ذكريات
شكر وإمتنان
من عائلة الراحل توما توماس ( ابو جوزيف )
نتقدم بشكرنا وإمتنانا الى كافة الاعزاء الذين اتصلوا بأفراد العائلة والذين استلمنا رسائلهم من خلال الاخوة العاملين في موقع الناس الألكتروني ، مستفسرين عن اسباب توقف نشر اوراق الراحل توما توماس ، على اهتمامهم الصادق بهذه الاوراق وإستغرابهم من توقفها المفاجئ .
ونود ان نعلمهم بأننا نحاول جاهدين جمع ما تبقي من أوراق الراحل ورسائله وتهيئتها للنشر .
وللجميع خالص التقدير والاعتزازعن العائلة
سمير توما توماس¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤
كتب الراحل توما توماس هذه الاوراق ما بين 1990 - 1996 ، إلا أن أسبابا عديدة كانت وراء بقائها تنتظر فرصة لنشرها ، ليطلع القراء على ما دونه قلم شاهد عيان لفترة عصيبة من تاريخ العراق .
وهي أوراق لقائد ميداني ولدّته المحن والصعاب ، فكان أهلا لها ولمواجهتها وتحديها ، فترك عند جميع من عايشوه أو سمعوا عنه إنطباعات مثيرة للجدل ، إلا أن جل تلك الانطباعات ، تؤكد مصداقية هذا القائد مع الذات ، الى الحد الذي يسهل علينا ملاحظة ، أن تضحياته كانت بالنسبة إليه ، تشكل أقصى درجات السعادة في مسيرة التداخل بين الخاص والعام ، لدرجة الذوبان ، أحدهما في الآخر ، فالعراق وشعبه كانا في قمة ما يشغل بال أبو جوزيف حتى اللحظات الاخيرة من حياته ...
وبالتزامن مع الذكرى العاشرة لرحيله في 15 /10/ 1996 سيباشر موقع الناس ، بنشر حلقات مسلسلة من أوراقه.يمكن إعادة النشر ، مع ذكر المصدر "موقع الناس" بصورة مناسبة
أوراق توما توماس
( 41 )
استعمال السموم كسلاح لمحاربة الانصار
لم يكن سلاح السموم جديداً عند عصابة البعث، فقد استخدموه ضد المعارضين منذ الايام الاولى لاستلامهم الحكم، إذ قاموا بتصفية خصومهم بدس المواد السامة مع العصاير او الشاي، وبطرق كان من الصعب الكشف عنها. واستعمل هذا الاسلوب الجبان مع السجناء الشيوعيين قبيل اطلاق سراحهم لغرض قتلهم وهم خارج السجون لابعاد تهمة القتل عن النظام. وفي بعض الحالات لم يسلم حتى المؤيدين للبعث من ذلك كتسميم زبير أغا الزيباري، حيث تم دس السم له اثناء زيارة قام بها الى مديرية الامن .
كانت اول حالة تسمم تمت ضد انصارنا، والتي كانت مفاجئة لنا تماما ، اذ لم نتوقع ان تصل هذه الجرائم الى اقصى القرى الكردستانية. فقد ظهرت اعراض حالة التسمم في بادئ الأمر عند الرفيق خضر حسين، حيث أصيب بدوار في الرأس وشلل بسيط في قدميه ونحول في جسمه، مما أدى الى شلله تماما عن الحركة وليتوفى بعد حين. ولم نتمكن من تحديد نوع السموم او متى دست له. ومما زاد من صعوبة تشخيص ومعرفة معلومات دقيقة عن تلك الحالة ، هي انها كانت من نوع السموم التي لا تظهر اعراض الاصابة بها الا بعد مدة من تناولها، مما يفقد اية امكانية لتحديد اين ومتى تم تناولها.
