ذكريات
كتب الراحل توما توماس هذه الاوراق ما بين 1990 - 1996 ، إلا أن أسبابا عديدة كانت وراء بقائها تنتظر فرصة لنشرها ، ليطلع القراء على ما دونه قلم شاهد عيان لفترة عصيبة من تاريخ العراق .
وهي أوراق لقائد ميداني ولدّته المحن والصعاب ، فكان أهلا لها ولمواجهتها وتحديها ، فترك عند جميع من عايشوه أو سمعوا عنه إنطباعات مثيرة للجدل ، إلا أن جل تلك الانطباعات ، تؤكد مصداقية هذا القائد مع الذات ، الى الحد الذي يسهل علينا ملاحظة ، أن تضحياته كانت بالنسبة إليه ، تشكل أقصى درجات السعادة في مسيرة التداخل بين الخاص والعام ، لدرجة الذوبان ، أحدهما في الآخر ، فالعراق وشعبه كانا في قمة ما يشغل بال أبو جوزيف حتى اللحظات الاخيرة من حياته ...
وبالتزامن مع الذكرى العاشرة لرحيله في 15 /10/ 1996 سيباشر موقع الناس ، بنشر حلقات مسلسلة من أوراقه.يمكن إعادة النشر ، مع ذكر المصدر "موقع الناس" بصورة مناسبة
أوراق توما توماس
( 22 )
حزب تودة
والحزب الديمقراطي الكردستاني ـ ايران ـ
ارتبط حزبنا تاريخيا بعلاقات جيدة مع الحزب الديمقراطي الكردستاني ـ ايران ـ ( حدكا ) ، و منذ لجوء سكرتير الحزب ( سليمان معيني ) وبعض الكوادر القيادية الى كردستان العراق في الستينات . وقد قام رفاقنا بتقديم مساعدات لهم، خاصة في السليمانية. وفي فترة التحالف مع البعث ارتبطنا معهم بعلاقة متميزة ، وكانت قيادتهم في بغداد حيث كان سكرتير الحزب انذاك عبدالرحمن قاسملو (1) .
وارتبط حزبنا كذلك بأوثق العلاقات مع حزب توده ايران سواء على مستوى قيادته المركزية او مع أعضاء الحزب الاكراد الذين عملوا في تنظيمات ( حدكا ) حسب توجيهات قيادة حزب توده إيران. وبعد الثورة الايرانية وما تبعها من تطورات، شكل الشيوعيون الاكراد فرع كردستان لحزب توده إيران، واستمر تعاونهم مع ( حدكا ).
التقيت لاول مرة بالدكتور عبدالرحمن قاسملو في صيف 1979 في مدينة مهاباد اثناء لقاء عقدناه مع وفد حزبهم، وكان الوفد برئاسته . كان حدكا حينذاك قد استولى على مجموعة من معسكرات الجيش الايراني وحصل على كميات كبيرة من مختلف الاسلحة والاعتدة .
بدأ الجيش الايراني هجومه على المدن الكردية وتقدم نحو منطقة (بانه)، وعند وصوله الى مشارفها انسحبت فصائل الپيشمرگه منها. وقد إسحبنا نحن أيضاً بعد ان تحولت المناطق الكردية الى ساحة للصراع المسلح وميدانا لحرب اهلية. كنا مثقلين بكميات كبيرة من الاسلحة والاعتدة، فطلبنا من الرفيق هاشم كريمي مسؤول (بانه) تزويدنا بسيارة ايفا عسكرية لاتمام .
حينما وصلنا الى سردشت، ابلغت محمد سراجي وكان عضوا في المكتب السياسي حدكا بكمية السلاح والعتاد التي اخليناها معنا بعد ان تركها الپيشمرگه. شكرنا قائلا " ليكن هدية لحزبكم ". قبل ذلك كان حدكا قد ساعدنا بعدة اجهزة اتصال 109 روسي، استطعنا بواسطتها ربط مقراتنا مع مقر القيادة لاسلكيا .
لم يتوصل حدكا لاي اتفاق مع الحكومة الايرانية على شعار الحكم الذاتي، "خود مختاري"، والذي يعتبر اقل بكثير من الحكم الذاتي الذي اقر في العراق، اذ لا يتعدى منح الحقوق الادارية والثقافية .فلجأت الحكومة الايرانية الى الحل العسكري ، فقامت بشن هجوم واسع على مدن كانت تحت سيطرة حدكا مثل مهاباد و مياندوآب و سردشت. وتمكن الجيش الايراني من ازاحة الپيشمرگه منها، والتي إنسحبت بأتجاه الجبال على الحدود مع العراق .
وصل الدكتور قاسملو مع غني بلوريان وامير قاضي اعضاء المكتب السياسي الى مقرنا في (توزله) كضيوف. وبعدها وصل رفاق حزب توده إيران وكانوا بقيادة الرفيقين حسن ماوراني وبابكر، وباشروا فور وصولهم بإقامة خيمهم قرب مقراتنا. اما أعضاء حدكا فقد واصلوا انسحابهم حتى قرية (بيدلان) قرب (سوني) الحدودية، والتي تصلها الاليات العراقية لغرض ايصال الاسلحة لهم من السلطة العراقية.
لم تطل مدة مكوث رفاق حزب توده إيران، اذ قررت القيادة إلغاء القاعدة العسكرية وعودة جميع الانصار الى المدن عدا الرفاق الملاحقين من السلطة الايرانية ، وعلى ان تسلم جميع الاسلحة والتجهيزات لانصار حزبنا الشيوعي . وتسلمنا 39 بندقية (ژ 3 ) و 3 بنادق كلاشنكوف ومجموعة من الافرشة والخيم والعتاد، وبقي معنا خمسة من رفاق توده. بعد فترة رجع العديد من الرفاق هربا من بطش السلطات الايرانية، خاصة بعد الاقدام على اعدام الرفاق القياديين في حزب توده ايران واشتداد حملة القمع ضدهم. وبقي عدد منهم برفقتنا حتى حملة الانفال ، حيث توجهوا مع رفاقنا لبعض دول اللجوء الاوربية .
وطوال تلك الفترة واصل ممثل حدكا وجوده في بغداد، واستمرت السلطة العراقية بتقديم دعمها العسكري له في محاولة لاضعاف السلطة الايرانية والتأثير عليها .
وتحت ذريعة ايصال تلك المساعدات وبالسرعة المطلوبة، إقترحت السلطة العراقية على حدكا مساعدتها في فتح طريق للسيارات حتى مقراتهم في منطقة الحدود، الامر الذي كان سيشكل خطرا جديا على مقراتنا القريبة منهم .
و بادرنا بسرعة، ومعنا الاحزاب الكردية لعقد لقاء مع قيادة حدكا لدراسة الموضوع ، حيث عقد اجتماع في قرية (شنو) الإيرانية حضره من جانب حدكا د. عبدالرحمن قاسملو وامير قاضي عضو المكتب السياسي لحدكا ومن الاتحاد الوطني الكردستاني جلال الطالباني وكمال خوشناو، ومن حزبنا توما توماس وابو آسوس ومن الحزب الاشتراكي الكردستاني رسول مامند ومن باسوك ملازم ئازاد، حيث تم ابلاغهم بمعارضتنا لقيام السلطة العراقية بفتح طريق على امتداد الحدود، واوضحنا بأننا مضطرون لاستخدام القوة لمواجهة هذه الخطوة وطلبنا من د. قاسملو ابلاغ قرارنا، وعدم تجاوز الطريق قرية (سوني) . وفعلا تم ايقاف العمل حال وصوله للنقطة التي حددناها لهم.
كان قاسملو قد وعدنا بـ (60) بندقية اذا استلم وجبة جديدة من السلاح من العراق، وكانت تلك الوجبة تتألف من بنادق براشوت انكليزية قصيرة زودت انكلترا الجيش البولندي بها وسميت بهذا الاسم. وقد نفذ قاسملو وعده واستلمنا (60) بندقية منها. وجاءت تلك المساعدة في وقتها اذ دفعت بعملنا خطوة جيدة للامام، لكن رفاقنا رفضوا حملها لكونها مرسلة من نظام البعث. وبعد محاولات عدة لاقناعهم بأهمية ان نمتلك في هذه الاوقات العصيبة سلاحا ، وانه ( اي السلاح ) لم يأتنا من النظام كهبة، وانما بتشابك العلاقات وتعقيداتها تمكنا من اغتنامه برضى من الذين سلموه لنا ومن منطلق قناعتهم بعدالة قرارنا بحمل السلاح لمواجهة اعنف واشرس نظام فاشي ، وافق الرفاق على حمل تلك الاسلحة، وكنا قد ارسلنا (20) منها للرفاق في السليمانية .
الا ان مشكلة اكبر قد واجهتنا بسبب تلك البنادق ، فقد لاحظ حدكا بأن الرفاق يحملونها اثناء توجههم نحو العمق العراقي ونزولهم الى المدن. وتجنبا لمعرفة البعث بمصدرها، طلب قاسملو اما ارجاعها او ابدالها بأسلحة رفاق حزب توده ايران. وتمكنا من اقناع قاسملو بعد توجيه تنبيه للرفاق بعدم حمل اية قطعة من هذا النوع من السلاح اثناء التوجه في مهمات او مفارز الى العمق العراقي .
وصلتنا اول وجبة من السلاح في ربيع سنة 1980، وتتألف من ( 42 ) بندقية كلاشنكوف من نوع جيد تم توزيعها على رفاق المقر. ولم يحصل الرفاق الذين وصلوا بهدينان على اية قطعة منها، و كانت قاعدة بهدينان حينذاك بقيادة الرفيق عمر الياس ( مسؤولا سياسيا ) وملازم خضر ( مسؤولا عسكريا ) وملا عزيز (مسؤولا اداريا )، بالاضافة الى الرفيق احمد الجبوري. وسميت تلك الهيئة بـ (مكتب القوة )، وارتبطت مع رفاقنا القياديين الموجودين في سوريا .اجتماع اللجنة المركزية حزيران ـ تموز ـ 1980
تقرر عقد اجتماع اللجنة المركزية في الخارج. فتوجه رفاق ل.م من كردستان عبر طهران ومنها الى سوريا عدا الرفيق فاتح رسول ( ابو آسوس ) بسبب الملاحظات الموجودة عليه. بقيت مع ابو حكمت 15 يوما في طهران بعد حصولنا على وثيقة عبور (ليسيه پاس) بمساعدة من قيادة قطر العراق. توجهنا الى دمشق ، حيث تم حجزنا لمدة 24 ساعة بحجة عدم وجود برقية تسمح بدخولنا الى سوريا. وبتدخل اخر من قيادة قطر العراق، ارسلت برقية الى المطار تسمح بدخولنا ، ثم توجهنا الى حيث سيعقد الاجتماع. ولقد حالفنا الحظ بالوصول في الموعد المحدد .
كان اجتماعا حيوياً ومهماً سيما وانه اول اجتماع للجنة المركزية يعقد بعد انقلاب البعث على التحالف. طرح موضوع الكفاح المسلح وتم اقراره كأسلوب من اساليب الكفاح. وتقرر ايضا دعم حركة الانصار مادياً وتقديم كل أشكال العون لها .
ودرس الاجتماع موقف الضعف الذي ابداه ماجد عبد الرضا اثناء اعتقاله، وتقرر سحب عضويته اللجنة المركزية واعتباره مرشحا لها. واجلت قضية الرفيق ( س ) لعدم حضوره وكان هو الاخر قد ابدى ضعفا. وتم حسم قضية ابو آسوس بعدم قناعة اللجنة المركزية بالملاحظة الموجهة ضده، كما حسمت قضية مهدي الحافظ ونوري عبد الرزاق واعتبرا خارج اللجنة المركزية .
ودرس الاجتماع ايضا مسألة الانضمام الى الجبهة الوطنية والقومية الديمقراطية (جوقد)، وفاز القرار بأكثرية ضئيلة . وفعلا تشكلت الجبهة من مجموعة من احزاب المعارضة بعد استثناء الحزب الديمقراطي الكردستاني.
في دمشق عقد اجتماع خاص لاعضاء اللجنة المركزية الذين سيعملون في كردستان، وتم تشكيل اللجنة العسكرية ( هندرين ) لادارة وقيادة الانصار عسكريا وحزبيا وتم توزيع العمل فيها كالاتي : ـ
1 ـ عمر الشيخ ـ مسؤولاً عن لجنة هندرين وهي القائدة حزبيا وعسكريا في كردستان
2 ـ يوسف سليمان ـ مسؤولاً عن الانصار على ان يتم تشكيل مكتب عسكري تحت قيادته
3 ـ احمد بانيخيلاني ـ مسؤولا حزبيا وعسكريا في السليمانية
4 ـ توما توماس ـ مسؤولا عسكريا في بهدينان
5 ـ سليم إسماعيل ـ مسؤولا حزبيا في بهدينان
6 ـ يوسف حنا ـ مسؤولا حزبيا وعسكريا في كَوستا
7 ـ بهاء الدين نوري ـ مسؤولا عن الاعلام والاذاعة
8 ـ فاتح رسول ـ يعمل في هندرين
طرح بهاء الدين نوري مقترحا بألغاء القواعد العسكرية ولجانها والاكتفاء بمفارز مستقلة (محدودة العدد)، ترتبط مباشرة بالمسؤول في المنطقة وتتجول بلا مقرات ثابتة. لم يوافق اغلب الرفاق على المقترح لكونه يشكل خطرا على الانصار في وقت يسيطر الجيش العراقي والجحوش فيه على مناطق كردستان بشكل كامل. فلا يمكن لاحد البقاء في العمق العراقي، حيث ستكون تلك المفارز معرضة لملاحقة القوات العسكرية لها ومن ثم سهولة القضاء عليها. كما انها ستلاقي الصعوبات بأستلام التوجيهات والتعليمات من المسؤول لعدم وجود اجهزة اتصال لا سلكية كافية، اضافة الى ان العديد من القرارات الفردية ستجد لها وسطا خصبا وستشكل خطرا قاتلا لتلك المفارز، ناهيك عن استحالة الحصول على الارزاق في مناطق واسعة كانت مهجرة وخالية تماما من السكان .
ان وجود مقرات خلفية للانصار في مناطق ( محررة ) من الجيش والجحوش ضرورة لابد منها لراحة الانصار وتنظيم ادائهم وتدريبهم ومعالجتهم. كما ان العمل الجماعي سيقلص من فرصة القرارات الفردية والارتجالية .
اثير في ذلك الاجتماع موضوع حساس ومهم ويمكن ايجازه بالسؤال التالي: لمن تكون قيادة المنطقة ، للقائد العسكري ام للمسؤول الحزبي ؟؟.
اصر عمر الشيخ على موقفه بأن تكون القيادة للمسؤول الحزبي . وقد اعترضت بدوري على ذلك وابديت عدم استعدادي لتحمل المسؤولية. فقد كنت من مؤسسي حركة الانصار ومنذ اكثر من 15 سنة، واقود المنطقة حزبيا منذ عشرات السنين وعضو ل.م ومن ابناء المنطقة وقدرتي الحزبية ليست اقل من الاخرين. اصر الرفيق عمر الشيخ وخيّرني بين الموافقة او البقاء في دمشق فأخترت الموافقة (على مضض) بعد ان تبين لي مدى الاستبداد بالرأي لدى الرفيق عمر الشيخ.
سافرنا ( ابو حكمت وبهاء الدين وانا ) الى القامشلي حيث بقينا ليلة واحدة بأستظافة الرفاق السوريين، ومنها توجهنا الى تركيا عبر نصيبين حتى ( اولودره ) بالسيارة. فواصل ابو حكمت طريقه الى گوستا. وبرفقة رفاق من كوك واصلنا نحن سيرنا مشيا على الاقدام الى حيث رفاقنا في مقر كلي كوماته، الذي وصلناه ليلة 29 /7/ 1980 بعد اجتياز مدهش للحدود وهي عبارة عن جدول صغير ( روبار ) بعرض ثلاثة امتار تفصل بين تركيا والعراق ، كانت تنتصب امامنا على الجهة الثانية من الجدول غرف طينية يسكنها الشيوعيونالعراقيون. ومكث بهاء الدين اسبوعا كاملا في المقر قبل ان يغادر الى ناوزنك.
كانت اللجنة المركزية قد اقرت في اجتماعها الاخير الانظمام الى ( جوقد ) . الا ان الرفيق ابو سرباز وبعد عودته الى ( توژله ) قام برفقة الرفيق ابو ئاسوس بزيارة مقر حدك في راژان والتقيا هناك مسعود البرواني والمكتب السياسي ودخلا في محادثات سياسية ، وتم الاتفاق بينهم جميعا على قيام الجبهة الوطنية الديمقراطية (جود ) .
ونتيجة لهذا التصرف غير المدروس من قبل رفاق قياديين، اصبح موقف الحزب حرجا ، فقد ادى دخولنا جود الى تجميد عضويتنا في جوقد. وهكذا اصبح للمعارضة العراقية جبهتان ( جوقد ) و ( جود ) ، وبرزت الاخيرة في الميدان السياسي وانظم لعضويتها كل من الحزب الاشتراكي في العراق والتجمع الديمقراطي العراقي وحزب الشعب الديمقراطي الكردستاني ، وبالمقابل انحسر نشاط جوقد، واستمرت جود حتى قيام جك لتحل محل الجبهتين .
(1) عبد الرحمن قاسملو ، سكرتير الحزب الديمقراطي الكردستاني ـ ايران ـ دكتوراه بالاقتصاد خريج جامعة براغ، يجيد اللغة الفارسية والتركية والجيكية والفرنسية والانكليزية والكردية والعربية من اهالي قرية قاسملو في (اورميا) الرضائية ، كان يناديني ب ( خالي ) لان والدته اثورية ، استشهد على ايدي المخابرات الايرانية اثناء اجتماعه مع وفد ايراني بحجة حل المشكلة الكردية .
يتبع
¤ الحلقة الحادية عشر
¤ الحلقة العاشرة¤ الحلقة الرابعة
¤ الحلقة الثالثة
¤ الحلقة الثانية
¤ الحلقة الأولى
| أرشيف الذكريات |