ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 


ذكريات الزمن القاسي

(13)


محمد علي الشبيبي

في سجن نقرة السلمان
وجود كادرا مجربا ومتقدما من اعضاء اللجان المحلية والمنطقية في المنظمة الحزبية في سجن النقرة امثال عبد الوهاب طاهر وسامي احمد وعباس بغدادي طيب الله ثراهم جميهم كان سببا رئيسيا لقوة المنظمة وتماسكها بالرغم من شراسة ودموية الضربة التي وجهت للحزب. اضافة لوجود الكثير من الكوادر الحزبية الوسطية، وكثير من القيادات والوجوه السياسية الوطنية، والتي لم تتعرض لتحقيقات الحرس القومي في مقرات التعذيب مما جعلها بعيدة عن الأسقاط السياسي الذي تعرض له الكثيرين بسبب التعذيب البربري فكان لها ألتأثير النفسي ألإيجابي على معنويات الآخرين والتفافهم حول قيادة المنظمة. ان من عاش احداث 8 شباط 1963 يعرف ان الكادر الحزبي وخاصة القيادات المتقدمة اذا ماتعرضت للإعتقال والتحقيق في مقرات الحرس القومي لم يبق امامها إلا أحد خيارين قاسيين أحلاهما مر، اما الأستشهاد تحت التعذيب وهذا ماحدث للكثير من اعضاء اللجنة المركزية واعضاء المناطق وحتى اعضاء القواعد، وفي مقدمتهم الشهيد الخالد سلام عادل سكرتير اللجنة المركزية والشهداء جمال الحيدري، حمزة سلمان، حسن عوينة، محمد صالح العبلي وغيرهم من شهداء صمدوا ببطولة وشجاعة وحافظوا على اسرار الحزب، بينما الخيار الثاني كان هو الانهيار المعنوي والسياسي وبدرجات متفاوتة، فكثير من القيادات الحزبية لم تتمكن من الصمود وتحمل التعذيب فإنهارت ولم تتمكن من المحافظة على الاسرار الحزبية، بل ان البعض قد انهار حتى قبل ممارسة اي تعذيب معه كما حدث لهادي هاشم الاعظمي والذي كان يلقب بأسد السجون لمواقفه البطولية في سجون العهد الملكي، وسبب انهياره كشف الكثير من البيوتات الحزبية وادى الى القبض على سكرتير الحزب ورفاقه من اعضاء اللجنة المركزية، ويذكر طالب شبيب في مذكراته بأن الأعظمي تطوع في الأعترافات بدون تعذيب!. ان وجود بعض القيادات الحزبية في المعتقلات منذ عهد عبد الكريم قاسم ساعد الحزب كثيرا في المحافظة على بعض كوادره وانقاذها من احد خيارين، الأستشهاد تحت التعذيب او الإنهيار (والسقوط) السياسي، وكانت القيادات الموجودة في سجن النقرة محظوظة من هذه الناحية، ماعدا الشهيد حمزة سلمان الذي استدعي الى بغداد وعذب حتى الموت. لذلك حافظ سجن النقرة على الكثير من الكوادر الحزبية التي ساعدها الحظ ، الحظ لاغيره، على تجنب نتائج تحقيقات الحرس القومي والخيار القاسي. وبجهود هذا الكادر والذي كان يمتلك الشرعية الوحيدة والقدرة على قيادة المنظمة وحتى المساهمة الفعالة في إعادة بناء الحزب وجمع شتات الاعضاء، خارج السجن، حيث تقطعت بهم العلاقات الحزبية بسبب شراسة الضربة. وهذا ماساعد المنظمة من امكانية توحيد جميع السجناء ورفع معنوياتهم ومواصلة قيادة العمل الحزبي داخل السجن، والاستفادة من كل الامكانيات المتوفرة من اجل اعادة بناء الحزب داخل وخارج السجن، وشكلت المنظمة لجانا حزبية لدراسة مواقف الرفاق اثناء التحقيق وتقييمها مجددا، وإعادة الكثيرين منهم الى العمل الحزبي المنظم مجددا.
وبذلت المنظمة الحزبية جهودا واضحة بإتجاه تطوير امكانيات الرفاق والاصدقاء نظريا، في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفلسفية. واستفادت المنظمة من امكانيات الرفاق والاصدقاء في تلك المجالات وفتحت صفوف دراسية ، لتدريس الأقتصاد، القضية الزراعية، المادية التأريخية والديالكتيك وغيرها من مواضيع وعلى مختلف المستويات، ولهذه المهمة تم تشييد مجموعة من الصفوف. وكانت هذه الدورات فرصة للكثيرين في تطوير امكانياتهم النظرية والثقافية، وساهم الكثير من ألأساتذة السجناء في تدريس اللغات كالإنكليزية والروسية والعربية، وحتى الأميون استفادوا من دورات محو الامية. ودورات التثقيف لم تعتمد فقط على ماتخططه المنظمة من دورات واسعة وانما كانت هناك نشاطات تخص كل قاعة للعمل من اجل تكليف احد نزلائها من تقديم محاظرات تثقيفية وندوات خاصة بها. كما استفاد بعض الطلبة، بعد انتقالهم الى سجون اخرى، ممن كانوا في الصفوف المنتهية من الثانوية (الخامس الإعدادي) من انجاز امتحانات البكالورية بالاستفادة من مساعدة زملائهم من الأساتذة المتخصصين في المواد العلمية والأدبية، وقد حصل الطلبة السجناء بعد ضغوطهم على إدارة السجن للسماح لهم للمشاركة في إجراء امتحانات البكالورية. وهكذا حول السجناء الشيوعيون السجون التي عاشوا فيها الى مدارس لتطوير امكانياتهم النظرية في جميع المجالات مستفادين من ابسط الامكانيات المتوفرة لديهم.


فريقان من سجناء نقرة السلمان عام 1966 يمارسان لعبة كرة القدم في ساحة السجن الجديد

كانت النشاطات ألرياضية من اهم النشاطات اليومية وذات شعبية واسعة. فريق كرة القدم من ألفرق ألقوية، ومن ابرز لاعبيه جمولي من منتخب ألشرطة واخرون غيره من لاعبي كرة ألقدم في منتخبات مدنهم أتذكر منهم جميل، أحد شغيلة المطبخ، من مدينة الناصرية. كرة ألسلة لنا منها اكثر من فريق، وتوجد فرق خاصة لأكثر من قاعة، وكان مسؤول المنظمة الراحل عبد الوهاب طاهر (ابو خلوق) احد اللاعبين اضافة لمجموعة من الملازمين الطيارين والملاحين الشباب ومنهم موفق ...... ، حيث يتميز لعبهم بالخفة والفن والحرفية مايثير حماس المشاهدين واعجابهم. وكانت لدينا فرق كرة الطائرة وضمت بينها لاعبين متمكنين. تجري ألمباريات بين قاعات السجن كل يوم تقريبا حيث تتنافس الفرق فيما بينها ، بشكل دوري وفي كل ألألعاب، والمنافسات تكون قوية ومشوقة، وكان حكم معظم هذه ألألعاب حليم من قاعة رقم 3 وهو رائع ودقيق وغير متحيز في تحكيمه. في ايام ألمناسبات كالأعياد وذكرى تأسيس ألحزب وغيرها ننظم دورة مباريات في مختلف ألألعاب، وتوزع ألهدايا، وسمعت من احد الزملاء القدماء والذي عاش لسنوات في نقرة السلمان ان مدير ألسجن عبد ألرحمن جاسم حضر بعض هذه النشاطات الرياضية وقام بتوزيع ألجوائز(1). وكان بعض الزملاء الملاحين يقدمون مساءً في ايام الاحتفالات عروضا جميلة لبعض الحركات الجمبازية، ويشارك فيها كل من الملازم الطيار (او ملاح) موفق ..... مع زميل طيار اخر له لا اتذكر اسمه. لابد من ألأشارة ألى ان منظمة الحزب نجحت في تكوين علاقة جيدة مع إدارة ألسجن ممثلة بمديرها. تفهم ألمدير لنا ربما ناتج من شعوره بأنه هو أيضا يعاني مثلنا من العيش في هذه ألصحراء النائية.

كانت لعبة الشطرنج شائعة، وكان بيننا من الزملاء الفنانين والمتخصصين بصناعة أحجار الشطرنج والتفنن بها لتكون جميلة ومتناسقة وكأنها صنعت في معمل متخصص. يعتمد هؤلاء على بقايا حشوة الصمون (نوع من ألخبز العراقي) لتشكيل منه عجينة بخلطها بالسكر والصبغة المطلوبة لصناعة الأحجار حسب الألوان التي تتطلبها اللعبة. كان خوشابة (للاسف لا أذكر اسمه الكامل) أحد البارعين في صناعة احجار الشطرنج، فقد تعلم صناعة احجار الشطرنج منذ دخوله السجن ايام العهد الملكي. قضى خوشابة سنوات من عمره ايام العهد الملكي متنقلا بين سجونه وعاش احدى مجازر السجون واصيب بعدة جروح وكسور اثناء وقوفه وزملائه بشجاعة ضد اعتداءات ادارة السجن ايام مديرها عبد الجبار ايوب، وقد تعرفت عليه في سجن النقرة بعد ان كان زميلا لعمي محمد علي في سجن الكوت وسجن بغداد المركزي. تستقطب مبارات الشطرنج الكثير من الزملاء، خاصة اذا كان المتبارون بارعون في اللعبة، حينها ينقسم المشجعون الى فريقين، يتحمس فيها كل فريق لتنبيه احد اللاعبين الى بعض كمائن اللاعب الآخر وتحذيرهم من النقلات المغامرة والخاطئة. وتدخل المراقبين في كل ألألعاب يثير في معظم الاحيان غضب أللاعب ألخاسر وحماس وتحدي اللاعب الرابح، وترتفع اصوات المشجعين وتختلط بصياح ورجاء المتباريان بالكف عن التدخل والتشويش ولكن دون جدوى. كان من افضل لاعبي الشطرنج صباح محمود شكري وهو مهندس مدني واصبح لفترة مسؤولا عن ألقاعة 3. وكانت لصباح اهتمامات اخرى كمتابعة ودراسة الكواكب والمجرات وكان يدون مايطلع عليه من معلومات في دفتر خاص يوثقه بصور وأحيانا برسومات يدوية توضيحية جميلة، وكنا نتمتع ونستفاد من معلوماته هذه. ومن ألبارعين في لعبة ألشطرنج ألراحل ذو المواهب ألمتعددة مصطفى عبود طيب الله ثراه ، والذي كرس كثيرا من وقته في الترجمة من ألإنكليزية وقراءة ماتوفر من مقالات ودراسات باللغة الإنكليزية. وشاءت ألصدف أن ألتقي به في بولونيا بعد عشرة سنوات من خروجي من سجن نقرة السلمان. حيث إستضافته صحيفة ألحزب الشيوعي ألبولوني (منبر الشعب) كمحرر صحفي نشط موفد من صحيفة الحزب الشيوعي العراقي طريق الشعب، وكنت مرافقه ومترجمه لأكثر من أسبوعين خلال البرنامج الذي اعد له، فكانت فرصة جميلة أن نستعيد ذكرياتنا عن نقرة ألسلمان وزملاؤنا هناك ونتابع اخبارهم واين حلَّ بهم الدهر. أما اللاعب الثالث كان ألشيخ عزيز من مدينة السماوة، ألمتحدي ألاكبر لصباح ولمصطفى وبسبب تحدياته وإصراره على ألفوز يخسر كثير من المشجعين ويتكاثر المتدخلون لغير صالحه مما يؤثر على هدوئه ورباطة جأشه. هذه بعض الصور من أجواء ألقاعة (قاووش 3) فالمتسابقين جميعهم من نفس القاعة.

لابد ان اذكر حادثة طريفة قصها علينا شيخ عزيز حدثت له في كربلاء اثناء موسم الزيارة في أيام ألعهد ألملكي. كان متواجداً في كربلاء لزيارة ضريح الحسين (ع) وشاهد تظاهرة ضد حلف بغداد فقرر ألمشاركة فيها واثناء سير ألتظاهرة حمله أحدهم على كتفيه من بين المتظاهرين ليهتف، وتحمس الشيخ وأطال بالهتاف لكنه وجد ان التظاهرة ابتعدت عنه وإذا بحامله يأتي به للرصيف لتكبل يديه ويعتقل ويزور موقف كربلاء بدل زيارته ألمنشودة، فالذي حمله على كتفه كان أحد الشرطة السرية لمدينة ألسماوة.

صباحا او عصراً تستغل ألظلال ألتي توفرها جدران القاعات ليلتقي تحت ظلها المربي يحيى قاف مع ابي نجلاء، والاثنان ربما شارفا على السبعين عاما إذا لم يكونا قد تجاوزا ذلك، يتحديان بعضهما البعض في لعبة النرد (الطاولي). المبارات بينهما لها نكهة ومتعة خاصة تشد الكثيرين لمتابعتها وإثارة أحدهما على ألاخر لزيادة التحدي وسماع تعليقاتهما. حيث يجلس رجلان مسنان انهكتهما الشيخوخة، عاجزان عن القيام بأي عمل ونشاط، لكن النظام الدكتاتوري البعثي ومن ثم العارفي وجد فيهما خطورة فزج بهما في السجن حتى اخر لحظة من حياتهما كما حدث للمربي الجليل يحيى قاف طيب الله ثراه. وبسبب وضعهما هذا تراهما يصبان حقدهما على طاولة النرد ومايجلبه النرد لهما من حظ سيء. كانا يشترطان على بعضهما استعمال كوب صغير لوضع النرد فيه ورميه بدل مسكه باليد ورميه، ومع هذا كان كل منهما يصد حجر ألاخر بحجة انه يتحايل عليه ويمسكه ويرميه بطريقة فنية بحيث تأتي النتيجة كما يتمنى بالرغم من ألاستعانة بالكوب. مبارياتهم التي تستغرق ساعات وهم في منافسة حادة يتبادلان فيها كلمات التحدي والاستخفاف بقدرة المقابل والقدرة على محاكاة الحجر ليستجيب لأماني اللاعب، وحسراتهما الصادرة من الاعماق بسبب سوء الحظ حتى مع النرد وتعليقات بعضهما على الاخر كانت ممتعة واحيانا تجعلنا متعاطفين مع حسراتهم. لقاءاتهم اليومية على طاولة النرد، متنقلين من مكان ألى آخر بين القاعات إحتماءً بظلالها وبإستضافة محبيهم، فرصة ممتعة وتقضية للوقت للكثيرين منا، فنتجمع حولهم وتزداد متعتنا في مشاهدة مقابلاتهم الجذابة والتمتع بتحدياتهما المتبادلة أو غضبهما أوحقدهما على ألنرد وكيل المسبات لهذا النرد المعاكس. ومايزيد انفعالاتهما هو انقسام المتفرجين وانحيازهما لأحد ألطرفين وتحريض احدهما على الاخر، كان هذا الحال بمجمله يزيد هذه التحديات متعة وانشدادا، خاصة عندما نراقب خفة أناملهم في نقل ألأحجار وما يرافقها من محاولة غش مقصودة واحيانا غير مقصودة.


احد فرق القدم لسجناء نقرة السلمان عام 1965/1966 ويتوسطهم الزميل عدنان محمد
السعيد من مدينة البصرة

ألأماسي ألشعرية والأدبية والثقافية كانت من ألأنشطة المعتادة وخاصة في ألمناسبات الوطنية والأعياد. وتكون هذه ألنشاطات ذات نكهة خاصة ليس للسجناء وحدهم وانما لسجانيهم خاصة عندما يحيي هذه ألأماسي ألشاعر ألرائع مظفر النواب وزميله سعدي ألحديثي في إلقاء اشعار مظفر وبصوته ذو النبرة المتميزة بطريقة غنائية يتناوب عليها الإثنان. كان صوتهما يملأ فضاء ألسجن حتى يتخيل لك أن هذا الصوت ألجميل الذي يجمع بين صوت إبن المدينة وصوت البدوي إبن ألصحراء يخترق هذه الصحراء الشاسعة ليصل لأطراف ألقرية التي تسكنها عوائل ادارة السجن. كان صوتهما يشق سكون ليل الصحراء الصيفي ليقول لكل من يسمعه نحن هنا نحطم قيود ألسلطة الدكتاتورية ونتحدى ارهابها بصوتنا، رغم تعسفها وإضطهادها لنا سوف نبق ننشد للحياة وكلنا أمل بأن قضية الشعب ستنتصر. كان الشاعر مظفر النواب لايبدع فقط في غناء اشعاره وانما كان يجيد تقليد غناء المطربة ام كلثوم، وكثيرا مايغني (لسه فاكر) او غيرها من اغاني كوكب الشرق في الاماسي ويبدع فيها وينوع من انشاده ليمتع سامعيه.

وفي المسرح كانت لنا فرقتنا المسرحية وتضم فنانين وممثلين من خريجي معهد الفنون الجميلة او من الهواة المتحمسين، اذكر منهم الصديق العزيز عدنان صاحب الملا عمران من مدينة الناصرية، وكان عدنان مبدعا في مسرحيته التي كان يجيدها ويعرضها في أكثر من مناسبة، وهو يمثل فيها لوحده متقمصا فيها اكثر من شخصية وبعدة ادوار. كما قدمت فرقة السجن مسرحية (البستوكة) المعرقة، وكان بطلها الزميل صباح محمود شكري، وقد مثل فيها ألدور الرئيس (دور الخياط فرفوري) وقد أجاد الدور وساعده على ذلك نعومة جسمه.

كانت اماسي الصيف جميلة، الجميع يفرش فراشه في الساحات المجاورة لقاعته بعد تنظيفها ورشها بالماء لترطيب الهواء حيث يهدء الجو وتصفو ألسماء بعد نهارٍ قائض حمل لنا ماحمله من رمال واتربة، هكذا كان دائما جو الصحراء. نفرش افرشتنا في تجمعات متجاورة، وكل واحد منا يشعل فانوسه النفطي، ووضع بجوار فراشه وبجانب مخدته جوت ألماء. وألجوت كيس من النسيج السميك والذي يسمح بنضوح الماء فيساعد على التبخر الذي يؤدي الى تبريد الماء في داخل الجوت، والبدو وسائقي المقطورات في العراق يستعملونها لتوفير الماء البارد للشرب. وأعتقد ان كلمة جْوتْ حرفت عن (جَوتَ) والاخيرة تعني دعوة الأبل الى الماء، فأصبح المصطلح جْوتْ ويعني إناء الماء من النسيج الذي يستعمله البدو للإرتواء من مائه المبرد بفعل عملية التبخير. من لايملك الجوت يستعمل بعض القناني البلاستك ويغلفها بما توفر لدية من مناشف مستهلكة وترطيبها لكي يبرد الماء في القنينة.

نهارا في الصيف يكون الجو حارا وجافا لايطاق بسبب اشعة الشمس القوية والأتربة. وفي معظم أيام الصيف تهب خلال النهار رياح وعواصف رملية تزيد من قساوة الجو ويصبح الجو جافا متربا، فيتعرض زملاؤنا المصابين بمرض الربو الى ازمات حادة. حينها يحتمي الجميع في قاعاتهم ولا يخرجون إلا للضرورات، وتغلق الشبابيك والابواب تجنبا للرمال، وحتى ملاحق القاعات تعبث بها الريح والرمال، فأن سلمت الاواني فيها من لعب الرياح بها ودحرجتها خارج الغرفة، فأن الرمال تفعل فعلها مما يضطرنا لغسلها مجددا. بعضنا يغطي الشباك القريب منه ببطانية متهرأة اوبقطعة قماش ويرشها بالماء ليتجنب الرمال وليكسب الهواء البارد نسبيا. اما في الليل صيفا فتهدأ الرياح وتخف درجات الحرارة، حتى ان البعض يستعمل الاغطية للنوم في ساحة السجن. ويكون ليل الصيف ذو سماء صافية ومطرزة بالنجوم المتلألئة والمتناثرة في طول السماء وعرضها، ويزداد جمالها عندما يكون القمر بدرا فيضفي نوره جمالا على الصحراء ويشيع في النفوس الطمأنينة والهدوء والرغبة الرومانسية لكتابة الرسائل والخواطر. واحيانا نستيقظ صباحا وقد سبقت نهوضنا الصباحي المبكر العواصف الترابية، فننهض وقد فعلت العواصف المصحوبة بالاتربة والرمال فعلها في اغطيتنا وأفرشتنا.

ليلا يتوزع السجناء في مجاميع وبين كل قاعتين تجد هناك اكثر من تجمع للسمر وللنقاشات الجدية والمتخصصة، فيجتمع بعض الاطباء لمناقشة امكانية تطوير المركز الصحي وعملهم وكيفية الحصول على المزيد من الادوية، والمهندسين يلتقون ليقيموا عملهم وانجازاتهم اليومية ودراسة المقترحات لبناء المزيد من المرافق الضرورية لحياتنا، وهكذا تجد الجميع يلتقي ويقديم مايراه ضروريا من مقترحات. البعض يحتفظ بحصته من العشاء ويلتحق بإصدقاء له من قاعة اخرى ليتناول عشائه مع اصدقائه بعد اجراء بعض التحسينات والاضافات عليه ومواصلة السمر والسهر واستقبال الزيارات او زيارة الاخرين للسهر معهم. وبين القاعتين 3 و2 يكون مجلس الخال، والخال هو العميد ابراهيم الجبوري أحد مؤسسي التنظيم الشيوعي في الجيش واحد ركاب قطار الموت. يفرش فراشه قريبا من مقدمة قاووش رقم 2 ويتخذ من جدار القاووش متكئا له، ويحاول ان يفرش اوسع مساحة ليستقبل زواره للسمر، فمساحة السجن تسمح لك ان تعوض الضيق الذي تعاني منه شتاء، يتجمع حول الخال زملاؤه ورفاقه في الجيش وتبدأ النقاشات والجدل في كل شيء وتتخلل النقاشات النكات وتسمع ضحكاتهم وقهقهاتهم. آخرون يتحلقون ليستمعوا لغناء ام كلثوم وقد اخذهم الطرب فيرددون الاغنية معها. البعض يتبادلون ذكرياتهم ويتذكرون احبائهم واصدقائهم. مجموعة اخرى تلتقي ويدور بينها نقاش حول سياسة الحزب واسباب نجاح انقلاب 8 شباط ودور ضباطنا وفشلهم بإحباط الانقلاب. وكان أكثر ألمواضيع السياسية إثارة للنقاشات، أسباب إنتكاسة ثورة 14 تموز ونجاح إنقلاب 8 شباط، أو ماجاء به خط آب 1964 من طروحات يمينية. ومثل هذه النقاشات كانت تثير الكثير من الخلافات والمشاحنات والتوترات بين الزملاء وخاصة بعد خط آب اليميني، وللأسف ان بعض هذه النقاشات والخلافات في المواقف الفكرية والسياسية كانت تؤدي الى مشاحنات ومشاجرات، حتى وصل بالبعض ان يتوج نقاشاته بالاعتداء على احد زملائه وجرحه بالسكين جرحا خطيرا كاد يؤدي بحياته، كما حدث للزميل والصديق الرائد يونس مجيد (ابو فارس). كان ابو فارس هاديء الطباع، حلو المعشر واجتماعيا، ولم يعرف عنه اي تشدد ولم يكن بطبيعته عدوانيا. فقد كنا نحن الشباب نلتقي لنسهر معه وهو يحدثنا عن ذكرياته عن صديقه الشهيد صلاح أحمد ومحاولات هروبه الفاشلة، وعن ذكرياته معه اثناء دوراتهم في الاتحاد السوفياتي وكيف كانوا يكيدوا المقالب لبعضهم في المزاح مع الفتيات السوفيتيات، وللأسف تعرض لمحاولة اعتداء استنكرها جميع الزملاء.

يـتـبـع


(1) – في الحقيقة لم اشاهد حضور مدير السجن اثناء وجودي، ولكن احد الزملاء الذين عاشوا في سجن النقرة لغاية عام 1967 اخبرني بذلك، وانا اصدقه، فلربما كان هذا بعد اطلاق سراحي عام 1965.

 

¤ الحلقة الثانية عشر

¤ الحلقة الحادية عشر
¤ الحلقة العاشرة

¤ الحلقة التاسعة

¤ الحلقة الثامنة

¤ الحلقة السابعة

¤ الحلقة السادسة

¤ الحلقة الخامسة

¤ الحلقة الرابعة

¤ الحلقة الثالثة

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى

 

الأحد 6/8/ 2006

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة