ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

سيرة ذاتية

(4)

 

جليل حسون عاصي

(9)
واصلت جولاتي ألصباحيه بصوره مستمرة وبدون انقطاع خاصة بعد ان عرفت ان واحده من المهام التي يجب ان يلتزم بها الطالب الاتحادي ان يكون متفوقا بدروسه ليصبح نقطة جذب للطلبة الاخرين ويعكس الوجه المشرق للاتحاد ويعد نفسه اعدادا جيداً لخدمة بلده في المستقبل الأمر الذي شجعني على القيام بجولتين يومياً ، واحدة في الصباح واخرى بعد أنتهاء دوام ما بعد الظهر لأن لدوام في المدارس كان صباحاً وبعد الظهر ففي عصر كل يوم أتجه صوب سدة الكوت والعبور من خلالها الى الجهة الثانية من المدينة حيث (مدينة ألفيصليه) التي سميت بالعزة بعد ثورة 14تموز 1958 وبهذا أحقق مسألتين في آن واحد (زيارة وتجارة) كما يقال فمن جانب أتطلع الى السد الضخم الذي ينظم توزيع المياه إلى نهر الغراف ونهر الدجيله وإلى الكميات الهائلة من الأسماك على أختلاف انواعها وأحجامها ، والاستماع إلى هدير الماء الذي يذكرني بحركة الرحى التي كثيرا ما نمت على صوت حركتها بحجر والدتي وهي تقوم بطحن الحبوب على الطريقة البدائية وإلى منظر العمال المنهمكين في تدوير العتلات لفتح الهويس لمرور البواخر الصاعده إلى بغداد والنازلة إلى البصرة ، وملاحظة السابلة الذين يتحركون بين مدينة الكوت والفيصليه ذهابا وايابا ، والتحديق بالسيارات القادمة لعلي اجد بينها الباص الخشبي القادم من الحي والتعرف على احد ركابه للاستفسار منه عن عائلتي وأشم فيه رائحة المدينة .
وفي نهاية المطاف اجلس في حديقة عامه تقع إلى جانب السد على ضفة نهر دجله لأقرا دروسي بعدها اعود إلى القسم الداخلي وانا مشدود بالحنين إلى عائلتي وزملائي في مدينة الحي ،الذين قضيت معهم حياة الطفولة ومما زاد من هذا الانشداد الوحدة التي كنت أعيشها ، او بالأحرى التي فرضتها على نفسي لاعتبارات لا مبرر لها .وأسرح في ذكريات الطفولة وبدايات الصبا بحلوها ومرها ، فقد شاءت الصدف ان أتعرف على فتاة من منطقتنا ارتبطت معها بعلاقة من الصعب تحديد ماهيتها ، فهي خليط من الحب والأخوة وعلاقات الجوار ، وساقني خيالي الطفولي للتفكير بأكبر من سني وإمكانياتي ألماديه والتظاهر بالرجولة ، فقد سمحت لنفسي ان اقرر الزواج منها ولهذا تركت المدرسة عاما كاملا ،عملت خلالها عملا شاقاً ، مقنعنا نفسي من اني سأجمع مهراً لها ولم تنفع كل الأساليب التي أتبعتها العائلة ، بالعدول عن هذا الرأي بما فيها أستعمال القوه وأستمرت هذه الحالة إلى ان جاء أبن الحلال من سكان مدينة الرفاعي وتزوجها ، وأنتهت النزوة العابرة في وقتها .الا ان الحالة النفسية التي كنت أمر بها جددت هذه الذكريات وكنت اتطلع صوب الجنوب ولسان حالي يقول :

            انتم براضي الرفـاعي            واحنة براضي الكـوت
            لاخـــط ولا دسكرة               أولا طـارش المثبوت

لم تستمر هذه الحالة طويلا فقد اختلطت بزملائي الطلبة وشاركت بالنشاطات السياسية وكانت باكورتها بعد المشاركة في أنتفاضة تشرين ، المساهمة في الإضراب الطلابي الذي حصل تضامنا مع طلبة النجف ،فقد تم الاتفاق مع طلبة ثانوية الكوت على الإضراب وفي الموعد المحدد توجه طلبة القسم الداخلي صباحا ، إلى خارج المدينة وتجمعوا بالقرب من معامل الطابوق الواقعة شمال المدينة ، يرددون الاهازيج ويتبادلون الأحاديث وإلقاء الكلمات ، لرفع المعنويات والتأكيد على المطاليب التي رفعها الطلبة المضربين لانهم لايستطيعون البقاء في القسم الداخلي خوفا من كسر أضرابهم من قبل الشرطة ،الا ان الامور سارت بشكل مغاير فقد باشر طلبة ثانوية الكوت بالدراسة ،وتركوا طلبة القسم الداخلي مضربين لوحدهم مما خلق وضعا صعبا للغاية ،الا ان مدير الثانوية تجاوز الموضوع وعتم عليه متأثراً بالضغوط الكبيرة التي تعرض لها من قبل الأساتذة المدرسين المناصرين للإضراب . وشاركت مع طلبة القسم الداخلي في المظاهرة العفوية الصاخبة التي جابت مدينة الكوت على أثر وصول 14 جريحا من أبناء مدينة الحي بعد اجتياحها من قبل ازلام الإقطاعيين من آل ياسين ، فبينما كان الطلبة منشغلون في اعمالهم مستغلين يوم الجمعة سمعوا صوت منبه سيارات الاسعاف عند مستشفى حماية الأطفال القريبة منهم يصل عنان السماء ,فهرعوا مسرعين إلى المكان ، وجدوا مستخدمي المستشفى ينقلون الجرحى من سيارات الاسعاف .فتطوع قسم من الطلبة لمساعدتهم في نقل الجرحى ، و عندما حمل اخر جريح و هو رجل ضخم الجسم من اخواننا الاكراد ، يعمل حمالا" في احدى علاوي الحبوب، لان اثار الغبار لا زالت عالقة على شعر صدره ، الذي اختلط فيه التراب و الشعر بالدم النازف منه.كان الرجل يستغيث و يتلوى من الالم ,لان اصابته كانت بليغة ,مما اثار مشاعر الطلبة و عند وضعه في الردهة , هتف احدهم المدعــــو(طارق) و هو طالب في الصف الثاني متوسط (يسقط الاقطاع) ردد الهتاف كل من في الردهة من الاطباء و المستخدمين و الطلبة و المرضى بصوت واحد (يسقط) و في الطريق إلى الشارع توالت الهتافات بسقوط الاقطاع . وتجمع عشرات المواطنين اولا في شارع الكورنيش ، و ما ان عرجت المظاهرة في شارع المشروع حتى تقاطر المواطنون عليها بالمئات . و حصل التحشد الكبير في شارع الصيادلة خلف معاونية شرطة الكوت . حيث ألقيت الكلمات والاشعار و الاهازيج , بعدها اعلن عن تفرق المظاهرة دون اي تدخل من قبل الشرطة والامن ، كما ساهمت في الحملة الانتخابية وفي المهرجان الخطابي الذي اقيم لمرشح الجبهة الوطنية عن منطقة الكوت الشهيد الاستاذ المعروف ( توفيق منير ) .
لقد وصل هذا الرمز الوطني الكبير مدينة الكوت في حينها ونزل في فندق القصر الابيض الواقع في مركز المدينة . وفي وقتها شكل وفد من طلبة القسم الداخلي لثانوية الكوت وقابله في الفندق المذكور. رحب كثيراً بالوفد وأثنى على الشباب المشاركين فيه . وكبر فيهم الروح الوطنية ورفع من معنوياتهم وطلب منهم الحفاظ على الوحدة الطلابية والتمسك بها. حيث لمس منهم ما ينم عن وجود جفاء بينهم وبين طلبة الثانوية. وفي الليل حصل تجمع جماهيري حاشد في أحدى الساحات داخل المدينة بالقرب من المدرسة الشرقية الابتدائية ألقيت فيه الكلمات والأهازيج ورفعت فيه الشعارات الوطنية. وفي الختام ارتجل كلمة قيمة دعى فيها الى وحدة الصف الوطني والوقوف الى جانب مرشحي الجبهة ، وفي صباح اليوم الثاني سمعنا أنه أعتقل بعد أنتهاء الاحتفال وعودته الى الفندق من قبل الشرطة وأرسل مخفوراً الى مدينة بدرة .

(10)
كان والدي فلاحا (رغم تركه الفلاحه لفترة طويلة نسبياً) فقيرأً وأمياً ولكنه يمتلك معارف كثيرة تنحصر بحدود فهمه للحالة الاجتماعية السائدة آنذاك، الا انه من جانب أخر يحاول التعرف على ما يجري من تطورات يسمع عنها دون ان يتوصل إلى معرفتها لذلك يلجأ إلى ولده الكبير طالبا منه تزويده بالمعلومات والمعارف ،والتردد بأستمرار على بيت عمته للتعرف على أخبار العالم من جهاز الراديو الموجود عندهم الأمر الذي أهله ان يحتل مكانه اجتماعية مرموقة في الوسط الذي يعيش فيه ، ونراه بأستمرار يأخذ مكان الصدارة بالحديث عن الامور التي تطرح أثناء التجمعات في المقاهي والفواتح والأعراس والمضايف ودائما ما يبدا حديثه بمثل شائع او قصه قصيرة ويربطها بالقضية موضوع الحديث ، ورغم أنه لم يكن رئيس عشيرة او ما شابه ذلك الا ان العشيرة لا تتخذ أي قرار ما لم تأخذ رأيه فيه ، ومع هذا فان تفكيره لم يكن اكثر وعيا" من ابناء عمومته، و انما هو اسير نفس العقلية و الاختلاف الوحيد بينهما فقط في الاسلوب لا غير.
لذلك نجده غالباً ما يستغل تجمع العائلة حول النار في فصل الشتاء ويقوم بسرد قصص و حكايات كثيرة امام بناته على طريقة (إياك اعني واسمعي يا جارة) متفاخرا بما أقدم عليه فلان ابن فلان من العشيرة الفلانية على ذبح اخته او ابنة عمه ، لانها ارتكبت عملا شائنا" مجسما" الحالة ، بحيث يجعل البنات يرتجفن من الخوف ، وبالمقابل يذكر ان فلانة بنت فلان من العشيرة الفلأنية رفعت راس والدها و اخوتها و عشيرتها و اصبحت مضرب الأمثال و ينتخون بها (آنة اخو فلانة) لانها تصرفت تصرفا" لم يقدر عليه اشجع الرجال . فمثلا تمكنت (حمدة) وهي شابة ترعى الغنم من قتل الذئب الذي هاجم قطيعها ولذلك ينتخي بها ابناء عمومتها و يقال لهم (اخوة حمدة). وفلانة بنت فلان تمكنت من مقاتلة الرجل الذي حاول الاعتداء عليها إلى ان اجهزت عليه و هكذا. ولم يكتفي بالحديث فقط عن هذا الجانب وانما تعداه الى المشاركة بارتكاب جريمة كبرى ظل يعاني منها طوال حياته . فلا زلت أتذكر ذلك اليوم الرهيب عندما كنت تلميذا في الصف الثاني الابتدائي زارنا في حينها عدد كبير من وجوه العشيرة وبرفقتهم أمراة تدعى (غليوه) توجهت المراة إلى غرفة العائلة وجلست بين امي وجدتي واخواتي في حين توجه الرجال إلى الغرفة الثانية يتوسطهم والدي ، ودخلوا في نقاش طويل وصل لحد الصياح والزعيق ، وجلس قبالتهم رجل كبير السن حاسر الراس شعر راسه ابيض يدعى (راضي) يصيح بأعلى صوته ويتوسل الحاضرين ويقول ( ياناس يا عالم ان زوجتي بريئة ) دون ان يصغي احد إلى صراخه بل اكثر من هذا فقد هدده ابنه الكبير بانه سيقوم بذبحه معها ان لم يكف عن هذا الهذر كانت (غليوة) امرأة كبيرة تجاوزت سن الأربعين قصيرة القامة نحيفة الجسم بشرتها سوداء ليس فيها ما يدل على الأنوثة اللهم الا في كونها من صنف النساء ، بسيطة جدا ، كانت تضرب على راسها ووجهها بكلتا يديها وهي تسمع زعيق الرجال والدموع تجري من عينيها ، داعية الجالسات إلى جانبها لتصديقها كونها بريئة مما نسب لها ، كانت جريمتها كونها جالسة قبالة رجل ومنسجمة معه في حديث ، بعد ان قدمت له طبق فيه خبز ولبن وتمر لانه ليس من اهل المنطقة ويعمل مأمورا لدى الاقطاعي لمراقبة الفلاحين اثناء موسم الحصاد ، ومع هذا قرر الجميع ذبحها ، وقطع كفها وتعليقه بباب المضيف لتكون عبرة للاخريات من بنات العشيرة ومما يدعوا إلى الألم والاستنكار ان الشخص الذي قام بهذه المهمة هو ولدها الكبير .و هذا التصرف ليس مستغربا" من اناس تربوا على هذه التقاليد و الاعراف اجيالا عديدة، بل و اكثر من هذا يعتبرون عملهم من باب الرجولة و الشهامة ، و في بعض الاحيان يتفاخرون به ، من قبيل ان فلان ابن فلان (خشم سمرة ) أخذها من حضن امها ، و ذبحها من الوريد إلى الوريد و غسل عارها .
أما الأسلوب الذي اتخذه معي فكان مغايرا لذلك فعندما اراد ان يكسر حاجز الخوف المسيطر علي ,طلب مني ذات يوم ان انصب كمينا" في منطقة بالبستان معرضة للسرقة ، تبعد مسافة ليست بالقليلة عن محل إقامته وهذا المكان يخيفني في وضح النهار ، فكيف بي والوقت ليلا والظلام دامساً .امتثلت للأمر بدافع الحياء و ذهبت إلى المكان المحدد ، جلست فيه وانا ارتعد من الخوف، و يكاد قلبي ان يسقط من بين اضلعي ، عند كل حركة مهما كانت بسيطة ، حتى وان كانت نسمة هواء ، او سقوط ورقة على الأرض . سمعت صوته يطلب حضوري لانتهاء المهمة ، اخذت اقفز قفزات سريعة غير مكترث بما سيحصل لي ، بل اكاد ان اطير في الهواء . إلى ان وصلت إلى نخلة تفصل بينه و بيني .اتكأت على جذعها إلى ان استرددت انفاسي .بعدها سرت على مهل إلى ان وصلت إلى المكان الذي يجلس فيه . تكررت هذه الحالة و بدأ الخوف يتلاشى شيئا" فشيئا" ، إلى ان اصبحت مسألة تحركي في اي مكان من البستان او غيره ليلا او نهارا قضية عادية جدا .
وكان يصطحبني معه راعيا للغنم إلى بغداد ويتركني لوحدي هناك في مطار بغداد الحالي من أجل تنمية قدراتي على التحمل ويطلب مني حفظ النقود التي يستلمها عندما يبيع قسم من الغنم لزرع الثقه في نفسي من خلال الثقة التي يمنحها لي ، وكان يتصف بالعفة .فقد سمعت ورأيت كيف تعامل مع احدى النساء ممن يعملن في بيع الشاي عندما دخلت عليه ليلاً وهو نائم بأحدى الخانات في علاوي الحلة ببغداد . فبعد ان استفسر منها عن حاجتها أجابته بأستهزاء مع حركه من يدها ( حسبالي رجال ) أبعدها عنه بأسلوب مؤدب ولم يطلع احد على وضعها وظل سراً يحتفظ به لنفسه على قاعدة (ان الله يحب الساترين ).
أستفدت كثيرا من هذه الرفقه في حياتي اللاحقة ، خصوصا بعد الملاحقة البوليسية التي تعرضت لها والتي أضطرتني اللجوء للريف والعيش فيه والتردد عليه لعدة سنين ,فقد كانت أحاديثه سلاحا ماضياً بيدي أستخدمته بكسب ود الفلاحين والتعامل معهم باللغة التي يفهمونها . وحزت من جراء ذلك على كسب عطفهم وحمايتهم لي في اصعب الظروف وساعدني الاختلاط بهم على تشذيب نواقصي لان الفلاحين هم أقدر من غيرهم على تشخيص نقاط الضعف لدى كائن من كان.
ان تعاملي مع الفلاحين وفق القيم والمثل التي تعلمتها والتي هي قيم المجتمع قبل كل شيء وعلى ضوء منطلقات الحزب في تبني كل ما هو أيجابي في هذا التراث الضخم شدهم لي واصبحت موضع ثقتهم فعلى سبيل المثال كنت أتردد على بيت أحد الرفاق الفلاحين وكانت زوجته إنسانه بسيطة ومتخلفة بعض الشيء ، ومصابه بداء النسيان ، وفي أحدى المرات عندما وصلت إلى بيتهم لم تعرفني كالعادة وبعد أخذ ورد سمحت لي بالجلوس في صريفه منعزلة عن البيت ، أثناء غياب زوجها وعند حضوره أخبرته بالأمر طلب زوجها منها الدخول إلى الصريفه لاخذ الطحين الموجود فيها من أجل ان تهيىء لنا طعاما ، لم تدخل إلى الصريفه حياء مني عندها قام زوجها وأدخلها إلى الصريفة عنوة وقال لها بالحرف الواحد ( ان وجدتك نائمة في هذه الصريفه مع هذا الشخص / مشيرا اليَ لاأشك في شيء وان وجدتك مع اخي سلمان في هذه الصريفه لوحدكما اذبحك من الوريد إلى الوريد ). ومما هو جدير بالذكر أنني نسيت أسم الفلاح ولاكني لم انسى سلمان فلا يزال هذا الأسم مطبوع بذاكرتي .
بالرغم من صعوبة الحياة وتعقيداتها وما تركته من آثار سلبية على سلوك العائلة إلا أن الجميع وبدون استثناء متفائلين بأن الفرج قريب بل وقريب جداً ، ولم تبقى إلا أشهر قليلة على إنهاء أخي الطبير رسول دراسته بالكلية ويصبح مدرساً ويزيل عن العائلة غائلة الجوع والحرمان ، ويرفع الحمل الثقيل عن كاهل هذا الرجل الذي ظل يكدح طوال حياته لينعم بقسط من الراحة في أواخر أيامه ، إلا أن الرياح كما يقال (تجري بما لا تشتهي السفن) فقد شاءت الاقدار أن يصاب والدي بمرض في اوخر عام 1953 أقعده في البيت ، الأمر الذي تطلب ارسالة إلى بغداد وأدخاله مستشفى المجيديه (المستشفى الجمهوري حالياً) أجريت له عمليه جراحيه هناك توفي على أثرها في ربيع عام 1954 وكان ولده رسول يتابعه لكونه كان طالبا في سنته الاخيره بدار المعلمين العالية ببغداد .
وهو الذي قام بدفنه دون ان يخبر احداً بذلك وقد كتب لي رسالة بعد الحادث مباشرةً وصلتني عن طريق البريد ومما جاء فيها حسب ما أتذكر (لقد توفي والدنا توفي بعيدا عن أهله وأقاربه مثلما عاش بعيدا عنهم وتقع على عاتقنا الان مهمة رعاية العائلة ).

(11)
عاشت العائلة ظرفا قاسيا جدا بعد وفاة والدي من ربيع 1954 إلى خريف نفس العام لأنها فقدت معيلها الوحيد ورجل البيت . وعند عودتنا انا واخي إلى الحي بعد انتهاء ألسنه الدراسية وحلول العطلة الصيفية ، تحملت لوحدي عناء العمل لتوفير لقمة الخبز لها ، فليس من المعقول اجتماعيا ان يقف أخي الكبير الذي اكمل دراسته توا وينتظر حفلة تخرجه مدرساً في مسطر عمال البناء او بيع الفواكه والخضر ، لذلك لجئ إلى احد أقاربنا وعرض عليه تسليفنا مبلغ من المال على ان نسدده اليه في أقرب وقت ممكن ، اعتذر الرجل وقدم له (5) دنانير (جبر خاطر) رفضها وأنصرف وبعد صدور أمر تعيينه مدرساً في ثانوية الشطرة سحب العائلة إلى هناك ، رغم أعتراضي والوالده معاً ، الا انه اصر على ذلك فليس صحيحا من وجهة نظره ان تتوزع العائلة على ثلاثة اماكن واحد في الكوت وأخر في الشطرة وتبقى العائلة في الحي وكان له ما أراد .
انتقلت من ثانوية الكوت إلى ثانوية الشطرة والتحقت في الصف الثالث المتوسط بعد ان ودعت المدينة التي تعلقت بها شيئا فشيئا والزملاء الطلبة الذين تركت معهم أحلى وأعز الذكريات والتي بقيت محفورة في ذاكرتي عشرات السنين ، وستبقى إلى نهاية العمر.
تحسن وضع العائلة المعاشي كثيرا واصبح بامكانها شراء ما تحتاجه من غذاء وكساء وتوفرت لها الخدمات لاول مرة مثل الكهرباء والماء والأثاث وجهاز الراديو واصبحت لها علاقات واسعة في الوسط الاجتماعي لان اهالي المدينة يحملون سجايا الجنوب التي تتمثل بالطيبة والبساطة والكرم والشجاعة والوعي الوطني ، وكما هو معروف ان مدينة الشطرة قدمت الكثير من المناضلين منهم الشهيد ( محسن هداد ) ابن الشطرة البار الذي استشهد في مجزرة سجن الكوت، والمناضل شهاب احمد اصغر معتقل سياسي في سجن الكوت على عهد الرفيق فهد ،وخالد الشطري وغيرهم ....
اصبحت دارنا في الشطرة ملتقى لكوكبة من المناضلين منهم على سبيل المثال الفنانة الراحلة والاستاذة القديرة ( فخرية عبد الكريم ) بطلة مسرحية ( آنة امك يا شاكر ) وزوجها الاستاذ الفاضل( نوري اكبر) والاستاذ الفاضل جواد النصيري واخرين من ابناء المدينة استفدت كثيرا من هذا الجو الجديد فكريا وثقافيا وسياسيا لأني اصبحت على اطلاع مباشر بكل ما يصدر عن الحزب والاستماع لكل ما يدور من نقاشات بين هذه المجموعة وقراءة ما كان متداولاً بينهم من كتب سياسية وأدبية لكتاب الواقعية الاشتراكية مثل رواية ألام لمكسيم غوركي وكوخ العم توم وغيرها، والاستماع إلى اذاعة صوت العراق الحر ، الا ان عملي ظل مقتصرا في مجال اتحاد الطلبة فقط .
أكملت المرحلة المتوسطة والتحقت بدار المعلمين الابتدائية في بعقوبة ، لأنها الطريق الأسهل للحصول على الوظيفة بوقت مبكر ، والإسهام في إعالة ثلاثة أطفال مع شقيقتهم الكبيرة التي تعاني من مرض مزمن ، لان ( رسول ) الذي يعيلهم يفكر في الزواج ويلمح بتهيئة بيت خاص به او هكذا يمني نفسه ، كانت الحياة في القسم الداخلي لدار المعلمين في بعقوبة هي امتداد لحياتي بالقسم الداخلي لثانوية الكوت ، والتي لا يمكن ان تنسى مهما تباعدت السنين وتغيرت الظروف فهي حياة اجتماعية ، ثقافية ، سياسية ، تعليمية بكل ما تعني هذه الكلمات من معنى ، ومما يعطيها اهمية خاصة واستثنائية كونها حصلت في مرحلة عمرية مناسبة قادرة على تقبل الأفكار والمفاهيم المطروحة على الساحة لمعالجة الظروف الصعبة التي تعيشها البلاد وامكانية التفاعل معها فالطلبة فيها قدموا من عشرة ألوية (محافظات) من الشمال والوسط والجنوب يمثلون قوميات وأديان وطوائف ولهجات وعادات مختلفة لان الدراسة في دار المعلمين الابتدائية كانت مقتصرة آنذاك على بغداد وبعقوبة ، ومن ابرز احداث هذه المرحلة - فضلا عن النشاطات الطلابية الاعتيادية اليومية - المشاركة في المظاهرة التي نظمت للتضامن مع الشقيقة مصر ابان العدوان الثلاثي عليها ، اسوة بالمدن العراقية الاخرى التي عرفت تاريخيا بانتفاضة تشرين المجيدة ، عام 1956 فقد انطلقت ألمظاهرة من دار المعلمين الابتدائية بعد تناول الطلبة لفطورهم في مطعم القسم الداخلي حيث اتفق على ان يكون الايعاز من هناك ، واتجهت المظاهرة إلى ثانوية طلبة بعقوبة عبر الشارع الرئيسي الذي يربط المدينة بقضاء المقداديه ومنها إلى ثانوية البنات إلا أنها اقتصرت بالنتيجة على طلبة الدار فقط بعد ان تعذر خروج طلبة وطالبات الثانوية وعند أنعطاف المظاهرة نحو مدخل المدينة في الشارع المحاذي لنهر (خريسان ) اصطدمت بالشرطة وحصل بين الطرفين تراشق بالهراوات والحجاره وبعض زخات الرصاص ، الأمر الذي ادى إلى تفرقنا والاختفاء في البساتين المنتشرة بأطراف المدينة .
أعتقل عدد من الطلبة واودعوا التوقيف بعدها تم فصلهم من المدرسه وسوقهم مجندين إلى مدينة راوندوز في كردستان . وبعد ايام قلائل من ندلاع الانتفاضه قررت وزارة المعارف غلق المدارس مؤقتا وسفر جميع الطلبة إلى أهليهم لغرض الحيلولة دون استمرار المظاهرات ، لان الطلبة كانوا المحرك الذي يشعل الفتيل .
وصلت إلى عائلتي في مدينة الشطرة في وقت كان الجو مكهربا فيها ، لان أخبار انتفاضة الحي الباسله والمقاومه البطوليه الرائعه لاهالي المدينة وما تبيته الحكومة من أجتياح لها كانت تجد لها صدى واسعا لدى الشطريين ويتابعون الحاله اولا باول ، وكان لابد من أسنادهم وفعلا خرجت مظاهرة خاطفه من سوق المدينة تفرقت بسرعه قبل ان تصطدم بالشرطة ، وفي حينها قامت وزارة المعارف بعد ألانتفاضه مباشرةً وعلى ضوء التقارير الأمنية بنقل عدد من المدرسيين في ثانوية الشطرة إلى مناطق نائيه ، وكانت الضريبة التي دفعها أخي رسول النقل إلى ناحية هيت في غرب العراق .

يتبع


¤ الحلقة الثالثة

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى

 

الأحد 7/1/ 2007

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة