ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

| أرشيف الذكريات  |

 

 

 

 

 

الأحد 7/2/ 2010

 

بمناسبة الذكرى السابعة والاربعين للانقلاب المشؤوم

كي لا ننسى !!؟
قصص مأساوية من جرائم الثامن من شباط الاسود !!؟؟

د. جبار ياسر الحيدر
تورونتو / كندا

أولا :::- انسانية ووفاء جبار الشرطي !؟
في صبيحة الثامن من شباط 1963 استيقظنا على ( عواء الذئاب ) بيان رقم واحد المشؤوم حينما كنت رئيسا للاطباء المقيمين في مستشفى الفرات الاوسط في مدينة الكوفة .. وجاءت التعليمات الفورية بضرورة المقاومة والتصدي .. وان هنالك مقاومة جماهيرية شرسة مع ترقب حذر في بغداد ومحافظات الجنوب والفرات الاوسط ومنها النجف والكوفة .. جائني جبار الشرطي وهو احد رجال الشرطة العاملين في مستشفى الفرات الاوسط في الكوفة .. كان هذا الرجل يحمل لي المودة والمحبة والاحترام نظرا لمعاملتي وعلاقتي الحسنة معه ومساعدتي ورعايتي له ولعائلته ولاطفاله طبيا وماديا .. قال لي باكيا .. عمي هنالك انقلاب ضد عبد الكريم قاسم وجماهير الفقراء نزلت الى الشوارع في بغداد لاحباط هذا الانقلاب وقد حصلت مذابح .. وقال لي ارجو ان لا تغادر الكوفة وان تسمح لي بالذهاب الى بغداد للاطمئنان على عائلتك .. والدك ووالدتك واخوتك وخواتك وسأحاول جلبهم الى الكوفة .. فشكرته واعطيته بعض النقود واوصيته بأن يحترس ويأخذ الحيطة والحذر ... وفي صبيحة اليوم الثاني علمت بأن الاعتقالات قد طالت كل معارفي وأصدقائي وكل ماهو شريف ومثقف من اعيان الكوفة والنجف ... وما هي الا فترة وجيزة حتى قامت حفنة من جلاوزة الحرس القومي باقتحام المستشفى وقاموا باعتقالي واعتقال عدد من كوادر المستشفى من اطباء ومضمدين وممرضات وآخرين .... واودعونا في مركز شرطة الكوفة المكتظ بالمعتقلين الاخرين !!؟ وفي صبيحة اليوم التالي جائني الى المركز جبار الشرطي وكلمني من خلف القضبان وأخبرني بانهم قاموا في بغداد باعتقال والدي وأخي ناجي واودعوهم في معتقل النادي الرياضي الاولمبي في الاعظمية وهم يفتشون عن خواتي نجاة وساجدة وقد قاموا باعتقال كثير من الاقارب واولاد العمام .. وقال للاسف لم أستطع فعل أي شئ .. اما في المستشفى فقد اعتقلوا عدد من الاطباء الاختصاصيين ومنهم الدكتور الجراح رضا عجينة والدكتور شاكر القطيفي اختصاصي الباطنية والقلبية وبعض منتسبي المستشفى .. وقال لي لقد صادروا مسدسك واجازة حمل السلاح حيث وجدوها في غرفتك وعند خروجهم حاولوا حرق سيارتك فقمت انا وبعض الاخيار باطفائها .. وطلب مني سويج السيارة لنقل السيارة الى بغداد فاخبرته بمكان السويج .. وفعلا لقد فعل ذلك وبقي هذا الرجل الوفي والشهم يلاحقني الى كل المعتقلات ومراكز التعذيب التي نقلت اليها حينذاك ويتابع اخباري ويرفدني بالاخبار كحلقة وصل بيني وبين الاهل خارج السجن حتى بعد نقلي ونقل ماتبقى من المعتقلين الى سجن الحلة واطلاق سراحي في بداية كانون ثان 1964 بعد الانقلاب التصحيحي ! لعبد السلام عارف ضد حلفائه !!؟

ثانيا :::- كيف قتل المقبور محمد رضا الشيخ راضي آمر الحرس القومي في النجف ؟
لقد تم نقل المعتقلين في الكوفة بعد أيام الى معتقل الامن في النجف وبطريقة مهينة حيث اصطف اوباش الحرس القومي والمرتزقة المدججين بالسلاح على جهتي مدخل البناية وحتى اللوريات المهيئة للنقل وهم يكيلون انواع الشتائم والاهانات والركل والضرب بالهراوات للمعتقلين اثناء صعودهم الى وسائط النقل وتم نقل الجميع الى معتقل أمن النجف قبل ان ينقل هذا المعتقل الى المكان الجديد ..... فوجدنا معظم اخيار ومثقفي مدينة النجف من اطباء ومهندسين ومحامين ورجال دين مشهورين وادباء وشعراء واساتذة ومعلمين وطلاب وتجار ومن النخب الطيبة من كافة الشرائح ... واتذكر منهم الدكتور رضا عجينة والدكتور شاكر القطيفي والمحامي شاكر جريو والمحامي حميد السكافي والمحامي عبد المنعم الصائغ والمحامى جواد عبد الحسين والدكتور خليل جميل والدكتور حميد الفضل والدكتور حسن عبره والموظف الصحي كاظم معله والمهندس سمير سارة والشاعر والاديب عبد اللطيف اطيمش والحاج صادق الصفار والاستاذ جواد الرفيعي والحاج مهدي شلال التميمي والاستاذ الاديب داود ملا سلمان ( أخ الاديبة والشاعرة المعروفة وئام ) والحاج عبد الرحيم الشمرتي وعبد الزهرة الشمرتي ومحمد علي الشمرتي وعبد الله الشمرتي والاخ جبار ابو رزاق والاستاذ نوري جريو والاستاذ أديب عجينة وكثير غيرهم ....؟؟ ( أرجو المعذرة للذين لم تسعفني الذاكرة لذكر أسمائهم ) ...... وما أن يحل الظلام مساء حتى يأتي المنادي (غراب البين !) لياخذ مجموعة منا للتحقيق في مقر الحرس القومي ، فمنهم من يذهب ولا يعود ! ومنهم من يؤتى به وهو سابح بدمائه لاتسمع منه الا الانين ومنهم من ياتي معافى لانه اعطى كل ما لديه من معلومات فيها الافتراء وفيها الصحيح وقسم آخر لم يمس بأي ضرر ولم يعذب كونه من الاقارب والمعارف والانتهازيين وذوي ( الوساطات والمحسوبيات الرشاوي !!)؟ فتوالت الانهيارات والاعترافات والمساومات !! من قبل ذوي النفوس الضعيفة . وفي مساء ذات يوم جاء (غراب البين !! ) مع مجموعة خائبة من المسلحين وناداني وذهبت معهم واخذوني الى مقر الحرس القومي فوجدت المآسي هناك بين اناس غارقين بدمائهم معلقين من ايديهم في المراوح السقفية ودفعوني فتدحرجت الى سرداب طافح بمياه آسنة ذات روائح كريهة ووجدت هناك اجساد بشرية لاتسمع منها الا الانين بين الحياة والممات .. وقد تناوب علي في التعذيب كل من المجرمين محمد رضا الشيخ راضي ( أخ محسن الشيخ راضي )؟ ومهدي الشرقي ومدلول المحنا ... وقالوا لي نحن لانريد ان تعطينا المعلومات عن جماعتك فقد اعترف عليك الجميع وهذه اعترافاتهم عن نشاطاتك ومسؤولياتك في النجف ... ولكن نريد ما لم يعرفونه عنك فلديك مسؤليات وتنظيم في الكوفة وابو صخير والحيرة فقلت لهم هذا كذب وانا غريب عن هذه المناطق فتناوبواعلي بالتعذيب والضرب مستخدمين الركل والكيبلات والهراوات والتيار الكهربائي ... وبقيت هناك ثلاث ليالي بدون مأكل او شراب عدا رذاذ الماء المتطاير من ماسورة ماء يرشونه علينا بغرض التعذيب في تلك الايام الباردة والدماء تسيل من مختلف انحاء جسمي وكسور متعددة في الرقبة وعظم العضد الايسر والاضلاع والتي ثبتتت بالصور الشعاعية فيما بعد ... وفي صبيحة اليوم الثالث حصلت المفاجئة بعد أصوات جعجعة الاسلحة وحركة الحرس القومي ، واذا بصوت يعلو ... لقد قتل محمد رضا الشيخ راضي !!!؟ وبعدها ساد الصمت ، وجاء الفرج وحملوني من السرداب ورموني في قاعة المعتقلين وانا متعب وغير قادر على الحركة وبسرعة تلقفوني اصدقائي ومعارفي من المعتقلين وتألموا للوضعية التي كنت أنا فيها وقاموا بتضميد جراحي ومساعدتي بتغيير ملابسي ... كما انهم أفرغوا مقر الحرس القومي واعادوا المعتقلين الى معتقل الامن الذي نقلوه الى السرداب في بناية مديرية شرطة النجف الجديدة .. وهذا المعتقل الجديد عبارة عن سرداب كبير أظلم لاتدخله الشمس وقاتل في رطوبته ... وبعد نقلنا اتضح ان هذا المجرم ومجموعة اخرى من الحرس القومي قد ارسلوا بمهمة من قبل المسؤولين لمطاردة مجموعة مسلحة من الشيوعيين وقيادتهم منسحبين ومختبئين في بساتين العباسيات قرب الكوفة .. وحينما علموا هؤلاء بهجوم الحرس القومي .. نصبوا لهم كمائن وقتلوا عددا منهم ومن بينهم قائد الحرس القومي في النجف المجرم المشار اليه اعلاه ... وقد تسنى للشيوعيين المطاردين الانسحاب بسلام وبدون خسائر .؟ وبموت هذا لقد نجونا من الموت وتغيرت أساليب التحقيق مع المعتقلين الاخرين !!!!؟

ثالثا :::- كيف استشهد الطفل هادي !!؟؟
بعد نقلنا الى السرداب الجديد في النجف اخبرني أحد المعتقلين المرحوم محمد حياوي بعد ان علم بقصتي ... قال هل سمعت بالطفل هادي ذو الاثنتي عشر ربيعا الذى فضل الانتحار على الاعتراف على اهله ومعارفه من شدة التعذيب الذي واجهه من قبل نفس الشلة التي اشرفت على تعذيبك ... وفعلا لم يخلص من التعذيب الا بالانتحار !!!؟؟
قال نتيجة لوشاية القي القبض على الطفل هادي البالغ من العمر 12 سنة وهو ابن الحائك الذي كان يخبئ مطبعة الحزب في بيته ويخفي صوت المطبعة بماكنة الحياكة وجائوا به الى مقر الحرس القومي .. وتفاجأ هذا الطفل بالشخص المسؤول عن المطبعة اذ كان تحت وطأة التعذيب فتفهم الموضوع .... وسالوه هل تعرف هذا الشخص ؟ فاجاب كلا انني لا أعرفه ولن أراه سابقا ... وبدأوا بضربه وتعذيبه وطلبوا منه ان يدلهم على المطبعة واين نقلوها ؟؟ وفي كل مرة كان ينفي علمه بها ... وبقي على هذا المنوال والتعذيب الوحشي والتعليق وربط المجرى البولي بالخيوط لعدة ايام والى جنبه ذلك الشخص المعلق تحت وطأة التعذيب المستمر والذي كان يئن من جراحه ... ويقول للطفل بصوت خافت ... يابني اذا لم تتحمل دلهم على ما يريدون !!!؟ فصاح الطفل مناديا جلاديه انزلوني سادلكم على ما تريدون ... فهرعوا وانزلوه وجلبوا له الماء وبعض الطعام ... وأثناء الليل قالوا له لنذهب فاخذهم الى مكان ما يمينا وشمالا في العراء وبعدها يعتذر ويقول للاسف لا استطيع التركيز الان فغدا سادلكم على المكان وينهالون عليه بالضرب ويعيدوه الى المعتقل ... ومضى معهم في هذه اللعبة أيام وليالي معدودة في أماكن أخرى ولكن بدون فائدة وبعد عودته الى المعتقل هددوه واوعدوه بالتعذيب والاغتصاب والقتل في صباح اليوم الثاني ، لكنه كان قد اعد عدته لوضع نهاية لهذا التعذيب ... ففي منتصف الليل اخرج موس الحلاقة الذي كان قد أخفاه وضرب رسغه عميقا بهذا الموس فقطع شريان ووريد الرسغ ووجد في الصباح الباكرغارقا بدمائه وقد فارق الحياة !!؟

رابعا :::- المضحكات المبكيات من الطرائف المأساوية في معتقلات النجف وسجن الحلة ؟
أولها --
لقد كان معنا في معتقلات النجف ومنذ البداية الشخصية النجفية المرموقة والرائعة عضو مجلس السلم الحاج صادق الصفار ... والكل يعرف ان الحاج صادق من مدمني ومحبي الاركيلة ( الغرشة ) ... فاذا زرت بيته في النجف تراه وكانه متحف لانواع الاركيلات في العالم وهو رجل ميسور وذو مكانة مرموقة .. وفي اليوم الاول من اعتقاله طلب من السلطات الامنية وترجاهم ان يسمحوا له بادخال اركيلته معه لانه لايستطيع بدونها فرفضوا ... مما جعل كافة المعتقلين وهم يعيشون محنتهم أن يتعاطفوا معه ... وجائنا صديقي جبار الشرطي واعطيته بعض النقود وطلبت منه ان ياتي لنا بصورة خفية بابريق من التنك وقواطي جبن كرافت صغيرة وصوندة مطاطية بطول متر وفحم يحترق ذاتيا وجلب بعض التبغ وبهذا فقد قام أحد المعتقلين بصنع ما يشبه الاركيلة من هذه المواد تفي بالغرض، وتعاون كل المعتقلين بتعميل هذه الاركيلة بصورة سرية للحجي كلما اشتهى ذلك بعيدا عن مرأى الشرطة ورجال الامن . كان هنالك بين المعتقلين شاب أصغر المعتقلين عمرا اسمه عبد الله الشمرتي وهو محبوب جدا ومقرب للحاج صادق ودوما يتمازح معه ويسأله عما اذا كان هنالك امل بمجيئ قوائم اطلاق سراح حيث اخذت تتوالى قوائم اطلاق السراح ولكنها لا تتضمن عبد الله والحاج صادق وبعد اسابيع عديدة وصل هذا المزاح بينهما الى حد المماحكة والازعاج .؟ كان الحاج صادق يجيد نظم الشعر الشعبي وكعادته أراد ممازحة الشاب الظريف عبد الله والذي يدلعونه اهله بـ ( عبللي ) فقال له :::-؟

سبع نحرير ياوليدي عبالي
و( شعرتك ) لو احوجنها عبا لي
ياربي ماتفك سجنه العبللي
ويروح الوالده بهذي المسية

فغضب عبد الله كثيرا واغتاض على الحاج صادق وفكر باجابته ولكنه لا يجيد نظم الشعر فذهب الى استاذه الاديب والشاعر المهذب والخجول عبد اللطيف اطيمش وطلب منه بعد الالحاح ان ينظم له شعرا ضد الحاج صادق الصفار ( أبو موسى ) متوسلا اليه فقبل وقال له اذهب وقل له :-
يبو موسى المصايب جرت واسدت
وعليك ولا قوائم بعد وصدت
صرت تالي العمر بالسجن وسده
وغرشتك بالبريك تصير هيه !؟

فغضب أبو موسى واغتاض على عبد اللطيف وعلى الجميع وبعد ايام اطلق سراحهما ولا أعلم لحد الان عن اخبار الحاج صادق اطال الله في عمره ان هو لازال على قيد الحياة ..؟

أما عبد الله فاستمرت صداقتنا معه وحتى هذا الحين .؟

وثانيها .. بعد حركة الشهيد البطل حسن سريع وقضية قطار الموت الشهيرة اطلق سراح الكثير من كانوا معي في الكوفة والنجف وبقي مئات آخرين وهم من خيرة الوجوه في النجف وكربلاء والفرات الاوسط ... أما أنا فكانت قيادة الحرس القومي في النجف تقوم بتمزيق برقيات اطلاق سراحي الصادرة من الحاكم العسكري في بغداد والاصرار في عدم تنفيذ أوامر اطلاق سراحي التي كان يجلبها المرحوم الوالد من الحاكم العسكري في بغداد بالرغم من وساطات أخيار ووجهاء النجف والكوفة وجهود الوالد وعلاقاته الواسعة في بغداد حيث أصيب الجميع بالاحباط واليأس ... وقد تقرر نقلنا جميعا الى سجن الحلة وحينما دخلنا السجن الذي كان مكتظا بالوف السجناء اكثرهم من الحلة والمدن الاخرى وانزلونا في قاعة تسمى قاعة الاصلاح الزراعي وهي معزولة عن بقية القاعات ولم نستطع اللقاء بهم الا من خلال ممثليهم اثناء استلام الارزاق او ايام المقابلات وبعض الاحيان من اشارات ضرب الجدران التي تفصلنا .؟
وحينما دخلنا السجن لاول وهلة وجدنا المآسي حيث كان سجناء الحلة في أسوأ حالاتهم وهم يقومون بتنظيف المرافق والحمامات وجفر المياه الثقيلة بالتنك والبراميل الصغيرة وكانوا قد حلقت رؤوسهم وسط اهانات الشرطة والحرس القومي في السجن وأذكر منهم بعض الشخصيات المرموقة والاصدقاء الاعزاء الذين تألمت عليهم كثيرا حينما رأيتهم ... ولا زلت اتذكر ان ادارة السجن كانت تستأجر جوقة من بعض نكرات الحلة المنحطين ويجلسونهم في الرواق المحيط بالسجن الداخلي ولعدة أيام ليقوموا بالسباب والشتائم ومختلف الاهانات ضد سجناء الحلة ويقضون النهار بالصياح والنباح بأعلى اصواتهم وبمكبرات الصوت اليدوية وهم يسبون ويشتمون شخصيات الحلة المرموقة مثل الشيخ حسين كركوش والاستاذ الماشطة وجميع رموز ثورة تموز والشيوعيين ... اذ كان من بين هؤلاء السجناء أطباء ومهندسين ومحامين واساتذة مرموقين وفنانين وادباء وشعراء مشهورين ومعلمين ورجال اعمال وطلاب وكافة شرائح المجتمع الخيرة وقد تشرفت بمعرفة الكثير منهم ولا اريد ذكر أسمائهم لئلا اغفل أحدهم .؟
ومضت الايام وبدأت قوائم اطلاق السراح ونقل آخرين الى سجون أخرى ولكن لازالت هنالك ازمة في ايجاد مكان لنوم السجناء ولو كان ترتيب افرشة النوم كتعليب سمك الساردين !!؟ ولم يبق من الاطباء في قاعة الاصلاح الزراعي سواي فكلفني مسؤول السجناء ان اكون طبيب المعتقل للحالات الطارئة ... وهنا حصلت طرائف مأساوية مضحكة مبكية عديدة وكان الطفها ::-؟

في منتصف احدى الليالي جائني مسؤول القاعة ( الاستاذ جواد الرفيعي الله يذكره بالخير)؟ وطلب مني ان اسعف أحد السجناء المصاب بآلام البطن والاسهال الشديد !!؟ فذهبت اليه وقال لي اريد ان اذهب الى المرافق حالا فقلت للمسؤول ماهي فائدة الدواء في الوقت الحاضر فالدواء يحتاج الى بعض الوقت ليفعل مفعوله والمهم الان يجب ان تضغطوا على حرس السجن بطريقة من الطرق ليفتحوا الابواب المؤدية للمرافق الصحية ويسمحوا لهذا المسكين لافراغ بطنه فقال لقد فعلنا ذلك ولم تفتح الابواب فماذا نفعل !؟ فقلت له ان يوقظ قسما من السجناء النائمين في احد الاركان وتوضع تنكة الازبال ويستر ببطانيات ففعلوا ذلك وايقظوا مجموعة من احد الاركان ووضعوا تنكة الاوساخ وتكليف مجموعة لمسك البطانيات الى حين الانتهاء من قضاء الحاجة ... واخذ الجميع يسألونه هل (خلصت !؟) وما أن أجاب المسكين بكلمة نعم حتى رفعوا البطانيات فوجدوه قد اخطأ الهدف !!!! وان ما فعله كان خارج التنكة !! فصاح الاستاذ جواد الرفيعي بأعلى صوته غاضبا .. ( يارفيق ندري الظروف عوجه لكن " ط... " ليش أعوج؟ ) تعال هسه منو ينظف المكان؟ وين راح ينامون الرفاق !!؟

وثالثها .. من حسن الصدف !!!؟ لقد حصلت المعجزة !!؟
لقد أصيبت المرحومة الوالدة والاهل جميعا باليأس والاحباط حول موضوع اطلاق سراحي بالرغم من الجهود الكثيرة التي بذلها الجميع ... فشارت عليها صديقتها أم علي زوجة الحاج عبد الرحيم الشمرتي (رحمهما الله) بفكرة ايمانية نجفية ... أن يذهبا سوية حافيات القدمين لزيارة مرقد الامامين الحسين والعباس ( عليهما السلام ) في كربلاء ليشكوان الامر لهما ضد الحرس القومي وقياداته في النجف ... وكان ذلك منتصف اكتوبر من سنة 1963 ( وافقت الوالدة احتراما للائمة الاطهار وتقديرا لفكرة صديقتها العزيزة أم علي ولعلها تحصل على مرادها ..؟؟ ) فذهبن لانجاز هذه الزيارة واوعدن مراقد الائمة بجلب ذبيحة ( نذر ) في حالة الاستجابة لشكواهما .... وطلب منهما السيد المطوف ( وخفية ) في حرم المرقدين ان يكتبا عريضة متضمنة للشكوى والمراد ...... ورميا العريضة من خلال شباك العباس (عليه السلام ) فقال لهما المطوف امهلوا العباس شهرا واحدا فقط .. وشاءت الصدف وبعد شهر تقريبا أي في أواسط نوفمبر ان يقوم عبد السلام عارف بالانتفاض والانقلاب ضد حلفائه البعثيين والحرس القومي .. فتغيرت الامور كثيرا وجاء الفرج بعد اسابيع حيث اطلق سراح معظم المعتقلين بكفالات واعادة التحقيق مع الاخرين ... وبعد اشهر قليلة علمنا بان المجرم الاخرالمدعو مهدي الشرقي قائد الحرس القومي في النجف آنذاك قد فقد بصره فجأة وأصيب بالعمى !!!!! ولحد الان لا أعلم شئ عن أخباره ... ولكن وبعد اطلاق سراحي كان علي ان أدفع ثمن الذبيحة الى الوالدة وأم علي للايفاء بالنذر الى الامامين (عليهما السلام) في كربلاء لاستجابتهما للشكوى !؟

ورابعها .. لو انت بمكاني جان كلت آني لينين !!!؟
في الحلة القي القبض على شخص بسيط وطيب القلب يعمل بائع ( ركي ) في سوق الحلة واخذوه الى مقر الحرس القومي للتحقيق ... ذنبه انه في ايام المرحوم عبد الكريم قاسم ومحاكمات المهداوي ( رحمه الله ) كان دائما يصيح في السوق بأعلى صوته ( اجاهم ابو العباس ) فكانوا حاقدين عليه كثيرا لتصرفاته هذه .... فبدأوا بتعذيبه تعذيبا شديدا وبمختلف الوسائل يطلبون منه الاعتراف ... ولكن هذا المسكين لم يكن لديه اتصال بأي تنظيم حزبي سوى أنه كان يحب عبد الكريم قاسم ورجالات الثورة ، فلم يتحمل قساوة التعذيب .. وفي احد الايام قال لهم ساعترف لكم فرفعوا عنه التعذيب وجلبوا له الطعام والماء والشاي وبدأ يتكلم وهم يسجلون له لانه أمي لا يقرأ ولا يكتب فقال أنا عضو اللجنة المركزية ( وأخذ يذكر أسماء معروفة آنذاك !!؟ ) ونجتمع بعامر عبد الله وسلام عادل وزكي خيري وعزيز الحاج وجمال الحيدري وعبد القادر اسماعيل وووالخ ؟ فقالوا له اين تجتمعون فقال في بيتنا بالحلة ... وسفط لهم معلومات عامة مما كانت تنشر في الصحف ووسائل الاعلام اليومية واجبروه بأن يوقع على ما أفاد به وأعادوه الى السجن وبقي الى حين انقلاب عبد السلام عارف ضد الحرس القومي وبعدها تقرر اعادة التحقيق من قبل لجان تحقيقية مع من بقي في السجون .؟ فشاءت الصدف ان يكون التحقيق معه امام احدى هذه اللجان التي كان يرأسها احد أقاربه والذي يعرف عنه أنه كان بسيطا وليس له اي ارتباط سياسي بأي حزب فقال له ماذا عملت بنفسك ؟ ( شنو هذا الخرط اللي انت خارطه على نفسك ؟ ) فقال له أمام اللجنة التحقيقية ( اسمع بيك والله العظيم تره لو انت ابمكاني وشايف ذاك التعذيب جان كلت آني لينين !!!؟ ) فتقرر الافراج عنه واخلاء سبيله .؟

خامسا :- وشهد شاهد من اهلها ( في قصر النهاية !!!! )؟
مضت السنين وفي عام 1967 كنت اعمل طبيبا ممارسا في العمارة ... وصلتني اشارة من الشيوعيين ( لم يكن لي اي ارتباط حزبي آنذاك ) بان حياة أحد اطباء العمارة ( أ. ت . ف . ) الذي كانت تربطني به صلة معرفة وزمالة مهددة بالخطر وهنالك خطة لتصفيته من قبل البعثيين لانه بعثي متمرد على حزب البعث في العراق واصبح ما يسمى من جماعة سوريا .. لذا طلبوا مني بان اخبره بذلك ليأخذ الحيطة والحذر وابدوا استعدادهم لمساعدته وحمايته ... لهذا السبب التقيت بهذا الشخص وابلغته بالرسالة فكان ممتنا وبعدها توطدت علاقتي به وبدأ يفصح عن همومه واسراره واسباب مواقفه السياسية الجديدة ولو انه اجبر بعد سنوات على التخلي عن مواقفه ورجع الى صفوف حزب البعث حتى مماته قبل سنوات قليلة .؟

قال لي آنذاك لقد اوكلت لي مهمة طبيب قصر النهاية بعد الثامن من شباط وقد اجبرت عليها ولم تكن لي رغبة بها ... وقد ذهلت كثيرا من مشاهداتي لما حصل للشيوعيين وتعذيبهم الوحشى في قصر النهاية .. وقد اعجبت وانبهرت بشجاعتهم وايمانهم بالمبادئ والعقيدة التي يحملونها ... فقلت له أخبرني من رايت منهم ؟؟

قال كنت الطبيب الخافر في قصر النهاية في ليلة 1/2 من الشهر الثالث 1963 وقدر لي ان اشهد مشهدا مروعا ورهيبا !!! فدخلت احدى القاعات ووجدت شخصا معلقا على احد الجدران غارقا بدمائه وينزف من كل مكان وقد اقتطعت ونهشت اللحوم من جسمه وهو لا زال واعيا وحيا ولم يئن من آلامه ولكن التعب الشديد واضح على معالمه وسالت من هو هذا ألشخص ؟ قالوا انه حسين الرضي (سلام عادل -- سكرتير عام الحزب الشيوعي العراقي)؟

وفي هذه الاثناء وحينما كنت منبهرا ومندهشا ومتألما بنفس الوقت انفتحت احدى الابواب وجيئ بشخص آخر يدمى من كل مكان فاقدا للوعي تقريبا مرهق جدا ومصابا بالهلوسة ولا يعي ما يقول ولايستطيع الوقوف على قدميه نتيجة حالة شبه الاغماء التي هو عليها وأمسكوا به امام سلام عادل .. ولم أعلم من هو الا بعد ان سمعت سلام عادل يقول له ... كن حسنا يا حسن ! فسقط حسن مفارقا للحياة ! وعلمت بعدها انه القائد الشيوعي حسن عوينة !!! واسترسل يقول لي : وبذلك كنت قد وثقت في تلك الليلة وفاة اثنين من كبار القادة الشيوعيين ... أي ليلة 1 - 2 /3/ 1963 .

ملاحظة :- لقد نشرت هذه المقالة في العام الماضي وبنفس المناسبة على معظم المواقع العراقية وبعض الصحف ، ننشرها الان مرة اخرى مع بعض التنقيحات ، كي لا ننسى ولتكن من ضمن آلاف الجرائم المروعة التي ارتكبت اثناء وبعد انقلاب شباط الاسود ضد خيرة ابناء الشعب العراقي وقواه الوطنية كشاهد عيان في سجل التاريخ للاجيال القادمة !؟



 

free web counter