ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني


 

ذكريات الزمن القاسي
( 8 )
 

محمد علي الشبيبي
Alshibiby45@hotmail.com

أعتقال اخي همام

أثناء وجودي في مركز شرطة كربلاء، قام ألحرس ألقومي بتجميع كل ألطلبه ألمعتقلين في ألقاعه ألاكبر. ألقصد من ذلك ألتهيأة لأول انتخابات طلابية في زمن حكومة البعث الدموية والتي وصلت للسلطة بعد انقلاب شباط 1963. فقد كان ألصراع على أشده بين ألبعثيين والقوميين للسيطرة على قيادة الاتحاد الوطني. لم يكن البعثيون واثقون من فوزهم في الانتخابات، لذلك قرروا إشراكنا في عملية ألتصويت لكسب اصواتنا. ولتمرير مخططهم هذا، قام بهذه المهمة بعض ألضعفاء من بين ألمعتقلين وبتشجيع من ألمسؤولين ألبعثيين بالدعاية لمرشحي حزب البعث. وكان هؤلاء الضعفاء من الذين كانوا مقيمين بصورة شبه دائمة في المكتبة العامة، حيث اوكل لهم البعثيون مهمة التأثير السلبي على العناصر التي ترفض كشف اسرار الحزب والتعاون مع الحرس القومي، وقد احضرهم الحرس القومي موقتا الى موقف مركز شرطة كربلاء ليلعبوا دوراً دعائيا للتصويت لمرشحي حزب البعث، مبررين ذلك بان البعثيين أقل دموية من القوميين ولابد من مساعدة ألعناصر ألبعثية للفوز!. كان الوضع حرجا فاي مناقشة لهذا الراي يعني استدعائك للتحقيق وربما للتعذيب، كما أن أصحاب هذا الرأي كانوا من الذين ضعفوا وابدوا تعاونا مع الحرس القومي، حتى أن أحدهم كان يحمل رشاشة يستعيرها من ألحرس ألقومي ويستعرضها أمامنا في مقر ألتعذيب في ألمكتبة. لذلك قررت وبالتفاهم مع بعض ألطلبه أن لانصوت ونقاطع الانتخابات ونرمي أوراق ألاقتراع بيضاء. وبالنسبة لأفضلية البعثيين على القوميين بإعتبارهم اقل دموية لم يكن سوى دعاية بعثية، فنحن الذين عشنا في معتقلات انقلابي شباط نعرف جيدا ان 95% من ممارسي التعذيب كانوا من البعثيين وبإمرة قيادات بعثية. وبالمناسبة فان الكثيرين من قادة حزب البعث في تلك الفترة الدموية عندما راجعوا سياساتهم الدموية واكتشفوا بعد سنوات هول الجرائم بحق الشرفاء من ابناء شعبنا، حاولوا في كل دراساتهم وانتقاداتهم للفترة الدموية ان يحملوا القوميين والراحلين من رفاقهم مسؤولية تلك الجرائم، ومثل هذا الطرح جاء بمذكرات طالب شبيب والفكيكي وحازم جواد ودراسات الدكتور الراحل علي سعيد وغيرهم، بينما جميع من عاش فترة الحكم تلك وعاش التحقيق والتعذيب يعرف جيدا ان المشرفين على كل تلك العمليات هم البعثيون وبعلم وتوجيه قياداتهم الحزبية، كما انه لم يتخذ اي واحد من هؤلاء موقفا حازما وجديا من تلك الانتهاكات والجرائم في وقتها بالرغم من انهم قادة في القيادة القطرية لحزب البعث. ومع كل هذا تبقى دراساتهم وانتقاداتهم، مع كل ماجاء فيها من تبريرات، واتهامات متبادلة لتحميل الاخرين من رفاقهم مسؤلية الجرائم وتبرأة الذات، دليل لايقبل الشك على إدانة لاتقبل الجدل على دموية حزب البعث ورفاقهم من قوميين حكموا العراق في تلك الفترة المظلمة.

في اليوم المقرر للانتخابات جاء بعض أفراد الحرس القومي من ألطلبة البعثيين و القوميين، وأتذكر منهم عبد الحسين الكيشوان وهو احد الطلبة البعثيين، وطلبوا منا ألتصويت بعد أن جمعونا في غرفة مدير ألشرطة او معاونه، وتحدثوا عن ديمقراطيتهم المزعومة وطلبوا منا ألتصويت بكل حرية!. قررت ان اكون اول المبادرين في رمي ورقة التصويت في الصندوق بيضاء، وتقصدت ان يكون ذلك علنيا وامام انظار الجميع تحديا وكي اعطي دفعا لزملائي في حذوي وعدم التراجع بما اتفقنا عليه. وعندما سألني عبد الحسين الكيشوان متظاهرا باللابالية والمزاح وهو زميلي في الاعدادية ، وكان احد أعضاء اللجنة ألمشرفة على ألأنتخابات، عن سبب إمتناعي عن ألتصويت قلت له: هل يمكن للسجين ان يصَوت لمن يزج به وبعائلته في ألمعتقل!! كان ألأحرى بكم ان تتبنوا مسألة اطلاق سراحنا لمواصلة دراستنا قبل ان تطلبوا منا المشاركة بالانتخابات، ثم انكم قلتم يمكننا ألتصويت بكل حرية وانا قررت موقفي.

اصبحنا نحن الثلاثة، انا ووالدي واخي كفاح، سوية معتقلين في مركز شرطة كربلاء واحيانا يتم تفريقنا بنقل احدنا الى المكتبة العامة. اما اخبار اخي همام فكانت مقطوعة عنا لأكثر من شهرين وقلقنا عليه كثيرا، فقد كان عضوا في أللجنة القيادية لمنظمة الحزب الشيوعي في كلية التربية وكان وجها معروفا ونشطا، وبرز اكثر خلال نشاط أتحاد ألطلبه ألعام سوية مع منظمة الحزب الشيوعي و القوى الديمقراطية للعمل من أجل إحباط ألاضراب ألطلابي ألذي قاده حزب ألبعث بالتعاون مع ألقوى ألقومية والاسلامية والرجعية، وكان هذا الاضراب تمهيدا لانقلاب شباط الدموي والذي باركته الدوائر الاستعماريه. لم تكن للوالده أية وسيله للبحث عن أخي، خاصة بعد ان شاهدت وسمعت بحملات الاعتقالات والتعذيب والاغتصاب. فضّلتْ الوالده السكوت وعدم البحث عنه، خوفا من ان تصطدم بمفاجئة وفاجعة تسبب مأساة للعائله، في الوقت كانت العائله بحاجه الى التماسك. كانت تقول لنا كلما سألناها هل من اخبار عن أخي؟ تجيب ان همام عايش وهو بخير وهذه شدة ولابد ان تزول، وعندما تظهرعلامات ألقلق على أي واحد منا كانت تبادر وتقول وبلهجتها الشعبية ان شعور ألام لايخطأ وتعقب لقد طلبت من أبي ألفضل العباس أن يحرسه ويحميه. هكذا كانت تهدؤنا وتحاول ان تبدد قلقنا كلما سألناها عنه أثناء الزيارات.


أخي همام طيب الله ثراه عندما كان طالبا في
كلية التربية في بغداد 19/8/1962

كانت والدتي يرحمها ألله صبورة ومكافحة وتعاطفت مع والدي وساندته ووقفت ألى جانبه وقاسمته شظف العيش بحلوه ومره ولم تتذمر. هكذا عاشت أم كفاح مكافحة من أجل أن يبق زوجها وأبناؤها صامدين مرفوعي ألرأس وليواصلوا مسيرتهم النضالية بعزم. رغم بساطتها وعدم إهتمامها بالسياسة كونها امية، كانت ذات قدرة عالية في قراءة ألمستقبل ألسياسي. كانت دائما تحذرنا من ألوضع أيام حكم الراحل عبد ألكريم قاسم، وتقول لنا: سوف ينقلب او يسقط وتكون ألنتائج مأساوية على الشعب. ورغم تحذيراتها التي تحققت في إنقلاب 8 شباط الدموي، لم تعاتبنا او تحملنا مسؤولية ألسير بهذا الطريق الوعر، فتشد من عزائمنا وتدبر امور البيت ألمعاشية وترعى بناتها وتقابلنا كلما سنحت لها ألفرصة مبتسمة قوية صابرة. وعندما نعتذر منها لما سببناه من متاعب لها تحدثنا بفخر كيف وقفت ألى جانب والدي أثناء فصله من ألتعليم سنة 1945/1946 بسبب نشاطه في الحزب الشيوعي وقيادته لمحلية النجف، وكيف كانت تجرش ألماش بالطاحونة اليدوية (الرحة) وهي حامل في أشهرها ألأخيرة، وتقضي ألنهار والليل لتهيأة مستلزمات محل ألعطارة الذي فتحه والدي لإعالة ألعائلة. وتقول رغم مابذلته من جهد مجاني لأقلل من تكاليف ألبضاعة ولأرفع من أرباح المحل، فقد خسر محل الوالد ولم يتمكن من تسديد مصاريف المحل، بسبب طيبة ألوالد وعدم تصرفه بعقلية ألتاجر، وكل مبيعاته لرفاقه دينا ومعظمهم أسوء حالا منا.

اطلق الحرس القومي سراح مجموعة من المعتقلين من الذين انتهى معهم التحقيق ولم يجدوا فيهم اية خطورة. وكان من بين هؤلاء الفلاح (حسين .....). اعتقل حسين مع مجموعة الفلاح مهدي النشمي المسلحة التي جاءت يوم الانقلاب تنفيذا لتوجيهات المنظمة الحزبية في كربلاء. واثناء التحقيق معه من قبل الحرس القومي لمعرفة حقيقة نواياهم وخطتهم ومن الذي وجههم، ابدى هذا الفلاح البسيط ذكاءً وبرود اعصاب مفرط امام عنجهية وبربرية الحرس القومي. وكلما جلس امام محققيه من الحرس القومي تحدث معهم بكلام فارغ وغير مترابط لم يفهموا منه شيئا!! ويعذبوه ويطالبوه بعد كل جولة تعذيب ان يقص عليهم بالتفصيل، من الذي كلفهم بالمهمة، وماهي تفاصيل مهمتهم، ومن هم بقية رفاقهم وغيرها من اسئلة. وكان حسين يجلس امامهم متمثلا بالفلاح الساذج الذي لايفقه شيئا، وفي كل مرة يتحدث فيها مجيبا على اسئلتهم بإسلوب اللف والدوران بحيث لايتعدى كلامه سوى بضعة كلمات مكررة وخالية من اي معنى، من قبيل: (عيوني اجونه الجماعة، عيوني ونزلنا للمدينة، عيوني وركبنا السيارة، عيوني جمعونه الجماعة، عيوني ومشت السيارة، عيوني و.....و.....و.....). وعندما يسألوه من هم الجماعة؟ يجيب الفلاحين! ومن هم الفلاحين؟ بجيب اهل المنطقة! هل تعرفهم؟ نعم! من هم؟ هم الجماعة، أخبرتكم عنهم منذ قليل!! وهكذا كان التحقيق من قبل الحرس القومي مع هذا الفلاح البسيط متعبا ويدور في دائرة مفرغة، حتى قرروا في النهاية اطلاق سراحه. لكن حسين اعتقل مجددا بعد شهرين ومورس معه التعذيب بسبب انتمائه لتنظيمات الحزب التي تم تشكيلها مجددا، اي انتمائه للتنظيم الجديد للحزب. حيث كنا نطلق مصطلح التنظيم الجديد، على التنظيمات الحزبية التي بدأت تنهض للقيام بأستعادة نشاط الحزب.

في يوم من ايام ايار تفاجأنا بزيارة ألوالدة، وكنا حينها في المكتبة العامة. كان وجهها بشرا باسما، واثار الهموم التي تركتها أحداث ألانقلاب على محياها اختفت، حظنتني وقبلتني وهي تهمس بأذني أخوك همام بخير ويخصكم بالسلام، وكانت دموع ألفرح تسيل على وجنتيها!. بعد ان هدأناها انا وابي محاولين أن نفهم عن مصدر ألخبر ومصداقيته. حدقت في وجوهنا وهي تمسح دموعها قائلة الم اقل لكم اني سلمت همام أمانة بيد أبا الفضل العباس لينقذه من هذه ألأزمة. ثم أخبرتنا كيف أرسل عليها جارنا ألبقال حميد بن حلوة للدكان وألتقت بدكانه بشاب اخبرها انه قادم من همام وهو بخير ويطلب مرافقته للقاء به. قررت الوالده زيارته بحذر لان الحرس القومي في كربلاء سألوا عنه أكثر من مرة وأجابتهم الوالدة بان أخباره مقطوعة وربما يكون قد استشهد اثناء ألمقاومة في بغداد وهكذا كان الكل حتى ألاطفال يجيبون بهذا ألجواب كلما سألهم أحد ايا كان، هكذا تجنبنا مضايقات واستفسارت الحرس القومي واكتفوا باعتقالنا.

نجح اخي همام من محاولة القبض عليه في شقته ليلة اليوم الثاني من الانقلاب. عندما سمع طرقا على ألباب وكان معه في البيت رفيقه الشهيد فاضل حسن وتوت(1)، وسمعا ضجيج وتهديدات ألحرس ألقومي، قررا ألهرب عبر ألسطوح متجاوزين عدة بيوت كل واحد باتجاه. كان اخي بالبجامة وأضطر أن يبق طول تلك ألليلة ألباردة حد ألانجماد من ليالي شباط فوق أحد السطوح بعيدا عن شقته. في الصباح سمع أهل البيت يتحدثون عن المأساة التي حلت بالعراق وبشاعة جرائم الانقلابيين، فاطمأن اليهم وقرر كشف نفسه أمامهم وطلب مساعدتهم. أعطوه ملابس ومبلغا وزنبيل لكي يتظاهر انه ذاهب للتسوق. قرر أن يخاطر ويذهب مشيا من باب الشرقي الى ألكاظمية ليلتحق بالمدرسة ألابتدائية التي يعمل فيها. كان مدير المدرسه ومعظم المدرسين من العناصر الديمقراطيه ويمكن الاطمئنان اليهم. كان ظنه في محله فقد سهل له معلم الرياضة إمكانية ألمبيت في غرفة الرياضة، مستفيدا من الملابس الرياضيه كفراش وغطاء. ثم ساعدوه لايصال أخباره لنا، طالبا من الوالده ان تبعث له خالتي ام هناء طيب الله ثراها لتعيش معه بعد ان تستأجر بيتا قريبا من المدرسه. هكذا انتقل من السكن المقلق (المدرسة) والمثير للشبهات الى شقة صغيرة بأثاث بسيط ليعيش فيها مع خالته. قررنا عدم الاكثار من زيارته وان تقتصر الزيارات على النساء فقط. وتمكنت خطيبته سهيلة محمد نصيب والتي أصبحت زوجته فيما بعد من زيارته في شقته، وحدثته كيف أن ألطلبة والحرس القومي في ألكلية بعثوا عليها للتحقيق لمعرفة أخباره، وانها تمكنت من التهرب منهم بعد ان أخبرتهم بأن اخوتها منتمون لحزب البعث في ألبصرة وهي لاتعرف شيئا عنه وعلاقتها به لاتتعدى حدود ألزمالة.

في يوم من ايام حزيران 1963 اطلق سراح عدد غير قليل من المعتقلين وكنا نحن الثلاثة من ضمن المفرج عنهم بكفالة. خرجنا على ان نأتي بالكفيل خلال ثلاثة أيام. وبدأت رحلة البحث عن كفيل فكان الخوف المسيطر على الناس سببا في عدم تمكن الوالد من العثور على كفيل كان شرط ان يكون الكفيل عضوا في غرفة التجارة وان يكون متمكنا من كفالة ثلاثة اشخاص، سببا في صعوبة إيجاد مثل هذا الكفيل. وبعد ان عجز الوالد خلال يومين من ايجاد من يكفلنا، حتى أن بعض الاصدقاء للأسف اعتذر عن كفالتنا بحجج واهية وغير مقبولة، حينها لجأ والدي الى رئيس غرفة تجارة كربلاء ألسيد هاشم نصر الله طيب الله ثراه، وكان انسانا شهما، فاتصل باحد التجار وطلب منه أن يكفلنا وهكذا اصبحنا احرارا الى ان تم اشعارنا بيوم محاكمتنا في بداية حكم عبد السلام عارف بدعوى واحدة.

اما بالنسبة لاخي همام فقد بقي شبه متخفي، حيث انقطع نهائياعن الدوام ولم يواصل دراسته الجامعية في كلية التربية، بينما استمر على ممارسة عمله كمعلم في المدرسة. وبعد حركة الشهيد حسن سريع القي القبض عليه في مدينة الكاظمية، ضمن الحملة التي شنها حكام شباط والتي شملت الكثيرين. كان الحرس القومي لايعرفون عن اخي سوى انه معلم ابتدائية ولا تتوفر لديهم معلومات عن نشاطه الحزبي في كلية التربية، وقد تدخل مدير مدرسته ألجديد ألقومي الميول لصالحه، بعد ان كسب اخي صداقته وثقته، وساعده المدير كثيرا لتجنب ممارسات التعذيب والتحقيق الفض معه من قبل الحرس القومي. وتعرف والدي على مدير مدرسة أخي، ولاحظ دماثة خلقه وثقافته وتفكيره السياسي فكان يختلف كثيرا عن اقرانه من قوميين وبعثيين، ووجده انسانا طيبا لايفكر بأذية احد حتى وأن أختلف معه سياسيا، حتى كسب ثقة الوالد، وهذه الثقة شجعت والدي على كتابة رسالة لأخي يشد من عزيمته ومعنوياته ويحثه على الصمود، وطلب من المدير ان يوصل الرسالة لأخي، وهو متيقن ان الرسالة ستصل من دون رقابة لثقة الحرس ألقومي بالمدير. لكن الحرس لم يمرر الرسالة دون الاطلاع عليها، مما سببت لأخي متاعب من تحقيق وتعذيب لتفسير ماورد بالرسالة من معنى وما هو قصد الوالد بالصمود والموقف الشجاع. تمكن اخي من اقناع الحرس ان القصد من كل ذلك ان ابق متماسك مادمت بريء وغير مذنب وساعده في ذلك تدخل مديره حيث أكد لهم حسن نية الوالد كونه سلم الرسالة مفتوحة للإطلاع عليها. عرف عن أخي الراحل همام دماثة اخلاقه، وحبه للنكتة، وقدرته على بناء علاقات طيبة وواسعة حتى مع من يختلف معهم، كان اجتماعيا من الدرجة ألاولى. وتمكن خلال وجوده في مقر الحرس القومي من عقد علاقات صداقة مع بعض المتنفذين في المركز وقد ساعده على ذلك مديره وبعض الهدايا التي قدمها لبعض افراد الحرس القومي الى اقناع المسؤولين باطلاق سراحه بعد اقل من شهرين من الاعتقال.

في يوم من أيام اب وبعد زيارة الوالد لأخي همام في بغداد وكنا في انتظاره مساءً حيث اخبرنا كعادته بموعد عودته، حيث اعتاد ان يكون في البيت قبل الثامنة مساءً. ساد الوجوم على الكبار من في البيت لتأخره وقد تجاوزت الساعة العاشرة مساءً. الوالدة ونحن كنا في حيرة، من نسأل عن سبب تاخر ألوالد، فأخي مازال معتقلا، ولا يوجد احد من معارفنا في بغداد يمكن الاتصال به تلفونيا للاستفسار عن والدي، فربما اضطر للتأخر لزيارة معارفه ولو ان هذا الاحتمال ضعيف جدا لأنه يعرف ان تأخره يسبب لنا قلقا. لم تدم حيرتنا طويلا فقد دخل علينا ألوالد لكنه فاجأنا بمنظره، فهو ألذي يعتني بنفسه وملابسه، بدى وكأنه قادم من شجار مع عصابة من السراق، اثار لكمات على وجهه تركت ورمها على تقاطيع وجهه وبقع الدم صبغت قميصه وكانت ازراره مقطعة وبان صدره، وحتى الفانيلة كان عليها بقع الدم. أسئلتنا لم تعطه وقتا للإستراحة، جلس قبل ان يغير ملابسه على خلاف عادته وطلب منا ان نهدء وان نتركه ليستريح. بعد ان شرب كأساً من ألماء حدثنا بما جرى له بمرارة والم. اثناء عودته من بغداد بسيارة اجرة 18 راكب كان يجلس بجانبه رجل كهل، لم يسبق لوالدي ان إلتقاه سابقاً. الرجل كان يحاول ألحديث مع والدي الذي كان حذرا من التحدث مع شخص لايعرفه في السيارة وفي ظروف يُحكم فيها ألعراق من قبل قتلة واوباش. كلما مرت بسيارتهم سيارة تحمل نعشاً، التفت الرجل لوالدي قائلا: يقولون قضينا على حركة ألبرزاني، وها انت ترى نعوش شبابنا ألجنود قادمة من الشمال، انهم يكذبون. كان والدي كل الوقت صامتاً، ويحاول أحياناً ان يضغط بقدمه على قدم الرجل ليوقفه عن الإستمرار بهذا ألحديث الذي قد يسبب له متاعب ولكن دون جدوى. عند وصول ألسيارة الى نقطة ألتفتيش في مدينة المسيب نزل أحد ألركاب من مؤخرة السيارة وتحدث بصوت مسموع مع ألحرس القومي ومشيراً على ألرجل انه كان يشتم الثورة ويتحدث الى جاره مشيرا على والدي، وأضافة ولكن هذا الجار اكثر خطورة منه!!! تدخل السائق وبعض الرجال من الركاب مدافعين عن والدي كونه لم ينبس بكلمة واحدة طول الطريق، لم تجد تدخلاتهم نفعاً، واحتجز والدي والرجل ونقلوا الى مقر ألحرس ألقومي في ألمسيب. في ألطريق عاتب والدي الرجل، لماذا لم يحفظ لسانه فجلب لهم البلوى، فردَّ على والدي بوقاحة وجبن وانتهازية، المشكلة ليست فيما قلت وانما هم يرون انك ألخطر ولست أنا!! في مقر ألحرس ألقومي انهالوا بعدة لكمات على الرجل ثم اطلقوا سراحه، ابقوا الوالد للتحقيق معه و تفسير شهادة الراكب ألمُخبر بقوله ان هذا أخطر. مارسوا ألتحقيق معه بالضرب واللكمات والشتم طالبين منه ألأعتراف وإلا ستكون نهايته. ماكان من الوالد إلا ان يطلب منهم ألإتصال بمقر الحرس القومي في كربلاء ويسألوا عنه، فهو لم ينتم لحزب وقد ثبت ذلك للحرس القومي حتى أنهم اطلقوا سراحه، معتقدا ان هذا سينقذه من هذا ألمأزق. اتصلوا بكربلاء واجابهم احد افراد الحرس القومي الأغبياء (للأسف نسيت اسمه واتذكر أنه الأعور الوحيد بين افراد الحرس القومي): صحيح اطلقنا سراحه لكنه خطر لأنه الوحيد لم يعترف!! حينها زادت قساوتهم وتكاثر المتحمسين بممارسة ألإعتداء والضرب، أطفئوا النور ولم يعد يرى والدي وجوههم ولا يدري ماعددهم، والضربات والرفسات والسباب لم يترك له مجالاً لتوضيح ألإلتباس. بعد أن انهكهم ضرب الوالد اشعلوا الضياء، وإذا بأحدهم يتسائل وهو يفرك يده متألما، ماهي جريمة ألرجل؟!! ترجاهم ألوالد ان يكرروا ألإتصال بمسؤلي ألحرس ألقومي أمثال، آمر ألحرس ألقومي عبد ألواحد شمس ألدين، صباح ضوي او كاظم ألفرطوسي، فأجابه أحدهم لاحاجة لنا بالإتصال فقد اكتفينا وسوف نتركك تذهب للبيت، وفعلاً تركوه!!

يـتـبـع

(1) فاضل حسن وتوت، خريج كلية التربية وعضو محلية الحزب الشيوعي في الحلة ومسؤول العلاقات الجبهوية  قبل ان يعتقل اواخر عام 1978. ابلغت عائلته عام 1983 بقرار تنفيذ حكم الاعدام فيه من دون ان تتسلم جثمانه الطاهر.

¤ الحلقة السابعة

¤ الحلقة السادسة

¤ الحلقة الخامسة

¤ الحلقة الرابعة

¤ الحلقة الثالثة

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى

 

الخميس 6/7/ 2006

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة