ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 


ذكريات الزمن القاسي

(17)


محمد علي الشبيبي

ألعودة
في يوم من أيام آب 1965 أستلمت رسالة من أخي همام طيب الله ثراه يبشرني فيها بقرار رئيس الجمهورية (عبد السلام عارف) بالإعفاء عني لصغر سني، بعد أن قضيت أكثر من سنتين في السجن!!! ولولا الحملة العالمية للجنة الدفاع عن الشعب العراقي، وضغط الرأي العام العالمي والعربي لما أنتبه رئيس الجمهورية لصغر سني، بعد أن قضيت هذه السنين في السجون والمواقف متنقلاً بين الكوت والحلة ونقرة السلمان إضافة لما تحملته من تعذيب جسدي ونفسي وضياع ثلاثة سنوات دراسية. أرفق أخي قصاصة من الصحيفة وفيها ألقرار وقد نص ايضا على إعفاء والدي عما تبقى من محكوميته، حيث لم يبق للوالد لإنهاء محكوميته غير خمسة أيام!. وقد علمت بعد إطلاق سراحي أن عائلة الزميلين الاخوين عباس الجصاص وأخيه إسماعيل السجينين معي قدمت طلبا إلى رئيس الجمهورية عبد السلام عارف تلتمسه فيها بإصدار عفو عن أبنائها، كما حذوت حذوهم عوائل اخرى، وإن رئيس الجمهورية بعد إطلاعه على ملف قضيتنا والتي شملت 48 شخصا، قرر الافراج عني لصغر سني، كما عفى عن الذين حكموا لمدة سنتين حيث لم يتبق سوى أيام معدودة لأنهاء محكومياتهم.

أطلق سراح والدي بعد نقله من سجن الحلة إلى مديرية الأمن العامة في بغداد بدون أية عرقلة، وسافر في نفس اليوم إلى كربلاء. في سجن النقرة لم يصل قرار الإفراج عني إلى إدارة السجن رغم مرور أكثر من إسبوعين على صدوره، بينما أنا أنتظر وصوله على أحر من الجمر لأعيش مجددا بين أحضان عائلتي ولأعود إلى مدرستي لإكمال دراستي. وعندما وصل القرار إلى إدارة السجن كانت تعليمات وزارة الداخلية تنص على عدم إطلاق سراح السجين إلا بعد إرساله مخفورا لمديرية أمن مدينته، ليتحققوا من عدم وجود قضايا أخرى ضده، حينها يتم الافراج عنه! هكذا سُفِرتُ إلى مركز شرطة كربلاء، متنقلا بين مواقف السماوة وموقف السراي في بغداد وأخيرا موقف شرطة كربلاء، وأنا واثق من أنهم سيفرجوا عني لعدم وجود أي إتهام آخر ضدي. في موقف شرطة كربلاء الكبير التقيت مع مجموعة من البعثيين ممن كانوا مشرفين على إعتقالنا أيام الحرس القومي بعد إنقلاب 8 شباط، وهم الان معتقلين. كان جميعهم يتحدثون عن الأخطاء التي إقترفها حزبهم بحق الشيوعيين ويعلنون ندمهم ويتحدثون عن الخط اليساري في حزبهم، وكانوا يحاولون التقرب مني من خلال مزاحهم وكأنهم لم يمارسوا يوما التحقيق والتعذيب الهمجي مع الشيوعيين وأصدقائهم وإني أحد ضحاياهم.

لابد من الإشارة الى ان سلطة عبد السلام عارف وبعد إنقلابه على حلفائه في 18 تشرين الثاني 1963 شنت حملة إعتقالات خجولة ضد حزب البعث وبعض قياداته في كربلاء. وربما أن بعض الكوادر البعثية في المدينة وبعض أفراد الحرس القومي ممن مارسوا التعذيب والقتل وأستهتروا في تصرفاتهم كانوا يتمنون الاعتقال لأنقاذهم من غضب الجماهير الكربلائية. وما زلت أتذكر كيف حاصرت الجماهير المتجمعة يوم الانقلاب أمام المكتبة العامة تطالب الحرس القومي بالاستسلام وتهددهم بالقصاص، بينما كان بعض أفراد الحرس القومي متجمعين داخل المكتبة وقد أغلقوا الأبواب عليهم لمنع إقتحام الناس المكتبة وإخراجهم. وكان أحد افراد الحرس القومي (أبو حدبة) للأسف لا أتذكر اسمه وهو من محلة السعدية يتوسل بالجماهير ويعلن تبرؤه من البعث ويرجو الجماهير بالعفو عنه، ولم يتم العفو عنه إلا بعد إستجابته لطلب المتجمعين بالرقص مقلدا القرد من على شرفة المكتبة المطلة على الشارع العام! ورغم التظاهر الجماهيري الغاضب لم يمس البعثيون بأي أذى، ماعدا رقصة أبا حدبة، ولا أدري لماذا طلب المتظاهرون منه هذا الطلب ولماذا وقع عليه الأختيار ليقدم رقصته مقلدا القرد. كما لم تمارس سلطات الأمن ضدهم أي تعذيب مثلما مورس مع الشيوعيين وأصدقائهم، ومعظمهم أطلق سراحه من دون محاكمة وأعتقد انهم لم يقدموا الى أية محاكمة لأن الجميع أفرج عنهم وخاصة قياداتهم بينما بقى ضحايا إنقلاب شباط يرزحون في السجون! وأعتقد ان موقف سلطة عبد السلام، بعد إنقلابه، من البعثيين في بقية المدن العراقية كان متشابها إلا في حالات نادرة.

في اليوم الثاني من وصولي إستدعاني مفوض الأمن لطيف، وتحدث بأسلوب منافق متظاهرا بتعاطفه معي لضياع سنوات عديدة من دراستي ومن شبابي في أقبية السجون، وأستدرك في حديثه ليمتدح رئيس الجمهورية وعطفه عليّ وان هذا الموقف من رئيس الجمهورية يتطلب مني الأعتراف بهذا الجميل والعطف الكبير من رئيس الجمهورية، ثم وصل الى خلاصة بأن رد الجميل لا يكون إلا بإعلان البراءة من الحزب الشيوعي. قلت له وبنبرة جادة، لو كان عندي الإستعداد للبراءة لفعلت ذلك يوم المحاكمة وتجنبت السجن أو لأعلنتها يوم زارتنا لجنة وزارة الداخلية إلى سجن النقرة، ثم ان قرار رئيس ألجمهورية لآ يشترط عليّ البراءة، بل يفهم من صيغة القرار أنه يحملكم مسؤولية تقديمي للمحكمة بسبب صغر سني. بعد أن سمع ماقلته تغيرت ملامح وجهه وظهر مجددا على حقيقته التي إعتدتها وقابلتها من قبل، وأعادني للموقف غاضباً وهو يصرخ بعصبية وحقد: لاتنفع معكم الرحمة والعفو، للأسف مازلت كما كنت ولم يغيرك السجن، وستبقى تتعفن هنا أو تعلن براءتك وتبتعد عن السياسة.

كرر لطيف إستدعائي مساء نفس اليوم، ولم أعد أرى في وجهه تلك الملامح اللطيفة المنافقة والتي قابلني فيها صباح اليوم. بدأ حديثه معي متصنعا الجدية والصرامة محاولا الضغط علي لأعلان البراءة. ولم يخلُ حديثه من تهديد بإستمرار حجزي وتلفيق تهمة جديدة لتقديمي للمحكمة والزج بي في السجن مجددا. قررت ان أكون قويا وصلبا في ردودي معه متمسكا بقرار رئيس الجمهورية وهو قرار واضح. قلت له مامعناه: أنتم تعرفونني جيدا، وسبق أن إعتقلتموني وحققتم معي ومارستم الضرب والتهديد اللاأخلاقي معي وكنت أصغر سنا وفشلتم في كسر إرادتي، فهل تتوقع مني التخاذل بعد أن قضيت مايقارب ثلاثة سنوات صامدا في السجون، أنصحك أن لاتتعب نفسك معي، وأنتم أحرارا في تنفيذ قرار رئيس الجمهورية أو عدم تنفيذه! لم يناقشني وطلب من الشرطي أن يعيدني للموقف وهو يتوعدني.

قررت ألاضراب عن ألطعام وأبلغت والدي عند زيارته لي في اليوم الثاني، ووافقني على قراري لا بل شجعني وأوعدني بأنه سيواصل تحركه من أجل الإفراج عني. صباح اليوم الثاني رفضت الفطور وأبلغتهم بقراري بالإضراب إلى أن يطلق سراحي بدون قيد أو شرط، وقد أرفقت ذلك بمذكرة. زارني جارنا الجديد الراحل حميد نادي طيب الله ثراه وطلب مني عدم الإضراب والإنتظار لجهوده، حيث كانت له علاقات جيدة مع المسؤولين في دائرة الأمن، وأنهم بالتأكيد سيطلقون سراحي، وأبلغته بتصميم إن إضرابي لايعرقل جهود الافراج عني وإنما يخدمها. قابل والدي مفوض الأمن لطيف وسأله عن سبب حجزي وعدم تنفيذ قرار رئيس الجمهورية. برر لطيف إستمرار حجزي لأني غير شاكر لرئيس الجمهورية وأرفض إعلان براءتي من الحزب. وأستدرك لطيف سائلا والدي: هل هذا يعقل ياأستاذ أبو كفاح، يرفض البراءة بعد أن عفى عنه الرئيس؟! قال له والدي وبصلابته المعهودة نعم يُعقل، فأنا أطلق سراحي بدون براءة، وبلغ محمد بأني لن اُسامحه لو أعلن براءته، وأنتم ستتحملون مسؤولية أي مكروه يحدث لولدي بعد إضرابه وقد أضطر الكتابة عبر الصحافة لرئيس الجمهورية وأروي مايجري من عرقلة لقراراته من قبل جهاز الأمن هنا. بعد ثلاثة أيام من الأضراب عن الطعام قرر والدي طلب المساعدة من طيب الذكر مدير تجنيد كربلاء (أبو مشرق)، وهو عسكري من أنصار الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم وقد لعب دورا شجاعا في كربلاء عندما قام عبد السلام عارف بإنقلابه حيث بادر مديرالتجنيد بالتحرك مع جنوده وحرر إحدى محطات البانزين في كربلاء من سيطرة بعض أفراد الحرس القومي وأستسلم البعثيون بسرعة وبدون أن يطلقوا طلقة واحدة. لم تكن لنا أية معرفة بمدير التجنيد، وقد سمع بما جرى لنا من إعتقال وفصل وسجن عن طريق السادة (آل طعمة) أصحاب مخزن كماليات الرافدين الموجود قرب قبلة باب العباس في كربلاء، فتعاطف مع العائلة وعرض إستعداده لتقديم المساعدة، وهو الذي ساعد الوالدة للحصول على موافقة الحاكم العسكري لزيارتي في سجن النقرة. توجه والدي له وطلب تدخله، وفعلاً تدخل وأطلق سراحي بعد 5 أيام من الأضراب عن الطعام، وهكذا عدت لأعيش مجددا بين أهلي وأصدقائي في محلة العباسية الشرقية.

بعد خروجي من السجن برزت أمامي مشكلة العودة للدراسة لإكمال الثانوية. حين حكم علي من قبل المجلس العرفي بخمس سنوات كنت في الصف الخامس العلمي في ثانوية كربلاء للبنين. كان عليَّ مراجعة إدارة الثانوية لمعرفة الأجراءات اللازمة لعودتي للدراسة، بعد إنقطاع قسري قضيته بين السجون والمواقف لأكثر من سنتين. راجعت مدير الثانوية الاستاذ علي جواد الخياط وهو يعرفني جيدا كوني كنت أحد طلبته لأكثر من سنة كما كان زميلاً لأخي كفاح في نفس الأسرة التدريسية، متوقعا منه أن يساعدني ويرحب بعودتي للدراسة كي أعوض السنوات ألتي خسرتها. عرضت عليه مشكلتي ورغبتي للعودة لإكمال الثانوية وسألته عن الإجراءات اللازمة. فأجابني بأني اُعتبر راسبا لمدة سنتين ولم يبق أمامي سوى الدوام في المسائي، أي أن هذه السنة ستكون محاولتي الأخيرة، وأي فشل يعني التحاقي بالخدمة ألعسكرية، بمعنى آخر ان كل مستقبلي الدراسي سيكون مهددا بالضياع. حاولت محاورته لأن الإنقطاع كان خارج إرادتي لكنه أصر على رأيه معتمدا على فقرة في القانون تنص على إعتبار الطالب راسبا لمدة سنتين إذا إنقطع عن الدوام الرسمي مدة تزيد عن 60 يوما.

راجعت وزارة التربية بصحبة أخي همام ، وعرضنا المشكلة وهي ليست أول مشكلة تصادفها الوزارة، تعاطف معي الموظف المسؤول بالرغم من عدم معرفتي السابقة له، وعلق بإستهجان إن مدير مدرستك لم يفهم القانون جيدا أو أنه لايرغب بمساعدتك، وإن الفقرة تنطبق على الطلبة المهملين والغير جديين ويتغيبون وينقطعون عن الدوام بدون أي عذر ولاتنطبق على المعتقل لأن غيابه ليس بإرادته. سلمتني الوزارة كتابا إلى ثانويتي ينص بعدم ممانعة الوزارة لعودتي للثانوية مادام إنقطاعي كان بسبب السجن، وأن قرار العودة يكون من صلاحية مجلس المدرسين. عدت إلى كربلاء مسروراً وأنا متسلح بكتاب وزارة التربية وهو يؤيد حقي في مواصلة دراستي في نفس الثانوية. في اليوم الثاني سلمت الكتاب إلى الأستاذ علي جواد الخياط، قرأه بتمعن وهو يرفع عينيه من لحظة واخرى يحدق بي ثم قال: أذهب ألان إبني وسوف ندرس الكتاب ونعطيك الجواب في الأسبوع القادم. رجوته بالأسراع لأنه لم يبق لي وقتا والدوام يبدء في الأسبوع القادم. للأسف دراسة الكتاب والجواب عليه إستغرق أكثر من إسبوع، وكان الجواب لايختلف عن سابقه برفض عودتي باعتباري راسب لمدة سنتين. ناقشته كوني لست راسبا ولم أداوم بسبب سجني وكتاب الوزارة واضح وهو لمصلحتي، وأنا أنتظر مساعدتك كونك أستاذي ومثل أبي فهل ترضى أن يضيع مستقبلي. ردَّ علي بجملة واحدة لخصت لي شخصية أستاذي الجليل ودوافع رفضه بقوله: إبني تقبل أن يتهمونني بالشيوعية وأدخل السجن!! حينها تأكد لي أن موقف أستاذي نابع من خوفه أو أن هناك زملاء أو أصدقاء له ربما يضغطون عليه لعرقلة عودتي، ومهما يكن من سبب فلم أتوقع من أستاذ أعتبره بمثابة والدي أن يقف من مشكلتي هذا الموقف وخاصة إني معروف في المدرسة من الطلبة الجديين والمهذبين. كان بالأمكان أن تقنع أي إنسان ولكن أن تقنع أستاذي ألذي سيطر عليه الخوف والبعبع من الشيوعية فهذا شبه مستحيل. لاأدري لماذا لم أفكر حينها بألإستعانة ببعض الأساتذه الطيبين ممن يعرفونني ويحترمونني مثل ألطيب الذكر أستاذي بالفيزياء مهدي هادي حلمي، وأعتقد أنه سيتفهم مشكلتي ويتعاطف معي خاصة إني كنت من الطلبة المتفوقين في مواده العلمية، وقد بلغني تأثره عندما سمع بصدور الحكم عليّ، وكان قادرا على التأثير على المدير!!

عدت خائبا بسبب موقف مدير ثانويتي ومربي الأجيال القادمة. خذلني موقفه ولم أتوقع منه أن يكون هو العقبة في إستعادة حقي في مواصلة دراستي في ثانويتي التي اُجبرتُ على تركها بسبب إعتقالي. وموقفه هذا يتناقض مع ماكان يدعو اليه في مواعضه لنا اثناء تدريسه، فإيمانه بالله ودعوته الدائمة بعمل الخير ومساعدة الاخرين تتناقض مع موقفه من مشكلتي. سافرت إلى بغداد لمراجعة الوزارة مجدداً. إستغربوا من موقف المدير، وسألني بعضهم عن دوافع المدير وإصراره وهل توجد بيني وبينه مشكلة محددة. وضحت لهم إني لم أكن متوقعا منه هذا الموقف مطلقا، وموقفه ناتج من خوفه أو أن هناك من يدفعه لهذا الموقف. بادر المسؤول في الوزارة إلى إصدار كتاب واضح، مفصلا لأدارة المدرسة الخطوات التي يجب إتباعها لإعادتي للمدرسة وفق القانون، مؤكداً أن هذا الكتاب سيضع حدا لتخوف المدير، ويبعد عنه اية مسؤولية. مازلت أتذكر كل بنود الكتاب الوزاري وكأنه حدث بالأمس لإني قرأته عشرات المرات وأنا في طريقي من الوزارة إلى فندق كوكب الفرح في بغداد حيث أخي همام بإنتظاري، وكنت أحس بسعادة لاتوصف لهذا القرار العادل والمسؤول، وهذه أهم أسس كتاب الوزارة حسب ماتسعفني بها الذاكرة:
1ـ إذا تغيب الطالب لمدة أكثر من 60 يوما متواصلة يفصل من المدرسة.
2ـ إذا لم تتخذ إدارة المدرسة قرارا في فصله في حينها، فمن حق مجلس المدرسين وفق الفقرة .... أن يجتمع ألآن ويتخذ قراراً بفصله حتى وإن مرَّ على إنقطاعه سنوات.
3ـ أذا كان الغياب بسبب الأعتقال أو السجن يحق لمجلس المدرسين بعد فصله إتخاذ قرارًا بإعادة الطالب للدراسة إلا في حالة تجاوزه السن المسموح به في تلك المرحلة الدراسية.

أن من أتخذ هذا القرار يحس بالمسؤولية التربوية في إعطاء الفرصة لمن أجبره النضال ضد الإستبداد والظلم للإنقطاع عن مواصلة دراسته، بمنحه الفرصة مجددا لمواصلة دراسته، لا أن يمارس الظلم والإضطهاد ضده حتى من قبل أساتذته في المدرسة. كان أخي همام في إنتظاري في الفندق، قرأ أخي الكتاب وربت على كتفي وحثني على السفر بسرعة إلى كربلاء لأن المدارس بدأت منذ أكثر من إسبوعين وأنا مازلت في المراجعات، مؤكدا لي أن هذا ألكتاب سوف لن يعط مجالاً للمدير بالتهرب من إعادتي.

صباح اليوم الثاني راجعت المدرسة وسلمت الكتاب إلى كاتب المدرسة فاضل الربيعي الذي أكد لي أن الكتاب سيضع حد لمشكلتي ولصالحي. إستغرق إعطائي جواب إسبوع آخر كنت فيه مواضب على الحضور للمدرسة يوميا واقفا أمام غرفة المدير علَّه يتخذ قراراً شجاعا مستندا فيه على كتاب الوزارة. مرة اخرى تخاذل أستاذي الجليل علي جواد الخياط ورفض طلبي مؤكدا لي بأنه يعرف القانون أفضل من موظفي الوزارة وإن أي قرار يتخذه هو يتحمل مسؤوليته، ورفض عرض الكتاب على مجلس المدرسين!!. عدت مذهولا من موقف مديري هذا الذي كنت أكن له كل الإحترام، وخلال طريقي إلى البيت قررت أن لا أضيع الوقت في المراجعات وقد بدء الطلاب بالدوام منذ أسابيع.

قررت الإنتقال والعيش في بغداد مع أخي همام تجنبا لملاحقات الأمن ومضايقاتهم. إنتقلت إلى الثانوية الجعفرية الأهلية وسكنت مع أخي همام بمشاركة آخرين في شقة من غرفتين بعگد (زقاق) النصارى. أنا وأخي سكنا في غرفة والغرفة الثانية سكنها ثلاثة أصدقاء، الشهيد كاظم الرماحي (1) ، وصاحب الأسطة البارع الذي إشتهر بين الحرفيين في صناعة الأحذية في شارع النهر لدقته وبراعته في صناعة الأحذية وكان أصحاب المحلات في حينها يتنافسون فيما بينهم على موافقته في العمل لصالح مصانعهم الصغيرة، أما الثالث كان أيضا عامل أحذية وأسمه سعد.

بعد إستقراري في بغداد ودوامي في الثانوية الجعفرية حان وقت العمل من أجل الإتصال بالحزب، هذا ما أوصاني به الرفيق أبو وميض (سامي أحمد) عند توديعي في سجن النقرة هامسا في أذني: أبحث رفيق أنت عن الحزب لتعيد صلتك به ولا تنتظر أن يبحث عنك الحزب، مسألة ترحيلك تطول والوصول إليك قد يأخذ عدة أشهر. سألني أخي إن كنت على علاقة تنظيمية بالحزب وأرغب في الإستمرار، أجبته نعم ولاأعرف أحدا في بغداد وأفضل ان أكون بعيدا عن تنظيمات كربلاء. أوعدني بأنه سيرتب لي علاقة حزبية في بغداد. تم تنظيم إتصالي بالحزب أول الأمر عن طريق (أ.ك) وحدثت في البداية بعض الملابسات وانقطاع (أ.ك) عن حضوره بعض اللقاءات الفردية، وأنا أنتظره على قارعة الطريق في شوارع بغداد، مما سبب لي قلقا وعدم إطمأنان لهذه العلاقة القلقة. وبمساعدة أخي مجددا إرتبطت عن طريق خط عمالي ـ عسكري يقوده (ح.ج)، وكنت أعرف (ح.ج) منذ إعتقالي في كربلاء أيام الحرس القومي، حيث كان معتقلا معي. تعرفت عليه لأول مرة في مقر ألحرس ألقومي (المكتبة ألعامة) وكما ذكرت سابقا كانت مركزا للتحقيق والتعذيب. عرفنا منه بعد أن تعرض للتعذيب وسألناه عن سبب تعذيبه. وضح لنا أنه كان قد قطع علاقته بالحزب قبل إنقلاب شباط، ولكن بعد المأساة والنكبة ألتي حلت بالحزب وقياداته بعد إنقلاب 8 شباط الدموي، قرر أن يعود للعمل التنظيمي للحزب وأن يقدم كل خدماته الممكنة للحزب. لكنه لم يبق طليقا إلا لفترة قصيرة بالرغم من أنه كان زوج شقيقة البعثي القيادي سعدون حمادي. موقفه الشجاع هذا كان محل إحترام وتقدير.

يـتـبـع


(1) – الشهيد كاظم الرماحي، هو أخ الشهيد عبد الإله الرماحي الذي أستشهد تحت التعذيب أيام الحرس القومي، أما كاظم فقد اعتقل بعد انقلاب 8 شباط وعذب في قصر النهاية حتى سبب له التعذيب إعاقة جسدية ( شلل) في يده اليمنى، وبعد إطلاق سراحه أشتغل كعامل مبيعات أحذية في شارع النهر لحساب أحدهم، وتمكن من جمع مبلغا من المال للسفر إلى الخارج متوجها للأتحاد السوفياتي حيث حصل على دراسة جامعية وتخرج طبيبا، لكنه عاد مجددا للوطن لخدمته متحديا ألأرهاب الصدامي. وعندما أنتفض شعبنا عام 1991 وقف الشهيد بشجاعة وبطولة إلى جانب المنتفضين في كربلاء ليداوي جراحهم ويشد من عزائمهم. وعندما فشلت الانتفاضة انتقم منه البعثيون شر انتقام فأعدموه بحجة وقوفه مع المنتفضين، ونسوا الدور الانساني للأطباء.
 

¤ الحلقة السادسة عشر

¤ الحلقة الخامسة عشر

¤ الحلقة الرابعة عشر

¤ الحلقة الثالثة عشر

¤ الحلقة الثانية عشر

¤ الحلقة الحادية عشر
¤ الحلقة العاشرة

¤ الحلقة التاسعة

¤ الحلقة الثامنة

¤ الحلقة السابعة

¤ الحلقة السادسة

¤ الحلقة الخامسة

¤ الحلقة الرابعة

¤ الحلقة الثالثة

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى

 

الأربعاء 6/9/ 2006

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة