ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

في وداع النصير أكرم

ستبقى خالدا في قلوب رفاقك

 

كفاح حسن

عدت متأخرا أمس إلى منزلي. و قادني الفضول إلى الدخول في غرفة ينابيع على  Paltalk
، حيث يتواجد عدد من المحاربين القدماء و أصدقائهم. و كان أحد المتحدثين من أربيل ينقل خبر وفاة النصير أكرم. فسارعت إلى تصفح معظم صفحات الإنترنت القريبة من الحزب الشيوعي، للتعرف على المزيد عن وفاة النصير أكرم. و لم أعثر مع الأسف على أي خبر أو نعي بوفاته.

فبهذا الصمت ودعنا الأكرم، مثلما عاش بيننا بصمت.

لقد إلتحق النصير أكرم بقوات الأنصار أثر الهجمة البعثية الدموية على منظمات الحزب الشيوعي العراقي في نهاية سبعينيات القرن الماضي. و تنقل ما بين مقرات الأنصار في ناوزنك و بشت آشان وورته و دولي باليسان و سماقولي و كافيا حيث منطقة عمل قاطع أربيل و الفوج الخامس.

لقد كان الفقيد مولعا بكتابة الشعر العمودي، وكان يقضي ليالي الشتاء القارصة في نظم القصائد العمودية في الإفتخار بالحزب و التغزل بالوطن أو بالطالبات الجامعيات التي تركهن في بغداد. إلا إن نصير مشاكس ـ سامحه الله ـ رمى أوراق أكرم الذي أفنى الليالي في خطها في المدفأة الخشبية في مقر ورته. و كان ذلك فاجعة كبيرة على رفيقنا أكرم، حيث إحترقت أعماله هدرا بسبب طيش و مشاكسة لشخص ينقصه الإحترام لرفاقه و لجهودهم.

و في موقع ئاسته في منطقة بارزان قضينا هناك شتائنا مابين عامي 1983ـ1984 . وعاش معنا أكرم بصمته المعهود و هدوئه الفائق. و كان دؤوبا في عمله اليومي في مخبز الموقع. و لكنه كان متشوقا لهوايته في نظم الشعر. و كان يحتفظ بذاكرة مدهشة في حفظ القصائد الطوال للشعراء الجاهليين و العباسيين إلى جانب شعراء الشعر العمودي المعاصرين. ولكنه لم يجازف بكتابة قصائد جديدة منذ حرق دفتر أشعاره في ورته.

و عندما حلت الذكرى الخمسين لتأسيس الحزب، تحارشنا بأكرم، و طلبنا منه كتابة قصيدة بالمناسبة، لإلقائها في حفل الحزب في بارزان. في البداية أبدى أكرم إمتناعا، كأنه يريد مننا أن نلح عليه. و ما كان مننا سوى الإلحاح الشديد عليه. حتى خضع لطلبنا. لقد سهر الليالي و هو يصارع من أجل الخروج بقصيدة، حتى أكملها بعد مخاض عسير دام أكثر من شهر. فقد كانت جاهزة قبل يوم من إقامة الإحتفال. و قمت بتبليغ الرفاق المسؤولين عن الإحتفال بأن الرفيق أكرم سيشارك في الإحتفال بقصيدة عن الحزب. و لم ألحظ حماسا لديهم للفكرة، و لكنهم قبلوها على مضض.

و أبلغت أكرم بالتوجه إلى بارزان للمشاركة في الإحتفال و إلقاء قصيدته. و قد تهيأ للأمر بعد أن أخرج بدلته الجديدة ، و أخذ حمام ساخن. و توجه نحو الطريق الترابي الذي يربط ريزان ببارزان لأخذ سيارة نحو موقع الإحتفال. و لكن لحظه العاثر، لم تمر أي سيارة بالطريق، مما إضطره للسير ماشيا نحو بارزان. و حين وصوله لبارزان ، كان الإحتفال قد إنتهى.

لقد كان الرفيق يعاني من آلام في القلب، و لا يستطيع القيام بأعمال شاقة. و لكنه كان يصر أن يقوم بكل الأعمال اليومية في مقر الأنصار. و كان يرفض أية فكرة تطرح عليه لترك الأنصار و التوجه للعلاج. لم يكن الفقيد يفكر أو يقبل أية حياة غير حياة الأنصار إلى حين عودته إلى مرتع صباه الكاظمية.

و في منتصف عام 1988 و بعد حملة الأنفال الدموية التي شنها النظام البائد ضد أبناء المنطقة. و إضطرار قوات الأنصار للإنسحاب نحو المواقع الحدودية، عرض على الرفيق أكرم التوجه للدراسة في إحدى الدول الشرقية. حيث توجه إلى بولونيا لدراسة الأدب العربي، تصوروا يسافر إلى بولندا لدراسة أدب العرب!! و لكن أكرمنا لم تحلو له الحياة في بولندا . حيث سارع لترك بولندا و العودة إلى شقلاوة للعمل في إذاعة صوت الشعب العراقي. و هناك تعرف على شريكة حياته و شقيقة أحد شهداء الحركة الأنصارية.

لقد كان لأكرم فضل كبير علي، حيث عمل بجد من أجل إنجاز طبع الرواية التسجيلية التي كتبتها " المطاردون". حيث قام بمراجعة و تصحيح النص المطبوع. و بدونه لم يكن ممكنا طبع الكتاب.

و بقى أكرم يعمل بصمت و لكن بدأب و حماس إلى حين سماع خبر وفاته.

إن وقع وفاة أكرم وقعت علي أشق من وقع إستشهاد أخي وضاح. فوضاح إستشهد بفخر. و تم تشييعه و دفنه بمساهمة جماهيرية واسعة. و إنتشرت في العراق و الخارج مراسم التعازي بوفاته. و لكن أكرم غادرنا بصمت، دون أن يذكر، و هو الذي منح حياته منذ شبابه المبكر للحزب. ولم يكن يلهث وراء مكسب أو جاه، و بقى حتى وفاته مكتفيا بالراتب الحزبي الكفيف الذي يعتاش به مع عائلته. و عندما يفارقنا، يفارقنا بصمت دون نعي أو توديع.

و لكنني متأكد من إن الفقيد أكرم سيبقى خالدا في قلوب الرفاق الذين عاشوا معه و أنسحروا بطيبته و أخلاقه الدمثة...
 

السويد  8 شباط 2006

الأربعاء 8/2/ 2006

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة