتقاء بالمكتب العسكري لغرض تقييم ادائها ولتلافي النواقص والاخطاء التي ترافق العمل .
وواصل المكتب العسكري عمله بشكل مشجع لغاية اجتماع اللجنة المركزية في تموز 1980. وفي اجتماع خاص بالكادر القيادي المشخص للعمل في كردستان عقد في دمشق مباشرة بعد اجتماع ل.م ذاك ، تقرر تشكيل قيادة حزبية وعسكرية للانصار [ انظر الحلقة 22 - موقع الناس ]. وفي هذا الاجتماع ايضا تقرر انتقالي الى منطقة بهدينان كمسؤول عسكري للانصار فيها .
ثانيا : جاءت التشكيلة الثانية للمكتب العسكري بعد قيام اللجنة العسكرية المركزية لقيادة الانصار والتي لم تجتمع اطلاقا ، وبقيت طي النسيان .
بعد وصول الرفيق ابو عامل المكلف بقيادة الانصار، تم تشكيل المكتب العسكري، ولم اكن اعرف ممن تشكل هذا المكتب بسبب بعدنا ولعدم وجود اية نشاطات فعلية لهذا المكتب في منطقتنا.
قام المكتب بتشكيل عدة هيئات فرعية نشطت في اختصاصاتها المختلفة، كهيئة المتفجرات والحركات والمالية والادارة. وبعد انتقال المكتب الى منطقة نوكان وبتوفر الاجهزة اللاسلكية ارتبطنا بالمركز ، مما سهل كثيرا التنسيق في الامور الادارية.
ان عدم عقد اجتماعات لمسؤولي القواطع مع المكتب العسكري لدراسة تلك القضايا الجوهرية والحساسة يعد من ابرز اسباب الصعوبات التي واجهت عملنا، وادت بالتالي الى التعارض في الاراء. ولم نستطع حل العديد من الاشكالات عن طريق البرقيات. وكان من اهم تلك القضايا ذلك القرار النهائي والفوري والذي يطلب التنفيذ دون مناقشة، و الذي اصدره المكتب العسكري على ضوء تقديراته الخاصة ودون التفكير بمجرد الاستئناس برأينا، والقاضي بتحديد قوة قاطع بهدينان ب (150) مقاتلا فقط من خلال تشكيل فوج واحد وسرية مستقلة، وارسال بقية الانصار الى المكتب العسكري. هذا في الوقت الذي كانت فيه تشكيلاتنا تتكون من فوجين ( الفوج الاول وينشط في منطقة المزوري ، الفوج الثالث وينشط في منطقة برواري بالا والدوسكي ) والسرية الخامسة في منطقة العمادية، اضافة لسرية المقر والادارة وفصيلي الحماية والاسناد . وكانت السرية السابعة (قيد التشكيل ) تنشط في منطقة زاخو. وبلغت القوة العددية لقاطعنا حينذاك قرابة 500 نصيرا. ومن المعروف ان منطقة بهدينان تعد من اوسع مناطق كردستان، وكانت على عاتق انصارنا عدة مهمات وواجبات اضافية كنقل السلاح والتسفير من والى الخارج والعلاقة مع الداخل، الى جانب العمل العسكري والاعلامي. ولم نتوصل في حينها لحل هذه المشكلة الغريبة والعويصة في آن ، وبقيت معلقة حتى تم حل المكتب العسكري الثاني وتشكيل مكتب اخر ( هو الثالث ) يتكون من :
1. ابوعامل مسؤولا
2. احمد بانيخيلاني
3. سليم إسماعيل (ابو يوسف)
4. بهاء الدين نوري
5. آرا خاجادور
وكانت هذه التشكيلة غير متجانسة وغير موفقة، وبكلمة ادق كانت تشكيلة معرقلة للعمل، حيث كان من المستبعد ان ينسجم هؤلاء الرفاق فيما بينهم. ولربما كانت التشكيلة هذه المرة تهدف الى عرقلة العمل العسكري وليس لقيادته. ولا اعرف ، هل كان آرا خاجادور جادا ام كان يمزح حينما قال:
- نسبوني للمكتب العسكري من اجل تخريبه!!!.
نعم كان اعضاء هذا المكتب غير منسجمون، وبينهم من كان لا علاقة له بحرب الانصار اطلاقا.
وتميزت علاقة المكتب السياسي بالمكتب العسكري بالتوتر على الدوام، وخاصة مع مسؤول المكتب (ابوعامل)، اذ كان الرفاق في (م.س) يتصوّرون بأن مسؤول مكتب العمل العسكري يعمل بالضد منهم. وترسخت تلك التصوّرات اكثر وتأججت الخلافات نتيجة لدور بعض رفاق (م.س) لتتأزم العلاقة تماما. فقرر (م.س) عقد اجتماع موسع في نوكان للعسكريين ( ممثلي القواطع ) ودعي أعضاء اللجنة المركزية لحضوره ايضا، حيث بلغ عدد الرفاق في الاجتماع 14 رفيقا ( ونظراً لعدم حضور رفيق يمثل بهدينان فقد اختير الرفيق ابو ربيع ( وكان حينها قد نقل من الانصار الى التنظيم المحلي ) للحضور ممثلا القاطع ).
وبدلا من ان تتم – في الاجتماع – دراسة النواقص ووضع الحلول والمعالجات، فقد دارت النقاشات حول قضايا ثانوية عقيمة لا تمت بأية صلة بما عقد الاجتماع من اجله. واعتبر ذلك الاجتماع ( الكونفرنس ) منبرا لمحاسبة مسؤول (معم)، وتطوّر الخلاف الى حد كبير، حيث تمادى احد رفاق (م.س) وكان عضوا في (معم) ايضا واخذ يطعن بقادة الانصار قائلا:
- اننا لا نقبل ان يقودنا بويات (خدم) المطاعم والبارات .
وعلى الرغم من حضور الرفيق سكرتير الحزب، فأن الكونفرنس لم يتمكن من اتخاذ اية قرارات بناءة تخدم حركة الانصار. ولم يصدر اي تقرير او بلاغ عنه، وهكذا بقي المكتب العسكري مجمدا على ان يحسم امره في اول اجتماع للجنة المركزية.
وهكذا نلاحظ ان ثلاث تبديلات على تشكيلة (معم) قد جرت خلال مدة سنتين فقط !!
وفي إجتماعها الاعتيادي في ايلول 1982 في نوكان، توصلت اللجنة المركزية الى صيغة جديدة للعمل وفق تشكيلات عسكرية هي القواطع في المناطق الرئيسية في كردستان. وتم تشكيل مكتب عسكري مصغر ( وهو الرابع ) ليقود العمل بأشراف (م.س) وتكوّن من :
1. عمر علي الشيخ مسؤولا
2. ابو عامل عضوا
3. احمد بانيخيلاني عضوا
ووافق الاجتماع على تشكيل القواطع بالشكل التالي :
قاطع بهدينان (محافظة دهوك وقسم من نينوى )، وتكون من :
1. ابو جميل مسؤول عسكري وحزبي
2. الرفيق كاظم حبيب مستشار سياسي
3. الرفيق نزار ناجي يوسف عضو مكتب القاطع
4. الرفيق ابو طالب عضواً
قاطع اربيل وتكون من :
1. الرفيق ثابت حبيب العاني مسؤول عسكري وحزبي
2. الرفيق يوسف القس حنا مستشار سياسي
3. الرفيق ملازم خضر مسؤول عسكري
قاطع السليمانية وكركوك وتكون من :
1. بهاء الدين نوري مسؤولا عسكريا وحزبيا
2. عدنان عباس مستشار سياسي
فوج حراسة المقرات الرئيسية (م.س و معم) – يقوده الرفيق م. قصي
لقد تم تشكيل معم الجديد بقيادة الرفيق عمر علي الشيخ عشية جريمة بشت ئاشان. وكانت بوادر الازمة بيننا وبين اوك قد أخذت بالتصاعد. ان اسناد مسؤولية معم للرفيق عمر يعتبر خطأ كبيرا لم ينتبه اليه المكتب السياسي، ليس بسبب ان الرفيق غير ملم بالامور العسكرية وحسب، وانما ايضاً بسبب عدم تمكنه من اتخاذ القرارات الحاسمة اذ ما تطلب الامر ذلك. ففي المواقف والاوضاع العسكرية يتحتم على القائد العسكري ان يتخذ قرارا حاسما وخطيرا دون انتظار الاشارة من اية جهة كانت، والامر بالتأكيد يختلف بما يخص المواقف والاوضاع السياسية. فالموقف العسكري يتعلق بشكل مباشر بحياة ومصير كثيرين ينتظرون من القائد العسكري موقفا ثابتا وسريعا، وهو الذي يتحمل مسؤولية قراره. فهل كان الرفيق مسؤول المكتب العسكري قادرا على ذلك؟؟
لقد واجه معم الجديد وضعاً لا يحسد عليه بسبب تأزم الوضع العسكري جراء تهديدات الاتحاد الوطني الكردستاني وتقرّبه من السلطة. وتطورت الازمة الى هجوم مسلح على مقراتنا وتنفيذ جريمة پشت آشان.
وادت تلك الاحداث وما آلت اليه الاوضاع في قاطع اربيل الى الانسحاب الى منطقة بارزان. وأدى موقف بهاء الدين نوري في قاطع السليمانية كله الى مشاكل جدية لحركة الانصار، وسببت انسحابات غير قليلة. ونتيجة لكل ذلك لم يبق للمكتب العسكري اي دور قيادي، فقد انسحب الرفيقان عمر الشيخ وابو عامل الى قاطع بهدينان، وتسلم الرفيق ابو سرباز مسؤولية قاطع السليمانية بعد اعفاء بهاء الدين نوري من قيادته.
واستمرت الاوضاع بالتدهور بسبب الاشكالات الفكرية المربكة التي سادت حركتنا بعد پشت آشان.
وفي اجتماع ل.م عام 1984 لم يجر تشكيل اي مكتب عسكري للانصار، وكان هذا بحد ذاته احد النواقص الكبيرة في عملنا العسكري. وقرر م.س اناطة العمل به كمكتب عسكري ( وهو التغيير الخامس) رغم عدم اكتمال نصاب م.س في كردستان الا نادرا. واقتصر وجوده على رفيق واحد او رفيقان، وتقرر ايضا ان يكون الرفيق ابو عامل منفذا لقرارات م.س المتخذة في المجال العسكري، اي كوكيل عسكري عام، منفذ وليس مسؤول عن تلك القرارت.يتبع
¤ الحلقة الحادية عشر
¤ الحلقة العاشرة¤ الحلقة الرابعة
¤ الحلقة الثالثة
¤ الحلقة الثانية
¤ الحلقة الأولى
| أرشيف الذكريات |