ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني


كتب الراحل توما توماس هذه الاوراق ما بين 1990 - 1996 ، إلا أن أسبابا عديدة كانت وراء بقائها تنتظر فرصة لنشرها ، ليطلع القراء على ما دونه قلم شاهد عيان لفترة عصيبة من تاريخ العراق .
وهي أوراق لقائد ميداني ولدّته المحن والصعاب ، فكان أهلا لها ولمواجهتها وتحديها ، فترك عند جميع من عايشوه أو سمعوا عنه إنطباعات مثيرة للجدل ، إلا أن جل تلك الانطباعات ، تؤكد مصداقية هذا القائد مع الذات ، الى الحد الذي يسهل علينا ملاحظة ، أن تضحياته كانت بالنسبة إليه ، تشكل أقصى درجات السعادة في مسيرة التداخل بين الخاص والعام ، لدرجة الذوبان ، أحدهما في الآخر ، فالعراق وشعبه كانا في قمة ما يشغل بال أبو جوزيف حتى اللحظات الاخيرة من حياته ...
وبالتزامن مع الذكرى العاشرة لرحيله في 15 /10/ 1996 سيباشر موقع الناس ، بنشر حلقات مسلسلة من أوراقه.

يمكن إعادة النشر ، مع ذكر المصدر "موقع الناس" بصورة مناسبة


أوراق توما توماس
( 5 )


التعاون بين قوتنـــا وهرمز مالك جكــــــو
على اثر الانقسام الذي سببه مصلح الجلالي توصلنا الى إتفاق تعاون مع هرمز ملك جكو الذي كان يقود مجموعة من المقاتلين الآثوريين ، وتشكلت على أثرالاتفاق قوة مشتركة ، إنطلقت في المنطقة تحت قيادة آمر الهيز حسو ميرخان .
الا ان بعض الاطراف في المنطقة لم ترحب بهذا الاتفاق ، بل اعتبرته تجاوزا عليها ، فحاولت نسفه منذ البداية ، ومن أبرزهم كان غازي حجي ملو ، الذي عمل على ابعاد هرمز من منطقتنا بشتى السبل ، وتمكن اخيرا من اقناع حسو ميرخان ، الذي قررنقل هرمز الى منطقة ( شرمن ) في عقرة ، محققا بذلك رغبة غازي من جهة ، ومعززا تواجد قواته في منطقة عقرة من جهة اخرى ، خاصة وان الزيباريين كانوا يسيطرون على هذه المنطقة دون ان يتمكن احد من مواجهتهم .
كان العديد من أفراد قوتنا المشتركة مصابين بالملاريا ، وكان لابد من إيجاد مادة الكينين لمعالجتهم قبل مغادرة المنطقة ، لذا قررنا القيام بعملية للاستيلاء على أحد المستوصفات في المنطقة ، ووقع الاختيار على مستوصف تللسقف ، فأرسلنا مفرزة بقيادة هرمز الى تللسقف ، إستولت على كميات من الادوية بينها قرابة (5) كيلوغرامات من حبوب الكينين ، تسلمها الدكتور حنا حيث عالج بها جميع المصابين بالمرض ، وبعد شفائهم ترأس هرمز قوة مشتركة من جماعته وبعض من رفاقنا ، وتوجه الى منطقة عقرة ، فيما استقرت بقية قوتنا في بيرموس .
يبدو إن أسبابا قوية فرضت إبعاد هرمز وقوته من المنطقة ، إذ لوحظ نشاط محموم لسلطة البعث بين العشائر الكردية الموالية للثورة المسلحة ، تحاول بمختلف الطرق تغيير ولائها لصالح السلطة ، وفعلا جرت محاولات جدية مع عبد الواحد حجي ملو ، أسفرت عن إنتقاله بشكل سري الى جانب السلطة ، حيث كلف بمهمة إقناع آغوات برواري ژيري لتغيير موقفهم والقيام بعد ذلك بعصيان ضد الثورة للسيطرة على المنطقة . وجرى إغراء الاغوات بالمال والسلاح وطمأنتهم بسرعة التدخل العسكري من قبل السلطة لمساعدتهم ، سيما وان منطقة عبد الواحد كانت محاددة لمناطق تسيطر عليها السلطة . وتلخصت الخطة بتقدم الجيش والجحوش لاحتلال منطقة المزوري على ان يسحب عبد الواحد قوته دون قتال الى ما وراء أتروش ، ثم يعلن إستسلامه للسلطة ، فيتم تشكيل قوة جحوش جديدة من جماعته ، ويصبح مسؤولا عن المنطقة ، وبمجرد نجاح الخطة ، يتمرد محمود آغا جمانكي ، ليلتحق بدوره بالسلطة ، بعد ان يسيطر على منطقة برواري ژيري المحاددة لمنطقة المزوري .
صبـــــاح يوم 9/11/1963 وبشكل مفاجيء تقدمت قطعات من الجيش العراقي وجحوش من الزيباريين وجماعة البريفكانيين ولواء اليرموك السوري (1) .
ولم نكن نعلم ان تلك القوات قد تحركت من عدة محاور : 1 ـ محور بيـــدة ـ أتروش 2 ـ محور آلوكا ـ سينا ـ بيرموس 3 ـ محور فايدة - عين سفني . ووصل لواء اليرموك الى قرية بيرموس وعسكر فيها ووضع رباياه على جبل دهوك . اما الجحوش فقد تقدموا من فايدة حتى عين سفني للسيطرة على المنطقة والجبال المشرفة عليها وتشمل منطقـــة القـــوش ـ باعذرة ـ عين سفني . أما الجيش العراقي فقد تقدم من دهوك بإتجاه قرية بيدة التي تم احتلالها وحرقها ، وواصل تقدمه نحو اتروش .
راودتنا بعض الشكوك من عدم تصدي بيشمركة المزوريين ( جماعة عبد الواحد ) للجيش وإنسحابهم امامه دون اية مقاومة حتى احتلاله اتروش ، الا ان شكوكنا لم تصل الى حد تصور ان ما يجري هو تنفيذ لخطة سرية متفق عليها بين الطرفين .
كان مقرنا في دير الربان هرمز ومقرات البيش مركة المزوريين منتشرة في قرى المنطقة ، ومقر رفاقنا من جماعة مصلح في قيصرية (2) قرب قرية كافاره ، وجميع هذه المقرات لم تهتم كثيرا بهذا التقدم ولم نعطه بدورنا اية اهمية استثنائية ، بل اعتبرناه تقدما عاديا سوف لن يفضي لشئ . كانت قوتنا مع البيش مركة المزوريين والكوجر في اليوم الاول تسيطر على قمة جبل ديرالربان هرمز ولم يتمكن الجيش والجحوش من التقدم بأتجاهنا لثلاثة ايام ، لذلك لم يخطر ببالنا ان اتفاقا جرى ويجري بين السلطة وقادة المزوريين ، ولم نعر اي اهتمام لعدم جدية البيش مركة المزوريين في الدفاع عن المنطقة وتراجعهم بأتجاه اتروش ، والحاحهم علينا بضرورة الانسحاب واللحاق بهم ، حيث رفضنا ذلك بشكل قطعي بأعتباره خيانة واضحة !!!
في اليوم الثالث لم يبقى على قمة جبل الدير سوى انصارنا ، وعندها وصل الينا (هيرو جفريكي ) ارسله غازي حجي ملو ليخبرنا بأن الجيش احتل ( بيده ) واحرقها وهو في طريقه الى اتروش وبوصولها سيقطع الطريق على انسحابنا ، لذا فهو ( غازي ) يناشدنا للانسحاب حالا ، لم نرى أي مبرر للاصرار على البقاء وعدم الانسحاب ، فأرسلنا فورا الى رفاقنا ( جماعة مصلح ) في قيصرية ليستعدوا للانسحاب معنا ومغادرة المنطقة .
تحركنا مساءًا الى قرية شيخ هسن والجيش السوري في بيرموس والجحوش يحتلون قرية خوركي مما يحول دون عبورنا منها ، لذا توجهنا الى قرية بالطة تحت نيران الجحوش ومنها توجهنا الى قرية بريفكا ، ثم الى قرية كلي رمان وبعد استراحة قصيرة واصلنا سيرنا نحو قرية بيبوزي (3) شمال غرب اتروش وبقينا تلك الليلة خارج القرية ، لندخلها صباحا وكانت مزدحمة بالبيشمركة ، ولم يكن ممكنا البقاء فيها او التزود بطعام من بيوتها ، سبقنا رفيقان الى الى قرية هسنكة (4) ، لشراء بعض الاحتياجات وتهئية الطعام قبل وصولنا اليها مساءًا وكان برفقتنا الرفاق من جماعة مصلح .
وصلنا هسنكة وكانت هي الاخرى اكثر ازدحاما بالبيشمركة وهم بإنتظار قرار من عبد الواحد الموجود في اتروش ، كان ذلك يوم 13/11/1963 وما هي الا ايام معدودة ليحسم عبد السلام عارف خلافاته مع البعث بأنقلابه في 18/11/1963 .
بدروه كان عبد الواحد في اتروش ينتظر قرار الحكومة للموافقة على تشكيل فوجه ، وفي المساء وصل مراسل منه ليخبر البيش مركة المزوريين ، نبأ التوصل الى اتفاق مع الحكومة وطالبا منهم التوجه الى دهوك وانتظار التعليمات هناك .
وعلى اثر هكذا تطورات لم يعد ممكنا لنا البقاء قريبا من جماعة عبد الواحد ، لذا قررنا ان نتحرك صباحا الى قرية بيركيات (5) حيث يتواجد حسو ميرخان مع قوة هناك .
وحال وصولنا لاحظت علامات الارتياح على حسو ، كان عنده جوهر عبدال شيخكي واخوته وتيتان كوخي ومحمود آغا جمانكي وجماعته ، وجاء بعــدها صادق عقراوي ومعه (25) مسلحا ، رحب بنا حسو بحرارة ، معتبرا مجيئنا اليه دعما معنويا وعسكريا له ولمن معـــــه.
كان لالتحاق عبد الواحد بالسلطة مع جميع مسلحيه تقريبا ضربة قوية للثورة المسلحة خاصة بعد سقوط البعث على يد عبد السلام عارف ، ومن اجل اعادة الاعتبار للحركة المسلحة وثقة الجماهير بها ولاثبات قدرتها على التصدي لكل من يفكر بالخيانة قرر حسو ميرخان القيام بعمل عسكري ضد السلطة ، فوقع اختياره على احتلال قرية بلان (6) التي يسيطر عليها علي مجيد آغا المسمى ( علي خاتون) ويتخذها مقرا له في منطقة شمكان ولديه قوة من الجحوش يقدرعددهم ب ( 200 ) مسلح ، وكانت رباياهم تحيط بالقرية من كل جهاتها .
في ذلك الوقت كان الاغا قد جمع محصول الرز واحتفظ به في جامع القرية ، كانت فكرة ضرب قوة الاغا والاستيلاء على كميات كبيرة من الرز وتوزيعها بالتالي على الجياع ستترك اثرا كبيرا وطيبا لدى ابناء المنطقة بلا ادنى شك.

صباح يوم 19/11/1963 توجهنا حسو وانا ومعنا مجموعة من البيش مركة الى الجبل المشرف على قرية ( بلان ) للاستطلاع ووضع خطة للهجوم ، وحددنا المجاميع ، وكانت مجموعة الهجوم الرئيسية من رفاقنا وحرس حسو الخاص ، وكلفت مجموعة من بيش مركة صادق عقراوي بمهمة الاسناد شمال القرية .
تم تحديد ساعة الصفر في الرابعة عصرا ، بعد ان قسمت القوة الى ثلاثة مجاميع ، المجموعة الاولى كانت من انصارنا ( صباح ومجموعته ) ومعهم ساكو وجوهر دودي وجماعتهما ، مهمتها الهجوم من الوسط على الربيئة الرئيسية المشرفة على القرية ، و المجموعة الثانية من انصارنا (عبد جمعة ومجموعته ) برفقة دليل من البيش مركة المزوريين ( كان قد بقي قسم منهم الى جانب الثورة ) تتوجه الى الجنوب الغربي من القرية قرب الطاحونة لاسناد المهاجمين ، المجموعة الثالثة مع رشاش برن يحمله الرفيق لزكَين جركو تتوجه الى شمال القرية لاسناد المهاجمين اذا تعرضوا لهجوم مضاد ، اما حسو ميرخان وجماعة العقراويين فقد كانت مهمتهم التمركز على الجبل شمال القرية كقوة احتياطية . في الساعة الرابعة مساءًا اطلق حسو طلقة البدء بالهجوم ، فأنطلق الانصار كالاسود نحو اهدافهم وهم يطلقون النار على الربيئة الرئيسية وبحركة سريعة تمكنوا من السيطرة عليها واحتلالها ، وقامت المجموعتان الثانية والثالثة بأحتلال المواقع التي حددت لها في الخطة ، فأصبحت القرية تحت رحمة نيران الانصار ، حاول الجحوش اتخاذ البيوت متاريس لهم ، الا ان اندفاعة الانصار كانت حاسمة ، وبدأ الجحوش بالتراجع ، ومن ثم بالهرب بأتجاه ( جبل مريبا ) ، وفي الساعة السادسة والربع كانت طلائع الانصار تدخل القرية .
التزم الانصار كعادتهم بأحترام العوائل والمحافظة عليهم وتأمين انسحابهم الى مريبا ، اما حسو فقد وصل القرية في السادسة والنصف .
كان الجامع مملوءًا بالشلب ( الرز ) قدرت كميته بمائة وخمسون طغار ( حوالي 40 طن ) ، تم تسليم القرية حسب الخطة الى صادق عقراوي ، وانسحبنا جميعا الى قرية ( ملبركي ) حيث يتواجد حسو ميرخان مع هرمز ملك جكو الذي كان قد وصل من ( شرمن ) ومعه بقية رفاقنا .
يوم 21/11/1963 ، اي بعد اقل من يوم واحد فقط على تسليم القرية الى صادق عقراوي ، وكنا ما نزال في قرية ملبركي ، وصل احد مسلحي صادق عقراوي ، ليبلغ حسو من ان فوجا من الجيش تدعمه الدبابات يتقدم نحو ( بلان ) لاستردادها ، وان صادق وجماعته قد تركوا القرية الى التلال المحيطة بها ، تحركنا جميعا على الفور بأتجاه ( بلان ) ، وكان امامنا ساعتين من المسير ، وعند اقترابنا من القرية ، قرر حسو فجأة ، الانسحاب مقترحا علينا ( هرمز وانا ) ان يرافقه احدنا ، اما الاخر فعليه اختيار الوجهة التي يرتئيها ، رد عليه هرمز بحدة : اذهب انت لوحدك اينما تريد ، اما نحن فسنواجه سوية وسنقاتل لوقف تقدم هذه القطعات ، لم يتردد حسو في قراره فأمر البيش مركة ومعه صادق عقراوي بالانسحاب بأتجاه الجبل المطل على القرية من ناحية الشمال ، وتركنا لوحدنا نواجه التقدم العسكري .
فقررنا مواجهة القطعات من خلال مجموعتين ، الأولى معي تحركت بسرعة بأتجاه السلسلة الجبلية المطلة على القرية وتم احتلالها ، والثانية مع هرمز توجهت مباشرة الى القرية من ناحية الشمال فأشتبكت مع الجيش حال اقترابه. وبمجرد احتلال قوتنا للسلسلة الجبلية المسيطرة على القرية ، اصبح الجيش تحت رحمة نيران اسلحتنا فدخلنا فورا بمعركة ضارية ، تحت قصف المدفعية ودوشكات الدبابات ، في تلك الاثناء لمحت ستة مقاتلين يشتبكون في قتال عنيف مع الدبابات وهي تتقدم نحوهم ، وتبين انه هرمز مع خمسة من المقاتلين فقط وصلوا الى موقع قريب ، دون ان تتمكن بقية قوته من اللحاق به ، عندها تم توجيه انصارنا بتكثيف الرمي على الجيش لمنعه من التقدم نحو هرمز ومحموعته . وفعلا تم انقاذ الموقف . كانت المعركة بضراوتها تدور لصالح الجيش ، لكن حينما بدأت الشمس بالمغيب عجل الجيش في الانسحاب الى عين سفني ، وهكذا حسمت المعركة لصالحنا ، فدخلنا القرية وعثرنا على جثة عريف تركت في ارض المعركة ومعها بندقية سمينوف ، لم تكن لنا اية خسائر سوى اصابة الرفيق هرمز صليوا .

العودة الى المنطقة
كان لالتحاق عبد الواحد حجي ملو بالسلطة تأثيرا سلبيا كبيرا على المنطقة اذ ترك فراغا واسعا فيها ابتداءًا من جبل القوش جنوبا حتى جبل كَارة شمالا ، وتركت عشيرة المزوري جميع قراها وانتقل الاهالي الى دهوك وعين سفني ، واضطرت عشيرة ( ارتوش ) الكوجر والايزيدية الى ترك المنطقة ايضا ، فأصبحت خالية الا من بعض العوائل الفقيرة التي لاتملك شيئا لتخاف عليه خاصة في قرى سينا وشيخ خدر بالاضافة الى عدد من الرعاة .
لم يكن الرجوع الى المنطقة ، امرا سهلا ، اذ يحتاج لمقاتلين اشداء لهم كامل الاستعداد للتواجد الدائم فيها والدفاع عنها في وضع معاشي بائس لاتتوفر فيه الارزاق لعدم وجود الفلاحين في قرى المنطقة ، وتدبير الارزاق يتطلب تضحيات كبيرة لصعوبة نقلها من مناطق بعيدة ، وكالعادة وقع الاختيار على قوة هرمز ملك جكو وقوتنا للرجوع والتواجد في المنطقة ، وقد بلغ عدد افراد القوة بحدود 150 مقاتلا اذا اضيف اليها من تبقى من البيش مركة المزوريين ، ولم يكن عددهم حينها يتجاوز ال 50 مقاتلا .
تحركت قوتنا من ( ملبركي ) ، ووصلت ليلا قرية ( شاهية ) المهجرة ( تقع على السفح الجنوبي للجبل المقابل لاتروش ) بقينا فيها نهارا وواصلنا المسير ليلا عبر ربايا الجيش في كَلي شيخ عادي حتى فجر اليوم التالي حيث وصلنا كَلي ديرك شمال قرية باعذرة ، تقرر الانتشار في الكَلي بعيدا عن الانظار، ووضعنا عدة نقاط للسيطرة لضمان بقاء القوة منتشرة بشكل سري ودون ان تلاحظ حتى من الرعاة .
ابلغنا تحسين بك امير الايزيدية بوجودنا ، مع رسالة له من حسو ميرخان يطلب فيها مساعدتنا بالطعام والعتاد ، وقد لبى طلبنا اذ استلمنا الطعام وقليلا من العتاد لعدم توفره حسب ادعائه ، في المساء تحركنا نحو الغرب سالكين الطريق بمحاذاة الجبل بإتجاه القوش متحاشين القرى حتى وصلنا ليلا قرية بوزان ( تبعد ثلاثة كيلومترات شرق القوش ) وبذلك حققنا الخطوة الاولى وهي الوصول الى المنطقة دون ان يشعر بنا احد .

المحاولة الفاشلة للسيطرة على مركز القوش
ليلة 26 - 27 /11/1963 قررنا دخول القوش والسيطرة على مركز الشرطة فيها لاعادة نفوذ الحركة في المنطقة ، ولم يبلغ ايا من الانصار بالعملية حتى وصولنا دير السيدة ، دخلنا البلدة بشكل مفاجيء في الساعة الثامنة والنصف مساءًا ، كان مدير الناحية سيروان الجاف (7) قد توجه الى مركز الشرطة ، ولم يجده الانصار الذين كلفوا بمهمة اعتقاله في بيته . توجهنا نحو مركز الشرطة حيث تم تطويقه في التاسعة مساءًا دون ان يشعر احد من الشرطة بنا ، كان خطأ من هرمز ملك جكو حينما كلف الرفيق عبد جمعة بمناداة الشرطة والطلب منهم تسليم انفسهم ، بدأ الرفيق عبد بمناداتهم [ ايتها الشرطة الوطنية ، سلموا انفسكم للثوار، وسنضمن لكم حياتكم ] ، كان جوابهم الشتائم واطلاق النار بإتجاهنا بعد ان احكموا غلق الباب الرئيسي وتوزعوا على الاسطح وقرب الشبابيك . لم نكن نملك اسلحة ساندة عدا مدفع هاون 2 عقدة مع 6 قنابل فقط ، فتقدم الرفاق والبيشمركة في خطوة جريئة وخطرة بالهجوم على الباب الرئيسي عبر ساحة مكشوفة معرضين انفسهم لنيران الرشاشات وتمكنوا من الوصول الى الباب الرئيسي المقفل .
بدأ عتاد الانصار والبيش مركة بالنفاذ ولم نفلح في دخول المركز ، وبعد ان تجاوزت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل قررنا الانسحاب والخروج من القوش بعد فشل خطتنــا بالسيطرة على المركز ، استشهد في المعركة احد بيش مركة هرمز وجرح اخر ، ووجد الانصار عريفا للشرطة مقتولا في سيارته امام المركز ، فأخذوا سلاحه .
وفي طريق الانسحاب عبر سوق البلدة حاول البيش مركة كسر ابواب الدكاكين لنهبها ، فأثار ذلك حفيظة الانصار الشيوعيين من اهل البلدة ، وكاد الامر ان يتطور الى صدام مسلح بينهم ، لولا تدخل هرمز وقيامه بمنع مقاتليه من النهب ، ومع ذلك فقد تعرضت بعض الدكاكين للنهب . واصلنا سيرنا عبر الجبل الى قرية سينا عند سفح جبل دهوك ، قررنا ان يكون مقرنا فيها وكانت مهجرة ولم يبقى فيها الا عدة عوائل فقيرة .

استشهاد هرمز ملك جكو
بنى هرمز امالا كبيرة على عملية السيطرة على مركز شرطة القوش في رفع سمعته بين الجماهير ، فكان لفشلها تأثيرا نفسيا سيئا عليه اذ شعر بخجل غير مبرر ، وحاول ايجاد اي بديل يعوض به فشله .
بعد ثلاثة ايام ، في الواحدة ظهرا وكنت قد رجعت توا مع مفرزة صغيرة ، من قرية خربة صالح ، البعيدة ست ساعات عن سينا ، وفي نيتي اخذ قسط من الراحة ، واذا به ( هرمز) يبادرني بطلب مساعدته بثمانية من الانصار لمرافقته الى جبل دهوك تمهيدا لاستطلاع اتفقنا على القيام به لاحقا ، لم اكن مطمئنا لهذا الطلب بسبب الوضع النفسي الذي كان يمر به اضافة لاصابته بالانفلونزا ، وابديت له قلقي ، مذكرا بأن موعد الاستطلاع غدا وليس اليوم ، والمفترض ان نكون معا ، اكد بأنه لن يذهب الى اي مكان سوى جبل دهوك فقط .
في العاشرة ليلا من نفس اليوم ( 30 /11/ 1963) ، وصل اثنان من بيش مركة هرمز ليخبراني بنبأ الكارثة ...
توجهت فورا الى موقع المعركة ورأيت جثث الشهداء الواحدة قرب الاخرى ، وهي على بعد 50 مترا عن شارع دهوك - الموصل ... كانت الخسارة كبيرة وكبيرة جدا ، فقدنا ذلك اليوم هرمز وخمسة مقاتلين ، كان بينهم رفيقنا حنا عوديش عقراوي (8) ، واسر مقاتل اخر هو حسن تركي ، قام الجيش بأعدامه وتعليق جثته على طريق دهوك - الموصل .
تبين ان هرمز لم يذهب الى الجبل كما اكد ظهرا ، انما توجه الى الشارع العام الرابط بين دهوك والموصل ، وقام بنصب كمين في منطقة تقع جنوب غرب قرية زاوه ، في نقطة لا تبعد سوى 5 كيلومترات ، عن معسكر آلوكا الذي يعسكر فيه لواء اليرموك السوري .
وقعت في الكمين ثلاث سيارات زيل كبيرة على متنها حوالي ( 40 ) جنديا مسلحا عائدين من اجازاتهم ، واحدى السيارات كانت محملة بمواد غذائية للحانوت ، سيطر البيشمركَة على الموقف وتم اسر الجنود وتجريدهم من السلاح ، و توجهت بهم مفرزة صغيرة نحو المقر ، انشغل بقية البيش مركة بحمولة سيارة الحانوت ، في تلك الاثناء مرت سيارة تاكسي متوجهة الى دهوك لم تقف عند الحاجز عندما اشير لها ، بل واصلت سيرها حتى آلوكا ، ليقوم السائق بالابلاغ عن الكمين وعن السيارات العسكرية الثلاث .
كان هرمز يحث البيشمركَة للاسراع ولترك المكان ، ولم يشعرالبيش مركة الا والمدرعات السورية وناقلات الجنود تتقدم نحوهم وتضرب طوقا حولهم ، فنشبت معركة غير متكافئة بين الطرفين ، وخلالها استطاع الاسرى من الهرب ولم يبقى منهم سوى نائب ضابط وجنديين مع سلاحهم وصلوا الى مقرنا برفقة انصارنا .
وبسبب غروب الشمس لم يجرئ الجيش على البحث عن جثث الشهداء فتركت في ارض المعركة .
قمنا بنقل الشهداء الى قرية سينا ، حيث دفن هرمز فيها ، فيما دفن الاخرين في مقبرة الشهداء في دير الربان هرمز .
وكانت هذه الخسارة هي الاخرى غير مبررة ، فلم يكن اي شئ من العملية مدروسا ، ومخططا بشكل واقعي ، لم يفكر هرمز بأمكانية قيادة تلك السيارات الثلاث بعيدا عن الموقع خاصة وان في المفرزة اكثر من سائق ،( الشهيد حنا عوديش ، سعيد موقا ، عبد شمعون كردي ) كان بأمكانهم قيادة السيارات بمن فيها من اسرى وبيش مركة وغنائم ، والتوجه بها الى سينا مباشرة ، سيما وان الطريق كان مناسبا لذلك .

انقطعت علاقتنا مع مجموعة هرمز بعد استلام قيادتها من قبل المدعو ابرم ، لكن في اثناء هدنة سنة 1964 تسلم قيادتها الاخ طليا سيبو ، عندها عادت علاقتنا لتصبح طبيعية .

يتبع


(1) كانت الحكومة السورية قد ارسلت هذا اللواء بأمرة فهد الشاعر ، لمساعدة الجيش العراقي على اثر اتفاق نيسان ) ، وكان يضم العديد من الشباب الاشوريين من منطقة الجزيرة في سوريا .
(2) تقع قيصرية في كَلي كَافارة ويوجد فيها عين ماء عذب ، فيها كهوف اثرية منحوتة على شكل غرف وتعتبر من الاثار التاريخية في المنطقة اتخذها الرفاق مقرا لهم .
(3) قرية يسكنها المسيحيين شمال غرب اتروش ، تركها اهلها بسبب اضطهاد المزوريين لهم .
(4) هسنكة ، قرية كبيرة نسبيا ، يسكنها المزوريين تقع شمال اتروش .
(5) قرية بيركيات ، شمال شرقي اتروش ، سكانها من البرواريين اتخذها حسو ميرخان مقرا مؤقتا له بعد التحاق عبد الواحد حجي ملو بالسلطة .
(6) قرية في سفح جبل بي خير ، منطقة شمكان ، كان سكانها من المسيحيين ، استولى عليها علي مجيد آغا واسكن فيها جماعته من الاكراد ، وشمكان منطقة خصبة وفيها مياه وفيرة تكفي لاسقاء مزارعها تقع في السهل بين جيابانك ـ بي خير ، تجاورها قرى مسيحية اخرى منها تلان ، بيري ، باصفري .
(7) من اهالي السليمانية ، عين مديرا لناحية القوش ، بعثي متعجرف ، تقلد مراكز عدة منها محافظ السليمانية ، ورئيس المجلس التنفيذي لاقليم كردستان .
(8) عضو في الحزب الشيوعي العراقي ، من اهالي عقرة ، التحق بالانصار بعد انقلاب شباط 1963 ، استشهد يوم 30 /11/ 1963.


¤ الحلقة الرابعة

¤ الحلقة الثالثة

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى

 

الأحد 5/11/ 2006

| أرشيف الذكريات  |