ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

سيرة ذاتية

(28) الأخيرة

 

جليل حسون عاصي

(الفصل الرابع)
(10)


في الربع الاخير من عام 1969 غادرت الناصرية و التحقت بلجنة منطقة الفرات الاوسط للحزب التي يقودها الرفيق(عدنان عباس ) _ و هو من الكوادر المعروفة في منطقة الفرات الاوسط و كان له دور بارز خلال فترة ما بعد انقلاب شباط 1963. من أهالي قضاء الشامية و متفرغ للعمل الحزبي - و تضم اللجنة في عضويتها كل من الرفاق (محمد حسن مبارك ).و الرفيق (فراس الحمداني). و الرفيق (كاظم الجاسم) و الرابع (أنا)مسؤول محلية بابل التي تتكون من الرفاق(عبد زيد، كاظم غدير ، معن جواد العأمري ، رفيق مهندس ).عملت المحلية في ظروف غاية في الصعوبة كما هي حال منظمات الحزب الأخرى فالوضع السياسي معقد جدا .و تصريحات المسؤولين متضاربة بين المد و الجزر و لجنة الحوار تدور في حلقة مفرغة و استدعاء النشطاء من أعضاء الحزب من قبل الأجهزة الأمنية قائم على قدم و ساق و لكن بشكل هادىء و بدون ضجة. و انصبت الحملة التي نظمت تحت شعار ( الجماهير تسال و الحزب يجيب ) التي افتتحها صدام حسين في الاجتماع الذي أقيم في ساحة الكشافة للتعرض بالحزب ، و عدم السماح للحزب بإصدار جريدة ناطقة باسمه مما اضطر منظمات الحزب لاتخاذ تدابير صيانية عالية و عانت طيلة تلك الفترة من الركود و اقتصر نشاطها على توزيع جريدة الحزب السرية و بياناته باستثناء حملة جمع التبرعات التي تزامنت مع الاحتفال بالذكرى المئوية لميلاد (لينين) .
وأعتقل في هذه الفترة الرفيق كاظم الجاسم (1)، الذي ترك تأثيره السلبي على المنظمة ، و مع هذا كان الجميع يعيشون حالة تأمل لما ستتمخض عنه تطورات الاحداث . الا انهم فوجؤوا بنشر جريدة الثورة لبرنامج التعاون الوطني الذي طرحته قيادة البعث من اجل اقامة الجبهة الوطنية و القومية التقدمية . و الذي لا يتعدى عن كونه اكثر من شروط تعسفية لا يقبلها الإنسان العادي في ما لو خير بالانتساب لحزب البعث فكيف و الحال هذه ان يتقبلها حزب سياسي عريق كالحزب الشيوعي . لقد كشف هذا الطرح بما لا يقبل الشك زيف ادعائات قيادة البعث و تشدقها بمواصلة الحوار و الذي وصل لحد عدم ارتياح عدد من قادته للعراقيل التي وضعت في طريقه هذا الحوار كما قيل في حينها ومن هذه الشروط ، الاعتراف بثورة 17-30 تموز، وأن حزب البعث حزب ثوري ، وأنه الحزب القائد ، وأقتصار العمل بين القوات المسلحه على حزب البعث فقط ،وتحريمها على الاحزاب الاخرى ،وأحتكار العمل الجماهيري ، مما ادى إلى اشاعة التذمر و البلبة الفكرية .عندها طرح المكتب السياسي للحزب وثيقة تتضمن وجهة نظر الحزب بالتطورات السياسية لدراستها من قبل اللجان المنطقية و اقليم كردستان . تباينت فيها وجهات النظر بين مؤيد و معارض و متحفظ على الوثيقة لذلك وجدت قيادة الحزب ان افضل طريق لمعالجة الموقف هو عقد المؤتمر الوطني الثاني للحزب وفي حينها طرحت القيادة وثيقة (برنامج الحزب) على المنظمات الحزبية لدراستها وابداء الملاحظات عليها اما (النظام الداخلي) فلم يطرح للمناقشة والتقرير السياسي اعد في شمال العراقي قبل انعقاد المؤتمر بأيام .
انعقد المؤتمر الوطني الثاني للحزب في آب –ايلول 1970 في شمال العراق بعد ان مكث المندوبين الذين يمثلون جميع منظمات الحزب فترة من الوقت لحين اكتمال وصول المندوبين سواء الموجودين داخل العراق او القادمين من الخارج ودارت نقاشات طويلة ، وشروحات كثيرة بين المندوبين ، والاطلاع على وثائق مهمة سواء ما يخص الحزب الشيوعي العراقي او الاحزاب الشيوعية العربية والعالمية ، خاصة وثائق الحزب الشيوعي السوداني الذي كان يعاني من انشقاق داخل الحزب بقيادة عضو المكتب السياسي (معاوية) الذي وقف الى جانب حكومة جعفر النميري ومهاجمة الحزب الشيوعي السوداني بقيادة عبد الخالق محجوب السكرتير الاول للحزب. ومتابعة التقارير التي صدرت عن ثورة الفاتح من ايلول بقيادة العقيد الليبي والتغيرات التي حصلت في سوريا ووضعت حافظ الاسد على رأس السلطة وما اعلن عن برنامجه الداعي الى وحدة القوى السياسية في سوريا.
افتتح المؤتمر بشكل رسمي في نهاية آب 1970 بالوقوف دقيقة صمت على ارواح شهداء الحزب والحركة الوطنية تلاه قراءة النشيد الاممي ، بعدها ألقى عضو المكتب السياسي للحزب الرفيق (عمر علي الشيخ) كلمة الافتتاح حاول فيها ان يبرر تأخير عقد المؤتمر من خلال طرح العدير من المعوقات التي حالت دون عقده، بأعتباره الرفيق المكلف من قبل قيادة الحزب في التهيئة للمؤتمر . مما خلق حالة من التذمر وعدم الارتياح ارتفعت على اثرها اصوات احتجاج لبعض المندوبين تؤكد على عدم مقبولية ومعقولية تلك المبررات ولغرض التهدئة ومعالجة التشنج الذي ساد اجواء المؤتمر بادر الرفيق (عزيز محمد ) السكرتير الاول للحزب هدأ من حالة التوتر عندما اعلن ان قيادة الحزب تتحمل وحدها مسؤولية التاخير طيلة الفترة الممتدة بين 1945 و هو تاريخ انعقاد المؤتمر الاول و لغاية 1970 . بغض النظر عن كل ما طرح و يطرح من تبريرات .
بعدها أختيرت هيئة رئاسة للمؤتمر ، ونوقشت خلال عدة أيام ثلاثة وثائق رئيسية هي ( البرنامج ، النظام الداخلي ، التقرير السياسي) . جرت مناقشة مستفيضة لبرنامج الحزب ، أنصب الجهد الرئيسي بالمناقشة على مهام المرحلة التي نجابهها ، وشكلت لجان عديدة للصياغة ، كما جرت مناقشة النظام الداخلي وأدخلت عليه العديد من التعديلات إلاّ أن المناقشات أنصبت بالدرجة الاولى حول التقرير السياسي وبالذات الموقف من البعث ، فقد أستعرض أغلب المندوبين الملاحقات والمضايقات التي تعرضت وتتعرض اليها منظماتهم والممارسات اللاانسانية التي يتعرض لها المعتقلين ، وعن عدم قناعتهم بالطروحات التي يقدمها حزب البعث حول التعاون . وأن لجنة الحوار لم تتوصل الى شيء يذكر رغم تشكيلها منذ فترة ليست بالصيرة. ورغم كل ما طرح من آراء إلا أن الجميع مقتنعين بأهمية التعاون مع القوى السياسية بما فيها حزب البعث ضمناً لأن المؤتمر أعاد النظر بالقرار الذي أتخذه الكونفرنس الثالث للحزب المنعقد في أواخر عام 1967 القاضي بتحريم التحالف مع البعث ، لذلك لم يتبلور خط سياسي واضح مغاير لسياسة الحزب وأنما كانت المنتاقشات تدور في نفس الاطار ، اللهم إلا اذا اخذنا بالحسبان الرأي الذي طرحه الراحل (حسين سلطان )بقوله (اننا بحاجة إلى حصانين ) و المقصود هنا اثنان من القادة العسكريين الكبار للقيام بانقلاب عسكري و هذا الرأي لم يلقْ أي قبول من احد ناهيك عن عدم امكانية تحقيقه فضلا عن ان الحزب جرب هذا التكتيك سابقاً وتخلى عنه . وقد علق عليه الرفيق الراحل زكي خيري بقوله ( أخاف يطلعن يزكطن ) والحق يقال هنا ان الحزب لا يستطيع ان يتبنى خطا سياسيا مغايرا للخط الذي اقره المؤتمر بسبب وضع الحزب الذاتي و الاوضاع السياسية المعقدة و المتشابكة التي تعيشها البلاد و على النطاق العربي و العالمي . وكانت الفقرة الاخيرة انتخاب أعضاء اللجنة المركزية والاعضاء الاحتياط بالتصويت السري وعلى أساس القائمة ، وبهذا أنتهت أعمال المؤتمر ، وتفرق المندوبين ابتداءاً من مساء نفس اليوم .
خرجت من المؤتمر الذي كنت احد مندوبيه بوضع نفسي سيئ و معنويات هابطة رغم انني لم أطرح رأي بديل لسياسة الحزب وأنما كنت مسايرا للأخرين في عكس معاناة المنظمه الحزبيه . وكانت ملاحظاتي وملاحظات غيري على العموم تقتصر على اضافة هذه العباره أو حذف أخرى وهي لاتقدم ولا تأخر في كل الاحوال ،وشاركت الرفيق جاسم الحلوائي والرفيق ابو سرباز في صياغة البرنامج الزراعي . و بتاريخ 26 / 12 / 1970 استدعيت من قبل مديرية امن العمارة بعد ضرب المنظمة هناك . بقيت معتقلا لمدة شهرين اطلق سراحي بعدها . و بدلا من مواصلة نضالي آثرت الجلوس على التل و الانصراف إلى حياتي الخاصة معللا ذلك بانني استطيع ان أقدم خدمة للحزب و المجتمع من خارج التنظيم و ليس بالضرورة ان يكون من داخله . و رغم انني حققت اشياء بسيطة الا ان الواقع يقول بعكس ذلك(عرب وين قنبورة وين ) و هكذا توقفت هذه المسيرة الشاقة و المفعمة بروح التضحية و نكران الذات .
والآن وبعد مرور أكثر من خمسة عقود على هذه الذكريات أردت أن ألفت النظر إلى أؤلائك الجنود المجهولين من عامة الشعب من الرجال والنساء ، من العمال والفلاحين والكادحين ممن يعيشون في أطراف المدن وفي مناطق نائية وفي أعماق الهور يعانون من الفقر – وصل لدرجة أن احدهم المدعو ( حسن) من منطقة أم كعيدة في ريف آل أزيرج لم يستطع توفير شفرة حلاقة لقطع الحبل السري لطفلته ، فقطعوه في شفرة حلاقة مستعملة مما أدى إلى تسممها وظلت تصرخ بشكل متواصل منذ خرجت إلى النور إلى أن فارقت الحياة وكاني أسمع صراخها الآن – ويعانون من المرض ومن شظف العيش ، يجهلون القراءة والكتابة ، ولا يعرفون الخطط التكتيكية ولا الاستراتيجية ولا المصطلحات الإقتصادية والفلسفية ساهم كل منهم بقسطه وبإسلوبه الخاص وحسب إمكانياته وقدراته في مواصلة هذه المسيرة .ومن الواجب عليَّ وعلى منْ عايشهم تعريف الأجيال القادمة بالدور الذي نهض به هؤلاء الرجال ، خاصةً وأن منهم من إستشهد ومنهم من رحل عنا ، ومن تبقى منهم اصبح عاجزاً لا يقوى على العمل الاّ من المشاركة الوجدانية .
ولا بد من الإشادة بعشرات العوائل التي إحتضنت الشيوعيين وحافظت عليهم وقدمت لهم المساعدات السخية للتأكيد على حقيقة أن الجماهير هي حياتنا ، هي السياج الذي يحمينا ، هي المعين الذي لا ينضب لتزويدنا بخيرة المناضلين ، فلا بد ان نتواجد معها ، نعمل بين صفوفها ، نتدارس مشاكلها ، نرشدها للطريق الذي يوصلها لتحقيق اهدافها ، نسمع مقترحاتها وآرائها ، نتقبل إنتقاداتها . فقد علمتنا الحياة مدى أهمية التعامل بروحية منفتحة على الآخرين وفيما بيننا ، إنه الطريق السليم الذي يجنبنا الكثير من العثرات والإخفاقات .


1-  كاظم الجاسم/  وهو فلاح يسكن ريف الحلة – قرية البو شناوة الواقعة على الطريق العام بين الحلة و ناحية القاسم. من الكوادر الحزبية الفلاحية المعروفة . انتسب للحزب منذ الأربعينيات. ورد اسمه ضمن الموقعين على الطلب الذي قدم لاجازة الحزب عام 1959 .سافر إلى الاتحاد السوفيتي عام 1969 و درس في المدرسة الحزبية هناك . عاد إلى العراق في كانون الثاني 1970 .التحق عضوا في محلية بابل فضلا عن عضويته بالمنطقة .يحضى بتاييد جماهيري واسع . اعتقل يوم 3 تموز 1970 في ريف المدحتية بطريقة خسيسة من تدبير احد الفلاحين المرتدين .فقد اعترضه و هو في طريقه لانجاز مهمة حزبية و توسل اليه ان ياخذ قسطا من الراحة و يتناول الشاي و القهوة في مضيفه .بعدها ذبح له خروفا لكي يضطره للبقاء.  فليس من الاصول حسب العرف السائد ان يغادر المكان في مثل هذه الحالة  فقد استغلت فترة بقائه بأستدعاء مفرزه من الامن والشرطة توجهت من المدحتية إلى المنطقة.وقامت بتطويق البيت حال وصولها و عندما حاول مقاومتهم بسلاحه المركون إلى جانبه حال الجالسين إلى يمينه و شماله دون استخدامه بعد ان وثقوا يديه مما سهل مهمة اعتقاله و نقله إلى مركز شرطة المدحتية و ظل طوال الطريق يصرخ باعلى صوته ( اخبروا الحزب الشيوعي .اعتقل كاظم الجاسم ) و فعلا وصل الخبر إلى المحلية بعد اقل من ثلاث ساعات رغم سرية العمل و ظل شامخا رغم التعذيب البشع الذي تعرض له على يد المجرم ناظم كزار و جلاوزته لانه نقل إلى بغداد و الذي ادى إلى استشهاده .

 


¤ الحلقة السابعة والعشرون

¤ الحلقة السادسة والعشرون

¤ الحلقة الخامسة والعشرون

¤ الحلقة الرابعة والعشرون

¤ الحلقة الثالثة والعشرون

¤ الحلقة الثانية والعشرون

¤ الحلقة الحادية والعشرون

¤ الحلقة العشرون

¤ الحلقة التاسعة عشر

¤ الحلقة الثامنة عشر

¤ الحلقة السابعة عشر

¤ الحلقة السادسة عشر

¤ الحلقة الخامسة عشر

¤ الحلقة الرابعة عشر

¤ الحلقة الثالثة عشر

¤ الحلقة الثانية عشر

¤ الحلقة الحادية عشر

¤ الحلقة العاشرة

¤ الحلقة التاسعة

¤ الحلقة الثامنة

¤ الحلقة السابعة

¤ الحلقة السادسة

¤ الحلقة الخامسة

¤ الحلقة الرابعة

¤ الحلقة الثالثة

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى

 

الأحد 8/7/ 2007

| أرشيف الذكريات  |