ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

الذكريات والأحداث وأهمية تدوينها
نعيم بدوي ، يشوع مجيد في ومضات من خزين ذاكرتي
 


يحيى غازي الأميري

الذكريات وبريق وميضها وأهمية تدوينها، أفكار وهواجس ومشاريع وأمنيات وأحلام تراود الجميع بتسجيلها وتدوينها على حقيقتها خوفا ً من ضياع حقيقتها وزوال بريقها وطمس معالمها  .
جميعنا نمتلك من الذكريات المختلفة آلاف وآلاف من الصور نسترجعها من حافظتها نحس بسعادتها، أو تعاستها تثير فينا النشوة أو الانزعاج والرعب والهلع أحيانا ً، تأتينا مرات دون مواعيد مسبقة واضحة كأنها مسجلة على شريط مصور وفي أحيان أخرى تأتي مشوشة لا تستطيع الذاكرة إرجاع صورتها بشكلها الحقيقي، نحزن عندما تبدأ آفة النسيان بالتهامها وتفكيك صورتها المتماسكة .
وكلما تتقادم الذكريات غير المدونة المنقولة شفاها ً، يتغير جوهرها ومحتواها ودقتها ،إذ تضعف الذاكرة بإعادة صورتها بشكلها الصحيح ،وكلما تتباعد عنها السنين وتتناقلها الألسن تضاف عليها كلمات أو تتغير الكلمات بمرادفات قريبة أو مشابهة لها وبالتالي يصل إليك الموضوع أو الحدث و فيه نوع من التضخيم أو التضعيف أو التشويه للأسباب عديدة ، منها موقف الشخص الناقل للفكرة أو الحدث أو الموضوع وما هي مراميه وغاياته وأهدافه، فترى البعض ينقلها كما يحلو له بقصد أو بغير قصد ؟؟
أن الذي قادني إلى هذا الموضوع هو الكم الهائل من الذكريات التي نحملها على مدى سنين العمر، وترافقني رغبة قديمة ملتصقة بي حد العشق، هي رغبة تدوين الأحداث التي مررت بها أو التي صادفتني.
وبسبب الوضع السابق أيام الحكم البائد الذي كنا نعيشة لم أتمكن من تدوين الأحداث والمواقف والذكريات وخصوصا ً التي تتعلق بكل شكل من الأشكال في السياسة أو حتى توحي إلى موقف سياسي أو أمني وغيرها من المواقف ولو جميعها ممنوعة وتقع تحت طائلة القانون الذي لا يرحم !! لهذا كان لعدم تدوين الذكريات والأحداث ألف سبب وسبب ويكفي سبب واحد من الألف سبب أن يصل بك إلى السجن والتعذيب والجلد و الإهانة والى المشنقة أو الإعدام بالرصاص بدون رحمة أو شفقة .
وما تبقى من الألف سبب فقسم من الأسباب يندرج تحت الوضع الذي كان سائدا في العراق إذ كان الرعب والمطاردة والحروب المتعددة والمتنوعة والأزمات الاقتصادية والقلق والخوف والمداهمة والدعاوى الكيدية والاستدعاءات والاستجوابات الدورية والمراقبة واستفزازات وكتبة التقارير واستمارات طلب المعلومات وطول الخدمة العسكرية والتطوع بالجيش الشعبي وجيش القدس والبطالة وووووو إلى أخر الويلات والآهات تشغل بال من يريد التدوين والتوثيق .
وقبل تغير نظام الحكم الغاشم بفترة قصيرة وخصوصاً بعد وصولي المملكة الأردنية ـ عمان في خريف 2001 بت اقضي معظم وقتي بين مؤسسة المرحوم (عبد الحميد شومان ) والمكتبة العامة للأمانة عمان وبين مكتبات عمان لبيع الكتب والمجلات والصحف وهي تبهرني بمعروضاتها الحديثة بدأت أول خطوات تدوين ذكريات عزيزة عليّ ، ثم وصولي المملكة السويدية بلد الأمان والاستقرار والحرية والعدالة والقيم الإنسانية ، بدأت أدون وانشر بعض الأحداث والذكريات كلما أسعفتني بها الذاكرة ، لكن تسارع الأحداث المرعبة والمأساوية هناك في بلدي العراق حيث يعيش أهلي وأخوتي وأحبتي وقومي وأبناء بلدي وما يحيق بهم من مسلسل رهيب من الموت والدمار حيث وصل الخراب حد اللامعقول بأحداثه الخارجة عن كل التوقعات والحسابات، وكذلك متطلبات الحياة الجديدة التي أعيشها وضرورة التفاعل معها، اللغة الجديدة ، والعادات والتقاليد الجديدة ،ونظام الحياة والعمل ومتابعة الأولاد وشؤون البيت، والمستجدات الكثيرة والعديدة التي ظهرت وتظهر بشكل يومي،كلها معوقات جديدة تضاف لمنع تحقيق ما اصبوا أليه وأرغب فيه.
ولكن الذي يزيد من إصراري للكتابة وتدون الأحداث الآن خوفي من آفة النسيان وغياب العديد من المرتبطين بالأحداث و الذكريات التي أود تدوينها والخوف من وقوع أي حادث خارج الحسبان!؟ فتموت معه الحقيقة والذكرى و البيان فيلفها الضياع والتأويل والنسيان !
في أوليات كتاباتي أضع تدوين الحقائق والأحداث جهد الإمكان بكل دقة وأمان و إحقاق الحق وإلحاقه بأصحابه ونقل الخبر بأمان وأعتبرها من أول أخلاقيات الكاتب المنصف والنزيه الذي يريد تدون الأحداث والذكريات والكتابة عنها، ومما يعيق إكمال صورة الذكرى المدونة بشكل دقيق وجودنا الآن في بلاد الغربة بعيدا ً عن مواقع وقوع الأحداث والذكريات وتباعد ورحيل العيد من الأشخاص المشتركين في هذه الذكريات وعدم توفر المصادر والمراجع التاريخية المتعلقة بالمواضيع المراد تدوينها .
وكي ادخل في الموضوع الذي دفعني لكتابه هذه المقدمة عنه بالإضافة إلى ما ذكرته أعلاه ،هو ما تناوله الأستاذ الكاتب والقاضي ( زهير كاظم عبود ) في كتابه (لمحات عن سعيد قزاز ) وبالمناسبة كنت قد قرأت الكتاب الذي نشر عن محاكمة وحياة ( سعيد قزاز) لم تسعفني الذاكرة بتحديد عنوانه الآن بالضبط كان ذلك في صيف عام 2001 في بغداد وكنت قد حصلت عليه من المبيعات غير العلنية( السرية بالخفية ) ( حصلت على نسخة مستنسخة من الكتاب إذ كانت هنالك سوق لبيع الكتب( الأصلية أو الاستنساخ ) بالخفية ،إذ كانت قد صدرت خارج العراق العديد من الكتب التي تتناول السيرة الذاتية لرجالات الحكم الملكي والعهد الجمهوري ، ووصلت لباعة سوق السراي وقد كتبت عن ذلك بمقالة لي سابقة عنوانها (( المتنبي والشطري يتناغمان ))أشرت فيها إلى هؤلاء الباعة الأبطال وظروف وطريقة عملهم.
وقبل أيام كتب الأستاذ البروفسور ( كاظم حبيب) مقالته النقدية الموسومة ( سعيد قزاز وإعادة كتابة التاريخ في العراق) حول كتاب الأستاذ الكاتب ( زهير كاظم عبود) أنف الذكر وعقب عليه الأستاذ ( زهير كاظم عبود ) بمقالة جوابية فرد عليه الأستاذ ( كاظم حبيب ) بمقالة جوابية أيضا ًوالموسومة (تعقيب على تعقيب الأستاذ القاضي زهير كاظم عبود حول مقالي النقدي لكتابه الموسوم "لمحات عن سعيد قزاز" )
وتدخل الأستاذ الأديب ( جاسم المطير ) ( صاحب المسامير ) بمقالة مسمارية وأردفها بمقالة أخرى توضيحية وفيها تدوين لأحداث تاريخية والمقالتين تقع ضمن الرقمين1238 و 1239 من مساميره المباركة،جميع المقالات أعلاه منشورة على موقع صوت العراق وموقع الحوار المتمدن والعديد من المواقع الأخرى.

وكذلك قرأت المقالة التوثيقية الرائعة للأستاذ البرو فسور عبد الإله الصائغ والموسومة (البروفسور عبد الهادي الخليلي بين تِرْبِه الصائغ واستاذه حسين علي محفوظ ) والمنشورة في صوت العراق العديد من المواقع وقرأتها في موقع صوت العراق والتي كانت ردا ً على مقالة الكاتب( بدر عبد الحسن ) والمنشورة في موقع كتابات، وقد ذكر الأستاذ الصائغ الأديب الراحل عبد الغني الخليلي في سياق حديثه عن أصل عائلة ( الخليلي ) وكنت قد قرأت للراحل (عبد الغني الخليلي ) قبل فترة كتاب عنوانه ( سلاما ً يا غريب ) تضم صفحاته كتابات رائعة وتنم عن أديب عراقي بليغ مرهف الحس محبا ً للعراق وشعبه حد العبادة ، وكذلك قرأت العديد من المقالات التي كتبت عن الراحل عبد الغني الخليلي وهذا مقطع من مقالة نشرها الكاتب ثائر صالح بمقالته الموسومة ( ذكرياتي عن الأديب عبد الغني الخليلي ) والمنشورة في موقع ( الكاتب العراقي ، نصوص عراقية ) وفيها رسائل بقلم المرحوم عبد الغني الخليلي وهذه أحد تلك الرسائل المنشوره تحكي حبه وحنينه للعراق وشعبه!

( ستوكهولم 10/1/1991
...
ولدي الحبيب ثائر
كيف حالك يا عزيزي؟ لم أتلق منك أية رسالة منذ فترة طويلة. كما لم أتلق منك تهنئة بهذا العام الجديد كما عودتني. فقد كانت تمنياتك لي تحمل الفرح والأمل. لا أدري ما الذي شغلك عني. أتمنى أن تكون بخير..
أمس مررت - وأنا في طريقي الى البريد - بحي قديم مهجور، يسرح الحمام على أرضه، مطمئناً. فترامى إليَّ صوت عجلات مطبعة تدور. وكنت قد ألفت هذا الصوت منذ صغري. فوقفت أستزيد منه، ففي صداه تسكن طفولتي، وذكريات مجلات نجفية، كانت تطبع في مثل هذه المطبعة، وكنت مولعاً بقراءتها.
كم تمنيت، لو يتيح ليَ صاحب هذه المطبعة فرصة العمل عنده مجاناً، ولو لساعات قليلة، لأعيش تلك الأيام التي قضيتها عاملاً في احدى مطابع النجف، وأنا في الثانية عشرة من عمري.
وفي هذا المنفى البعيد صرت أحلم بذكريات ذلك العمر، وإن كنت قد شقيت به.
أنتظر منك رسالة طويلة، لأطمئن على حالك.
أتمنى أن يبتعد شبح الحرب الكريه البغيض، الذي راح يهدد أخوتنا في الوطن، بالموت والدمار، وأن نعود من هذه المنافي الى أهلنا.

قبلاتي/ أبوفارس )
ملاحظة :
علما ًأن الأستاذ ثائر صالح عراقي صابئي مندائي، لكن القيم الإنسانية النبيلة والعراق وطدت صداقتهم !

لقد قرأت كل المقالات التي أشرت إليها أعلاه واستمتعت بها وزادتني معلومات قيمة عن أهمية التدوين والتوثيق والنقل وكذلك في طريقة الكتابة والتحليل والنقد.

وقبل قراءتي لتلك المقالات النقدية والتوثيقية كنت قد بدأت بتدون العديد من الذكريات ( حدث ، مشكلة ، خبر ، طريفة ، ندوة،حفل فرح أو عزاء ، مواقف انتهازية لرجال كنت اعتقد يمتلكون أخلاق نبيلة،خراب النفوس ، اعتقالات ، منافقون ، حروب مرعبة ، شخصيات تركت أثر حسن في نفسي، عشاق للسلطة والوجاهة ، مؤامرات دنيئة قذرة ، طمس حقائق، أناس فقراء لكنهم طيبون أحببت طيبتهم ونبل أخلاقهم، مضحين لم ينصفهم التاريخ ، تشويه سيرة أناس بدوافع دنيئة ، شخصيات مبطنه ( تقول عكس ما تضمر!!) مدن وشوارع أحببتها ، وغيرها من المواضيع المتنوعة ، مما يستدعيني الآن إعادة النظر فيها عدة مرات قبل نشر كتاباتي ،واختتم مقالتي ببعض من تلك الذكريات التوثيقية التي كتبتها .

الذكرى الأولى ... ومضة من لقاء مع الأستاذ المفكر الراحل نعيم بدوي

في عام 1997 قررت طائفة الصابئة المندائيين تكريم أبنائها المبدعين من الذين ساهموا بخدمات ونشاطات جليلة للصابئة المندائيين والقضية المندائية وقد اختيرت ثلاث أسماء من المكرمين للوجبة الأولى على ان يتم تكريمهم في احتفال مهيب واحد، وهم السادة الذوات  :
1 ـ الريشما عبد الله الكنزابرا نجم
2 ـ الأستاذ نعيم بدوي قبل وفاته رحمه الله (1911ـ 2002 )
3 ـ الأستاذة ناجية المراني
وقد كلفت من قبل مجلس شؤون الصابئة المندائيين بكتابة كلمة تكريمية وإلقائها في الاحتفال عن اثنين من المكرمين، كل كلمة على حدة طبعا ًوكان التكليف ان اكتب عن الذوات الأستاذ المرحوم ( نعيم بدوي ) والأستاذة (ناجية المراني) .
لقد أفرحني جدا ً هذا التكليف، وكنت في غاية السعادة وأنا أقوم بالاستعداد له .فالشخصان اللذان كلفت الكتابة عنهما ذوا مقام وتاريخ كبير، وسيرتهما الطويلة حافلة بالمنجزات والأعمال الجليلة المقدمة للصابئة والوطن والشعب كبيرة وكثيرة بالإضافة إلى حسن سجاياهما في النبل والشهامة والتضحية والصدق والتواضع وحب الناس وعمل الخير وتميزا بثبات على مبادئ ثورية تقدمية إنسانية ودماثة خلقهما وطيب معشرهما و رجاحة عقلهما والعديد من الصفات الكريمة النبيلة التي جبلا عليها / إنهما بحق من أروع مدارس الفضيلة الإنسانية ونموذج رائع للمندائي الذي يحتذى به ، فالأستاذ الراحل نعيم بدوي والأستاذة المبدعة ناجية المراني يتمتعان بجماهيرية مندائية واسعة.
أول خطوة بدأتها باشرت بجمع الكتابات التي صدرت لهم أو كتبت عنهم ،وبدأت بمطالعتها حتى التي كنت قد قرأتها لهم أو عنهم في السابق ، ورتبت زيارة لكل واحد منهما على حدة .
ولست أريد بموضوعي هذا سرد كل تفاصيل الاستعدادات لحفل التكريم وما دار به لكون الموضوع طويل بعض الشيء وفيه أشياء جميلة سوف أتناولها في مقالة قادمة ان شاء الله .وسوف أكتفي بذكر اللقاء الأول وما ذكره الأستاذ المرحوم نعيم بدوي وودت تدوينه في مقالتي هذه .
كانت خطوتي الثانية مفاتحة بعض الأقرباء من المعارف المقربين للأستاذ الراحل نعيم بدوي كي اصطحبهم معي لزيارته وقد فاتحت الصديقين العزيزين الأديب ( سميع داود ) والذي كان وقتها يتواجد يوميا ً في المندي لكونه يشرف على مكتبه المندي وسكرتير لتحرير مجلة ( أفاق مندائية ) وكذلك فاتحت الأستاذ( سامي شدود ) حيث كان يعمل مدير إدارة المندي وقتها، كذلك فاتحت الشاب الإعلامي المبدع والنشيط ( عدي أسعد خماس )ليصطحبنا مع آلة تصويره ( الكامرة ) لتصوير اللقاء، فرحبا كل الترحيب بهذه الدعوة و الزيارة . حددنا موعد إلى اللقاء بعد أن بعثت بخبر إلى عائلة المرحوم ( أبي رياض ) عن رغبتنا زيارته ، التقينا جميعا ًقي مكتب إدارة المندي في بغداد منطقة القادسية ، اصطحبتهم بسيارتي الخاصة وانطلقنا حيث يقيم المرحوم ( أبو رياض ) في منطقة قرب ( حي الجهاد) في جانب الكرخ من بغداد، وبعد دقائق من استراحتنا في صالة بيتهم ، أطل علينا المرحوم ( أبو رياض ) مبتسما ً فرحا ً محييا ً ومرحبا ً.
كانت سعادته كبيرة وهو يسمع ان مجالس الصابئة المندائيين اجتمعت وقررت تكريمه في الوجبة الأولى وذكرنا له الأسماء التي معه وأننا جئنا لزيارته والترتيب معه لبعض الأمور المتعلقة بيوم الاحتفال والتكريم.علما ً أنه كان على علم بتكريمه لكون مجموعة من أعضاء المجالس كلفت بنقل الخبر إليه قبل عدة أيام من زيارتنا له .
كنت قد هيأت عدة أسئلة ببالي أستفسر فيها منه مباشرة أن سنحت لي فرصة الحديث معه وحسب وضعه الصحي و طول وقت اللقاء،أو حسب جو الجلسة على أن أسائله الأسئلة المهمة الضرورية المتعلقة بالموضوع وأن سنحت الفرصة بغيرها من الأسئلة فهذا شيء ممتاز، وأثناء تناول الشاي وخلال الحديث ، سألت المرحوم ( نعيم بدوي )
أستاذ أبو رياض .. ممكن أعرف من جنابكم الكريم هل تتمكن من إلقاء كلمة في حفل التكريم
وبعد أن صمت برهة من الزمن أجابني وابتسامة جميلة في عينه (( لندعها لساعتها .. فاحتمال أكتب الكلمة أو ارتجلها أن سمحت لي صحتي بالحضور))
أستاذ ( أبو رياض) ممكن أعرف من حضرتكم كيف تحول اهتمامكم للقضية المندائية والكتابة عنها
أجابني بدون تردد وبجدية (( أن الفضل يعود للأستاذ المرحوم ( غضبان رومي الناشيء ) (توفي عام 1989 ) فهو الذي طرح علي ّ فكرة ترجمة كتب الباحثة ( الليدي دراور ) والكتابة عن المندائية وحثني لذلك كثيرا ً، كان ذلك بعد خروجي من المعتقل وإحالتي على التقاعد بعد انقلاب 8 شباط 1963.
وقد ترجمنا معا ً كتاب الليدي دراور ( الصابئة المندائيون ) وكتبنا مقدمة له . وترجمنا معا ً كتاب ثاني للكاتبة ( لليدي دراور) كتاب ( أساطير مندائية ) .

أني إذ أسجل هذه الملاحظة عن هذه الذكرى وأتمنى أن لا يبخل أحدنا على الأخر بكلمة ثناء يستحقها ونتمنى أيضا ً أن لا تغمط حقوق الآخرين ومبادراتهم في أي فكرة وقضية وأن لا يحاول البعض متعمدا ً تقليل دورهم أو حتى عدم ذك أسمائهم وتثمين جهودهم عند الحديث أو الكتابة عنهم أو عن موضوع يخصهم ...
ونتمنى أن يكف البعض من الالتفاف بمختلف طرق وأساليب الغش والخداع والتآمر والمناورة على جهود الآخرين وتضحياتهم ومبادراتهم و محاولة إبعادهم وتقليل دورهم لغرض( تجييرها ) بتسجيلها لنفسه ومن أيده ووالاه أو أخذ الصدارة عندما تسنح له الفرصة وكما نسميها مصادرة جهود الآخرين ( إذ توجد مثل هذه النماذج في كل زمان ومكان والحمد لله ) ، بل يتعمد البعض حذفها وعدم الإشارة أليها حتى عندما يكتب مقال أو يتحدث عن فكرة أو مشروع مماثل. لا بل نسمع ونقرأ عشرات الحكايات عن تشويه صورة أصحاب المبادرات والأفكار النيرة والتقليل من إبداعاتهم وإمكانياتهم وجهودهم ومحاولة طمسها وتشويهها والطعن بمكانتهم العلمية والأدبية والاجتماعية وتصل بالبعض حتى الطعن بشرفه وأخلاقه ووطنيته وكيل العديد من الاتهامات الأخرى جزافا ًبدوافع كأن تكون الاختلاف معه في التفكير أو بطريقة العمل أو الاتجاه السياسي أو بدافع الغيرة والحسد والأنانية والمصالح الشخصية . فيا سادتي ( فالدنيا دار فناء ) ( والدنيا دواره )( والدهر يومان)، ولن يدوم الا وجه الحي العظيم والعمل الصالح المثمر أنه درس جميل في ذكر المبدعين وأصحاب الأفكار والمقترحات والمبادرات شكرا ً لك أيها المعلم الكبير( أبو رياض ) فالذهب الصافي(الخالص ) لا يصدأ .
ورباط الحجي ( الحر تكفيه الإشارة ) !!؟؟
رحم الله مبدعينا ولهم منا الذكر الطيب والدعاء بالرحمة والمغفرة لمن رحل عنا، وأمنياتنا بالصحة والسلامة للأحياء منهم.


الذكرى الثانية .... اعتقال صديقي الفقيد يشوع مجيد عام 1974 من قبل الأمن العامة


الصورة صالة نادي المعهد الزراعي في 19/12 /1972 الجالس الأول من جهة اليسار رامز ،يقف الى جانبه جمال بيون ،الشهيد مهدي حمد ،الزميل الذي وسط الصور لم أعد أتذكر أسمه ،ثم الجلوس الفقيد يشوع مجيد ،يحيى غازي ،توما منصور.

ملاحظة :
العزيز الفقيد يشوع مجيد ( رئيس حركة تجمع السريان المستقل ) الذي امتدت إليه يد الحقد والجريمة فقد اغتيل غدرا ً وظلما ً في مدينة بغديدا( قرقوش ) في محافظة نينوى مساء يوم الأربعاء 22 / 11 / 2006 عند مغادرته مقر الحركة.
الحدث الذي أتحدث عنه كان في عام 1974
كنت أجلس في الصالة الكبيرة لمطعم الطلبة في المعهد الزراعي في أبو غريب وبناية المعهد تقع ضمن بنايات كلية الزراعة، بعد إكمال دروس الحصص الصباحية إذ تكون بعدها فترة استراحة طويلة نتناول خلالها الغداء وفيها متسع من الوقت للقاء الأصدقاء والزملاء والدردشة والقيام ببعض النشاطات الخاصة بتنظيمات اتحاد الطلبة العام ، كنت أجلس مع مجموعة من الزملاء وقد همس بأذني أحد زملائي أعتقد ( طالب شمران أو شاكر فاضل ) إذ كنت جالسا ً منهمكا ً بتناول طعام الغداء أقترب مني ووقف بجانبي وبحركة سريعة همس بأذني ..... هل سمعت ما حدث ليشوع ؟؟
توقفت عن الطعام .. جفل قلبي .. احجي شكو ... ماذا حدث له ؟
أجابني بصوت حذر خافت آخذوه الأمن!
يعني تقصد اعتقلوه ؟
أجابني نعم .
لم أكمل تناول طعامي،غادرت المكان فورا ً، تحركت هنا وهناك مستفسرا ً عن الخبر تأكدت من صحة خبر اعتقاله ، لكن لم أتمكن من معرفة السبب الذي دفعهم إلى اعتقاله،كانت الجبهة الوطنية والقومية التقدمية بأوج عظمتها وفورانها !!
كان( يشوع ) من الوجوه الطلابية المعروفة ( المكشوفة ) في المعهد من تنظيم اتحاد الطلبة العام، إذ كان في نهاية العام الدراسي السابق 1973 قد أقام اتحاد الطلبة العام في المعهد سفرة طلابية لكافة أعضاء التنظيم وأصدقائهم إلى مدينة بابل الأثرية، ان عدد المشاركين في السفرة كبير جدا ً،وبعد أجراء العديد من الفعاليات الترفيهية والفنية في موقع الاحتفال وبينما كنت أجلس مع مجموعة من الزملاء تقدم نحوي ( الزميل حنا المصلاوي ) بهذا الاسم عرفته وبقت لغاية هذه الساعة أعرفه بهذا الاسم ، كان من الدورة التي تسبقنا ومعه الزميل الشهيد ( مهدي حمد حسين ) والزميل ( محمد الأحمر ) من مدينة الحلة نلقبه ( بمحمد الأحمر ) لكون شعر رأسه أحمر والزميل ( أحمد مسير ) جميعهم من الدورة التي قبلنا وطلبوا مني إلقاء كلمة باسم الاتحاد تتضمن توديع الدفعة الطلابية التي سوف تتخرج و نعاهدهم على مواصلة الدرب ... الخ، أحرجت كثيرا ً واعتذرت منهم فوقع الاختيار على الراحل ( يشوع مجيد) الذي لم يمانع فأرتجل كلمة جميلة بالمناسبة ، وبعدها كلمته و أثناء وقفتنا علق أحد زملائنا بمزحة سريعة ( لم اعد أتذكر أسمه ) على الحدث قاصدا ً (يشوع وحنا ) إذ كان الزميل ( حنا المصلاوي ) مسيحي من أهل الموصل ويشوع مسيحي من أهل الموصل فقال لهم (( شكو عليكم ما خذين التنظيم كبالة واحد يسلم إلى الثاني ).
بالإضافة إلى هذا السبب كان الفقيد ( يشوع ) من العناصر النشطة في تنظيم اتحاد الطلبة وكان محاورا" ممتازا" و جريئا" في طرح أفكاره و مبادئه بشكل علني تؤهله لذلك ثقافته الواسعة، ووجهة نظري هذه اكتبها لمعرفتي الكبيرة به لكوني تربطني وإياه علاقة صداقة حميمة لقد كان يشوع بالإضافة إلى عملنا في اتحاد الطلبة العام ونشاطات سياسية أخرى، كذلك تربطنا صداقة شخصية وطيدة.

بعد خروج ( يشوع ) من المعتقل، طلبت منه أن يحدثني عن جو المعتقل و أسباب الاعتقال و ما جرى له أثناء فترة الاعتقال ؟؟
أخبرني أن سبب الاعتقال هو ( قراءته لمنشور سري كان قد وصله بواسطة أحد أصدقائه لم يخبرني باسمه، المنشور باسم تنظيم الكفاح المسلح ( القيادة المركزية للحزب الشيوعي العراقي ) ولم يخبرني تاريخ قراءته للمنشور.
وعن تعذيبه في المعتقل أخبرني أنه كان في كل بداية أسبوع يوم السبت يأتي أحد أفراد الأمن يخرجه من غرفة الاعتقال التي كان فيها مع مجموعة من المعتقلين لا يعرفهم قبل اعتقاله ، يأخذه إلى إحدى غرف الإدارة كان يجلس في الغرفة شخص واحد وراء مكتبه يرتدي زي مدني،وعند أول وصولي الغرفة كان شرطي الأمن المكلف بإحضاري يقوم بأداء التحية ويقف بجانبي كانت أسئلة المسؤول عن استجوابي محدودة :
أسمك الكامل ، محل وتاريخ ولادتك، عملك ، بأي مرحلة دراسية ،اتجاهك السياسي، وكنت أجيبه على أسئلته بكل دقة وحذر، وبعد الانتهاء من الأسئلة يأمر الحرس المكلف بإحضاري بإرجاعي إلى غرفة الاعتقال ، تكرر هذا المشهد كل يوم سبت من بداية الأسبوع نفس الأسئلة ونفس المسؤول وفي سبت الأسبوع السادس أيضا ً نفس الأسئلة ونفس المسؤول عن استجوابي وعند انتهاء الأسئلة أشار إلى الشخص المكلف بمرافقي وبحركة من يده وكلمة ( رجعه إلى مكانه ) وقبل ان استدير مع الحرس الذي يرافقني كنت قد عزمت مسبقا ً على محادثة المسؤول عند استجوابي فاستجمعت قواي وبادرته:
أستاذ .. سيدي ممكن أسألك ؟
أجابني تفضل
أني طالب وعندي امتحان نهاية الكورس وهذا الأسبوع راح يبدأ الامتحان وراح تفوتني السنة الدراسية وصار لي ستة أسابيع وجاوبتكم على كل أسئلتكم وقبل ان انهي حديثي مع المسؤول الذي اعتقدته وهو يصغي ألي أنه متعاطف معي.
((وإذا بضربة مباغته كالصاعقة من الشخص المكلف بإحضاري والذي يقف بجانبي ترديني طريحا ً على الأرض وينهضني نفس الشخص بنترة( سحبة ) قوية من ياخة قميصي ( تنصبني) تعيدني واقفا ً مصعوق من الصدمة وقوة الضربة التي أصابت نصف وجهي وأطرشت أذني !! ولم اسمع الا صوت المسؤول يصرخ بعصبية رجعه .. رجعه .. رجعه إلى مكانه ، للغرفة و أشارت يده تشير إلى الباب ، لم أعرف كيف كانت إشارة المسؤول لشرطي الأمن كي يفاجئني بهذه الضربة الصاعقة ، فالمسؤول لم يتفوه بكلمة ولم ألاحظ أي حركة منه)) !!!

بعد تلك القصة كنا كلما نريد ان نتمازح أو نتلاطف مع الفقيد العزيز ( يشوع ) نقول له (( عندي امتحان نهاية الكورس )) إذ كان نظام الدراسة في المعهد الزراعي مقسمة السنة الدراسية فيه إلى كورسين دراسية والكورس الثالث عملي .
أخبرني وقتها ( يشوع ) أنه كان في المعتقل شخص صابئي ليس في غرفتهم بل في غرفة اعتقال انفرادي قريب منهم .. كان مصاب بضيق في التنفس أعتقد ربو ويصاب بين فتره وأخرى بنوبة ويخرجوه من زنزانته إلى باحة المعتقل وكان عندما يكون في زنزانته لا يكف عن الغناء كان يغني بصوت قوي ولحن حزين شجي ، بعد فترة أخبرت (صديقي يشوع ) بعد أن تأكدت من الشخص المعتقل أخبرته أني أعرفه وأعرف عائلته من سكنة( مدينة بغداد/ البياع ) ولي معهم علاقة ودية جيدة ، وهو طبيب بيطري ويعمل مدرس في( إعدادية زراعة العزيزية) وأسمه ( يحيى عبد الجبار سرحان ) ومعتقل بنفس تهمتك وهي الكفاح المسلح ، إذ كان قد أعتقل بنفس التهمة أكثر من مرة ، وهو يجيد بالإضافة للغناء كتابة الشعر ويلقيه بشكل جميل أيضا ًوقبل فترة وجيزة أخبرني صديقي العزيز الأستاذ ( ناجي كاظم ذياب) من أهالي( مدينة العزيزية ) ومنذ 20 عام يقطن في كندا ، أخبرني بأنه التقى الدكتور( يحيى عبد الجبار) في المغرب في ثمانينات القرن الماضي والآن هو في أمريكا/ نيويورك ولم تزل علاقتهم متواصلة .
عندما استرجع تلك الفترة وما تحتويه من ذكريات أكون في غمرة من السعادة عند تذكرها رغم ما حدث و أصاب العديد من زملائنا وأصدقائنا ومعارفنا من مآسي ومصائب و مصاعب بعد افتراقنا.
لصديقي العزيز( يشوع ) اكتب هذه الذكرى ولم يزل ألم موته وفراق الأحبة والأصدقاء يحزنني و يؤلمني.


السويد/ كانون الثاني 2007

الجمعة 5/1/ 2007

| أرشيف الذكريات  |