لقد تمادت السلطة في جرائمها بتسميم معارضيها سواء في السجون او في بغداد او في كردستان او المعارضين اللاجئين الى خارج العراق. كما تعرض العديد من ضباط الجيش والشخصيات السياسية وقادة الانصار ومجموعة من كوادر الاتحاد الوطني الكردستاني الى التسمم. ولم تكن حصة حزبنا من تلك الجرائم قليلة. وما اورده في هذا المجال ليس الا نماذج من تلك الاعمال الدنيئة .
وكانت السلطة تضخ عبر عملائها في المنطقة ، موادا غذائية مسمومة كالمعلبات والسكاير. إلا ان الانصار بيقظتهم كانوا يكتشفونها ويحجموا عن استخدامها. ثم توجت سلطة البعث جرائمها بطرق اكثر فتكا بالجماهير وبالانصار وبكل ما هو حي من الحيوانات والاشجار بأستخدامها للاسلحة الكيمياوية، في مسعى لابادة الحياة في اراضي كردستان ، وتحت سمع وبصر دعاة حقوق الانسان في الدول الاوربية والولايات المتحدة دون ان تتحرك ضمائرهم في هذا العالم المتحضر !!.
علب حليب نستلة مسموم
في منطقة بهدينان وفي أواخر 1980، كان الانصار يقومون بجولات ميدانية في المنطقة. وكان من الطبيعي أن يعتمد الانصار في تغذيتهم خلال جولاتهم على ما يقدمه اهالي القرى، وعلى بعض المساعدات من المعلمين في المدارس وخاصة علب الحليب السائل والجبن المعلب والفواكهة التي كانت توزع في المدارس الابتدائية.
كانت احدى سرايا انصارنا موجودة في منطقة اتروش، حيث توثقت العلاقة بين ( اسماعيل ) احد معلمي مدرسة قرية ( بي نارينكي ) وبين الرفيق دكتور عادل ( الشهيد غسان عاكف حمودي )، اذ كان المعلم يحتفظ بكمية من المواد الغذائية المعلبة المخصصة للمدرسة ويسلمها للسرية شهريا كمساعدة في تغذية الانصار. في احدى الليالي تم استلام المواد من (اسماعيل ). وكالمعتاد تحركت السرية منذ ساعات الفجر الاولى لمغادرة القرية بإتجاه الوديان بعيدا عن اعين العملاء وتحسباً من هجوم مفاجي من القوات العسكرية او من قصف مدفعي او جوي يعرض القرية لمخاطر التدمير. وقبل ان تبتعد السرية عن القرية لاحظ الانصار شخصا يعدو خلفهم وينادي طالبا توقفهم، وما كان هذا الشخص الا المعلم اسماعيل الذي اختلى بالرفيق دكتور عادل ليبلغه بأنه سلمهم 12 علبة حليب نستلة مسمومة ويحذر من استخدامها، حيث ذكر:
" كنت في عين سفني في طريقي الى المدرسة، فأستدعاني ضابط امن الشيخان وكلفني بتسليمكم 12 علبة حليب محقونة بمادة الزرنيخ القاتلة. وهددني الضابط بالاعدام لان السلطة على علم بعلاقتي بكم وبكوني ازودكم بالمواد الغذائية. وسوف يكافئني ببيت وسيارة وخمسون الف دينار في حالة تنفيذي المهمة ".
وفي الحال طلب دكتور عادل من الانصار تسليمه تلك العلب، وتبين بعد نزع الغلاف الورقي عنها انها فعلا مثقوبة بشكل دقيق من الاعلى والاسفل كي تحقن بالمادة السامة، ولتلحم من جديد وتلصق عليها اوراقها بطريقة لا تجلب ادنى شك .
كان الانصار في حالة من الذهول والحيرة ، وهم يصغون إلى كلمات اسماعيل قبل ان يغادرهم عائدا الى القرية قائلاً : " الان اغادركم وانا مرتاح الضمير ولا اعرف ماذا سيكون مصيري ".
قام دكتور عادل بفتح احدى العلب وكان لون الحليب فيها اعتياديا، الا انه سرعان ما تبدل الى اللون البني ورافقته رائحة غير طبيعية.
ومن حسن الصدف أن زارنا احد الصحفيين البريطانيين وكان مندوبا لاحدى محطات التلفزيون البريطاني، فهيأنا له مستلزمات مقابلة تلفزيزنية، شرحنا فيها تفاصيل حقن تلك العلب بالمواد السامة. وكانت لنا تجربة عملية راحت ضحيتها احدى قطط المقر بعد أن اعطيناها ملعقة شاي صغيرة من ذلك الحليب، لتسقط ميتة في الحال .
أدوية مسمومة
بعد انهيار الحركة المسلحة الكردية في آذار 1975، عاد العديد من الفلاحين الى قراهم الاصلية خاصة من الذين لم يشملهم السكن القسري في المجمعات السكنية، ومنهم الزيباريون الموالون للحكومات المتعاقبة، وهم كما هو معروف اعداء تقليديون للبارزاني وللحركة المسلحة .
وقد إرتبط انصارنا بعلاقات صداقة مع بعض الذين تركوا صفوف پيشمركه الحزب الديمقراطي الكردستاني واستقروا في القرى بعد انتكاسة الحركة. وكان من بين هؤلاء الصديق فتاح من قرية " شهي" الواقعة على سفح جبل بيرس. يلتقي به الانصار اثناء جولاتهم ومرورهم في قريته، فأخبرهم في احد اللقاءات بإستعداده لتوفير اية احتياجات لهم من خلال احضارها من اربيل التي يتردد عليها بإستمرار. فكلف الصديق بتوفير كمية من الادوية، وعلى وجبات لضمان الابتعاد عن اية شكوك. ونظم احد اطبائنا الانصار عدة وصفات طبية ، وبدأ الصديق بجلبها تباعا في كل زيارة لمدينة اربيل.
في احدى المرات، كبست معه كمية من الادوية واعتقل في دائرة الامن ، لتبدأ معه صنوف التعذيب والتهديد بالموت. ووضع فتاح أمام خيار التعاون وتنفيذ المهمة التي طلبت منه ، خاصة وانه قد اعترف بما كان يقوم به مع تحوير في الحقيقة ، ساعده في الافلات من قبضتهم ، فقد ادعى انه يبيع الادوية على الانصار لقاء ربح غير قليل. ويظهر ان ازلام الامن تيقنوا انهم امام شخص يركض وراء الربح، فوعدوه بإطلاق سراحه ومنحه مبالغ كبيرة لقاء التعاون معهم ، بالاستمرار في بيع الادوية للانصار ، شريطة اخبار الامن مسبقا بأنواع الادوية التي يحتاجونها لتأمينها وتجهيزها له .
ومن اجل إغتنام فرصة قد لا تتكرر ثانية ، وافق فتاح على جميع شروطهم ، وفعلا تمت تهيئة وجبة مميزة من الادوية.
وقبل تسليمها الى طبيب الانصار، كان فتاح قد سرد له مجمل ما حصل معه في دائرة الامن وما كلف به .
وهكذا اثبت هذا الصديق كم كانت اخلاقه نبيلة، وكم كان مخلصا لقضية شعبه وامينا على حياة من حملوا السلاح دفاعا عنها.
دهن طعام (راعي) مسموم
كان النصير (ك) من عناصر الحركة الديمقراطية الاشورية يعمل في مقر قيادة الحركة في منطقة زيوه. وكان يحظى بإحترام وتقدير رفاقه. وبسبب من ضغوطات كانت تعاني منها عائلته في الموصل ، وكثافة الوعود التي استلمها من افراد عائلته بأنهم سيستحصلون له عفوا يضمنون من خلاله عدم ملاحقة السلطات له، قام هذا العنصر بتسليم نفسه والرجوع الى عائلته. فقد ترك (ك) مقر الحركة مصدقا ما وعد به، دون ان يعي ان لا وعود لاجهزة شكلت اساسا لملاحقة ابناء الشعب ولممارسة البطش والارهاب بحقهم .
بعد مضي فترة قصيرة من رجوعه استدعي الى مديرية الامن. وطلب معاون الامن و"مسؤول شعبة الشيوعيين" منه التعاون ليثبت مدى اخلاصه للوطن، وهدده في حالة رفضه الطلب حيث أنه سيضع نفسه بالضد من السلطة. واستمر الحال بإستدعائه عدة مرات، وتكررت التهديدات له، فقرر التخلص من تلك الدوامة الخانقة التي وضع نفسه فيها. فأبدى استعداده للتعاون وتنفيذ المهمات التي يودون تكليفه بها .
ابلغوه بالاستعداد للعودة والالتحاق بالحركة الديمقراطية الاشورية ثانية، وقبل مغادرته الى المناطق المحررة تم تسليمه علبة دهن طعام "راعي" زنة كيلوغرام ، لاستخدامها في اعداد الطعام في المقر حينما تسنح الفرصة لذلك.
توجه (ك) مع العلبة المحملة بالموت الى المنطقة ووصل قرية "كوند كوسه" (1)، ومكث فيها لحين ، انتظارا لمفارز الپيشمركه والانصار. وبسبب من علاقته الجيدة بمختار القرية لم يلق اية مصاعب في البقاء والانتظار.
صادف في تلك الفترة أن دخلت القرية السرية الثالثة التابعة للفوج الثالث لقوات انصارنا. وكان لآمر السرية الثالثة الرفيق ابو ميسون معرفة سابقة ب(ك). فإلتقى به، ومباشرة افصح (ك) للرفيق ابو ميسون عن مهمته وسلمه علبة الدهن، راجيا قبوله نصيرا او حتى ضيفا في السرية الثالثة او في اي مكان يقرره الحزب.
قام الرفيق ابو ميسون بإرساله الى مقر قاطع بهدينان، فأحيل الى التحقيق في مقر الفوج الثالث. واقتنعت الهيئة التحقيقية بإقواله وقررت بقائه في مقر الفوج الثالث لفترة قصيرة لتحسم قضيته أما بالبقاء ضمن قوات انصارنا او رفضه.
وخلال فترة بقائه في مقر الفوج عمل (ك) بأخلاص كبير وكسب ثقة رفاقه، مما سهّل اتخاذ قراربقبوله نصيرا، ونُسب الى احدى سرايا الفوج مقاتلا حتى حملة الانفال ، ليكون ضمن مجاميع الرفاق الذين التجأوا الى تركيا.
اما علبة الدهن، فقد عرضت على أحد الصحفيين البريطانيين الذي كان في زيارة لمقر الحزب الديمقراطي الكردستاني ، وبعد استضافته في مقرنا قام بتصوير العلبة و تأثير مقدار ملعقة صغيرة على كلب مسببه له الموت حالا .
صفقة لتزويد انصارنا بالادوية المسمومة
عرف عن الصديق (نبيل يونس دمان) وهو مهندس من اهالي القوش ، اندفاعه وحماسته للعمل مع الشيوعيين منذ ان كان طالباً في ثانوية القوش، وبعد تخرجه عمل مهندسا في مديرية الطرق والجسور في محافظة دهوك ، مواصلا صداقته مع الشيوعيين ولم يتوانى عن تقديم اية مساعدة لهم.
في قرية كاني بلاف التقى نبيل مع الرفيق ابو ليلى (الذي كان مسؤولا عن سرية الانصار في منطقة صبنه ) ، وتعهد بإحضار كمية من الادوية في زيارة قادمة للقرية.
حينما حصل على كمية الادوية من احد اصدقائه في مستوصف القوش، قام بإخفائها في مكان ما تحت مقعد سيارته متوجها نحو دهوك.
في نقطة سيطرة القوش – الموصل ، اوقف شرطي الامن السيارة وانزل صديقنا منها ليُرفع المقعد وتضبط الادوية. أُخذ الصديق نبيل الى مديرية امن الموصل لتبدأ معه حفلات التعذيب ولمدة اسبوع كامل، ليعترف في النهاية بمصدر تلك الادوية والجهة التي كان يزمع تسليمها لها. ومما يثير الكثير من التساؤلات إن اية اجراءات لم تتخذ بحق صديقه الموظف في مستوصف القوش !!. وخيّر نبيل بين الموت وبين التعاون مع الامن، حيث كلف بمهمة مواصلة ما كان يخطط له بإيصال الادوية الى الانصار. أُخلي سبيله وترك لفترة قصيرة للاستراحة قبل تكليفه بالمهمة. اقترح نبيل ان يسمحوا لزوجته وطفلتيه بمرافقته وكأنهم في سفرة عائلية كي تبعد شكوك الانصار، مع اهمية ترك سيارته الخاصة ، والسفر بسيارة حكومية لتفادي عمليات التفتيش المعتادة في نقاط السيطرة.
وفي الموعد المقرر سلموه سيارة لاند روفر مع كمية من الادوية مطابقة تماما لنوعية الادوية التي ضبطت معه. وفعلا غادر بإتجاه كاني بلاف، وهناك التقى بالانصار ليسلمهم الادوية مع تحذيره لهم بأنها مسمومة، واحيل الى لجنة تحقيقية للأنصار، واقتنعت بإقواله وسمحت له ولعائلته بالبقاء في مقر القاطع لحين تسفيرهم الى الخارج.
هدية زواج – ويسكي مسموم
تمكن ضابط أمن دهوك وعبر طرق ملتوية من ايصال هدية [ قنينتي ويسكي] بيد احد العملاء الى مختار قرية قريبة من مقر القاطع لغرض تسليمها الى الرفيق ابو نضال كهدية بمناسبة زواج احد اقاربه.
علم الرفيق ابو تحسين بوصول تلك الهدية، وفي احدى الاماسي قام مع الرفيقين ابو نضال وحازم بإحتسائها دون ان يعلم بهم احد من الانصار.
بعد يومين بدأت اعراض غريبة تظهر عليهم كالدوار وشلل في الارجل ثم بدأ شعر الراس بالتساقط ، ويوما بعد اخر كانت حالتهم تنحدر نحو الاسوء .
وصلتُ يوم 24/12/ 1986 الى مقر القاطع بعد اجتماع اللجنة المركزية. كان وضع الرفاق الثلاثة وخاصة الرفيق ابو تحسين سيئا جدا ، فتقرر ارسالهم حالا الى ايران. واستغرق علاجهم مدة 6 اشهر في طهران، ليعودوا بعدها الى المقر .
دس الثاليوم للرفيق جوقي سعدون (ابو فؤاد)
ان ما جرى للرفيق ابو فؤاد اي الاقدام على تسميمه، لم يكن يحدث للمرة الاولى وسوف لن تكون الاخيرة. وسرد تفاصيلها هنا ليس من باب اضافة حالة الى مئات الحالات التي استهدفت حياة الانصار الشيوعيين ،وإنما يجري سردها لنتبين الى اي مدى يصل جبن وخسة البعض بحيث ينسلخوا عن انسانيتهم ويتحولوا الى وحوش لا تعرف سوى الغدر والخيانة.
ان ما جرى للرفيق ابو فؤاد لم يكن بمعزل عن إنعدام اليقضة والحذر المفترض ان لا تفارق الانصار الشيوعيين ولو للحظة واحدة. فما كان يخطط له اعداءهم كان كفيلا بتصفيتهم تماما لولا اصرارهم وحرصهم ويقضتهم .
الرفيق جوقي سعدون من اهالي قرية دوغات، إلتحق بقوات الانصار في اعقاب انقلاب شباط 1963 ، وعمل لفترات طويلة في التنظيم المحلي . وعلى اثر الهجمة الشرسة التي تعرضت لها تنظيمات حزبنا على يد ازلام البعث بعد انهيار الجبهة ، التحق بالأنصار في ناوزنك. ثم نُسب الى منطقة بهدينان حيث قاد احدى سرايا القاطع حتى عام 1985 ، لينسب بعدها سكرتيراً لمحلية دهوك. وبسبب مهمته هذه كان مضطرا للتردد على قرى ريف دهوك لمتابعة عمله الحزبي .
في أوائل كانون الاول 1986 وصل الرفيق الى مقر القاطع في زيوه لمراجعة الطبيب اثر الآم في معدته وشلل خفيف في ساقيه اثناء الوقوف او المسير. وبعد الفحوصات لم يتمكن الطبيب من تشخيص حالته المرضية، الا انه ( الطبيب) ابدى شكوكا بتعرض الرفيق لحالة من التسمم اعتمادا على الاعراض التي كان يعاني منها. جرت متابعة مع الرفيق جوقي سعدون حول المحطات التي توقف فيها اثناء توجهه الى مقر القاطع ، فأكد انه لم يتناول طعاما انما احتسى كأسين من الشاي في بامرني ( في بيت الرفيق ص ).
تدهورت صحة الرفيق ابو فؤاد وبانت عليه بوضوح اعراض التسمم بالثاليوم. وقرر الطبيب ارساله الى ايران قبل استفحال تأثيرات التسمم .
كان حدك يعاني من حالات الاندساس وحلقات التخريب داخل تنتظيماته اضعاف ما كنا نعانيه. وقد تم كشف شبكة واسعة للتجسس في منظمة العمادية التابعة ل حدك، فأعتقل العديد من العملاء الذين كشفوا بدورهم اسماء عملاء مندسين يعملون في تنظيمات حدك، وافاد احد المعتقلين بأن الشيوعي (ص) من اهالي بامرني يعمل لحساب الامن ويستلم شهريا راتبه من مدرسة سرسنك دون ان يداوم بوظيفته كفراش مدرسة.
بعد ابلاغنا بتلك الافادة اشعرنا مكتب الفوج الثالث وبالتنسيق مع مكتب محلية دهوك ، لإعتقاله ومباشرة التحقيق معه. وبعد وضع الحقائق امامه من قبل اللجنة التحقيقية، اعترف دون ان يتعرض لاي ضغط او اكراه ، وتبين انه قد ارتبط بجهاز الامن قبل فترة عندما تم اعتقاله بعد رجوعه من مهمة ايصال احد الرفاق الى الموصل. ولم يطل اعتقاله سوى اسبوع . وادعى في حينها (عند استجوابه من قبل رفاقه) بأن شيئا لم يثبت عليه، الا انه فقد عمله كفراش في مدرسة سرسنك . ولثقة الرفاق به واصل عمله في منظمته الحزبية، وكان الجميع بمن فيهم الرفيق ابو فؤاد يستبعدون اية شبهة به.
اعترف (ص) بأنه ما زال يستلم راتبه من سرسنك. ولم تبادر اللجنة التحقيقية بالإستفسار عن موضوع دس سم الثاليوم للرفيق ابو فؤاد ، بل تبرع هو للاعتراف بذلك .
ويبدو ان الرفيق ابو فؤاد كان محتما عليه الإستشهاد. ففي 5/6/1987، يوم رجوعه من العلاج معافاً من اعراض الثاليوم ، مكث في مقر القاطع بأنتظار صبيحة اليوم التالي ليتوجه الى الفوج الاول حيث تستقر عائلته. أُصيب بشظايا احدى القنابل الكيمياوية التي اسقطت على مقر قاطع بهدينان ، وكانت اصابته بالغة ولم تمهله الا بضع ساعات حيث فارق الحياة في الثانية بعد منتصف الليل .
(1) كوند كوسه : قرية في منطقة الدوسكي تقع على نهر الخابور ، تسكنها عوائل اشورية ، كان انصارنا يترددون عليها لامانة الاهالي فيها ولحسن ضيافتهم . وكثيرا ما كانت كمحطة التقاء بين الانصار واهاليهم .
يتبع
¤ الحلقة الحادية عشر
¤ الحلقة العاشرة¤ الحلقة الرابعة
¤ الحلقة الثالثة
¤ الحلقة الثانية
¤ الحلقة الأولى
| أرشيف الذكريات |