ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

سيرة ذاتية

(11)

 

جليل حسون عاصي

الفصل الثاني
(7)


انتهت العطلة الصيفية وبدأ العام الدراسي الجديد 1961 ـ 1962 وعادت الهيئة التعليمية الى المدرسة حصلت تغيرات في المنطقة خلال فترة غيابنا تمثلت في انحسار المياه عنها ولم تبق الا النباتات الطبيعية كالقصب والبردي ممتدة على طول الطريق تشكو من الجفاف وجف نهر (ركالة) الذي يزود المنطقة بالمياه تماما واصبح المصدر الوحيد للحصول على مياه الشرب من الآبار التي يحفرونها في قاع النهر وهي عبارة عن حفر غير عميقة تعرف ( البرادة ) واختفت الماطورات والزوارق العادية في المنطقة واصبح بالإمكان قطع الطريق من المحطة إلى المدرسة مشيا على الإقدام والغذاء هو الاخر غير متوفر فالطيور هاجرت من حيث جاءت والأسماك اخذت طريقها إلى مياه الاهوار العميقة والبيض والدجاج نادر جدا لان الوقت موسم حضانة البيض الا ان التعاون بين اعضاء الهيئة التعليمية و سهولة الذهاب والمجيئ لمدينة الشطرة ذلل الكثير من الصعوبات بدأ بتوزيع الدروس على المعلمين واعداد الجدول منذ اليوم الاول للعام الدراسي اصبح فيه صف الاول من حصتي لرغبتي في تعليمه ولتخليص زملائي من الاحراج لانهم يعزفون عنه وسبب رغبتي يعود إلى ان احد زملائي المعلمين في الجبايش المدعو (اسود عباس ). قام بتعليم الصف الاول وابتكر طريقة في التعليم تعتمد على تنظيم اهزوجة لكل كلمة او جملة من القراءة الخلدونية التي هي المنهج المقرر للصف الاول فعلى سبيل المثال عند تعليم كلمة ( دار ) وهي الكلمة الاولى في القراءة الخلدونية تكون الاهزوجة ( دار ، دار ، دار ، الله ينصر الثوار او الله ينصر الاحرار ) وعند تعليم كلمة نار تكون الاهزوجة ( نار ، نار ، نار ، نحرك بيهة الاستعمار ) وهكذا وبنفس الطريقة يتم تعليم مادة الرياضيات فمثلا عند تعليم الرقم الاول في الرياضيات وهو الرقم (1) تكون الاهزوجة ( الواحد مثل القلم ) وهكذا وصادف ان جاء طلبة كلية التربية مع عميدهم في سفره إلى مدينة الجبايش وسمع العميد هذه الاهازيج طلب من الزميل المعلم ان يطلعه على الدليل الذي يستعين به للربط بين الكلمة المراد تعليمها والاهزوجة وعندما اخبره انها غير مسجلة ولا يوجد عنده أي دليل وانما تاتي في وقتها اقترح العميد عليه ان يدونها ويرسلها إلى ديوان وزارة المعارف للاستفادة منها وتعميمها على المعلمين لانها طريقة صحيحة كونها لا تدع مجالا لشعور التلميذ بالملل وتشده إلى الدرس وفعلا ظهر من خلال التطبيق انها افضل طريقة لاستيعاب التلاميذ للمادة.
أهتم المعلمون في الايام الاولى لالتحاقهم بالمدرسه بتنظيم حياتهم فقد انقسموا إلى مجاميع قامت كل مجموعه ببناء صريفه لها من القصب والحصران والبردي وانفردت لوحدي في بناء صريفه صغيره تكفي لشخص واحد بعد ان شعرت ان زميلي (عبد رسن ) الذي تربطني واياه الكثيرمن الوشائج منها شيء من الأخوة ، وشيء من الصداقه والرفقه ,وشيء من الانسجام الفكري لا يرغب في السكن معي رغم العلاقة المتينة بيننا ، ويعود ذلك لأنه يتمتع بشخصية متناقضة ، ففي الوقت الذي ارتبط باتحاد الطلبة منذ كان طالبا في المتوسطه ثم في دار المعلمين الابتدائية بالكوت وعمل ضمن الفرقه المسرحيه التي قدمت عروضا قبل ثورة 14 تموز 1958 وبعدها ، تميزت بالنقد الساخر للاوضاع السائده انذاك والتحق بالحزب الشيوعي العراقي بعد الثوره وعمل بين صفوفه بهمه ونشاط وتعرض الى النقل والسجن والتوقيف والابعاد . ووقف موقفا شجاعاً في المحكمة مما دفع الحاكم الى الحكم عليه مدة ثلاثة أشهر في قضية لا تستحق الحكم عليها . الامر الذي هزَّ والدته الراحلة ( تسواهن ) وودعته بالزغاريد والهوسات لموقفه الجريء نجده من الجانب الآخر يتهيب من العمل السياسي لدرجة أنه قطع علاقته التنظيمية بالحزب بعد حجزه في 6/4/1960 . وبالوقت الذي يقف جميع المعلمين والمستخدمين في المدرسة الى جانب الحزب ويقرؤون جريدته وبياناته بشكل أعتيادي ، نجده يتظاهر بالابتعاد عنهم وكأن الامر لا يعنيه ، ويتعامل معي بشكل رسمي طيلة اليوم ، وما ان يحل الليل ويخلد الجميع للنوم ،حتى يتسلل إلى صريفتي للتعرف على اخر الاخبار ،وقراءة ما يستجد من نشريات , وينفذ ما اطلبه منه بطيبة خاطر ،ناسيا او متناسيا الاجراءات الصيانيه التي يتحجج بها. فقد كلفته يوما بالذهاب إلى مضيف السركال (حاج علي) لمعرفة سبب توجه الفلاحين اليه رغم مقاطعتهم له ،ذهب إلى المضيف وعاد إلى المدرسه ليخبرنا ان تواجد الفلاحين بالمضيف يعود لوجود احد رجال الدين المدعو(عبد الامير السهلأني ) .جاء إلى المنطقه لاخذ حصته من وارد الارض العائدة له ,وذكر انّ الشيخ الجليل هاجم السركال امام الفلاحين بسبب استغلاله لهم وإقامته الدعاوي عليهم مما دفعنا لدعوة الشيخ لتناول الطعام بالمدرسه.وفي حينها جرى حديث طويل مع الشيخ انتهى بأقتراح مفاده (لماذا لا تبادر المرجعيات بتخصيص جزء من المال الذي يصلها على شكل حقوق من جميع انحاء العالم بفتح ورش للحياكه اليدويه والنسيج ومعامل للمعجنات والمواد الاستهلاكيه الاخرى . على ان تكون في المدن المقدسه اولا مثل النجف وكربلاء والكاظميه، ثم تعمم على المدن الاخرى بشكل تدريجي ويقتصر تشغيل الايدي العامله في البدايه على العوائل الفقيره والمتعففه ثم يفسح المجال للجميع .وبهذا تكون قد ساهمت في رفع المستوى المعاشي للفقراء والقضاء على البطاله .واحتلت مواقع إجتماعيةاضافه إلى مكانتها الدينيه .وبالتالي يعززمن نفوذها السياسي . خاصة اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار انّ ما تقدمه المرجعيات من رواتب شهريه إلى العوائل المتعففه غير كافية ,وبهذا نكون قد خسرنا الجانب المادي والمعنوي .فلا حافظنا على نقودنا ولا هيئنا الامكانيه اللازمه لتعفف هذه العوائل ويكون مثلنا كمثل العرافه (أم احمد) التي جيء بها لاستشارتها عن كيفية استخراج راس الثور من الدبه فاشارت .بذبح الثور أولا وكسر الدبه ثانيا ).
ضحك الشيخ الجليل من كل قلبه ،ثم أجاب بأسلوب محبب يجمع بين الجد والمرح قائلا :(يعني جناب حضرتكم تريد نخلق لكم بروليتاريا! من اجل ان تنظموهم بالحزب الشيوعي وتعملون لهم نقابات وجمعيات ؟وتدخلونا في وجع الرأس عرايض ومذكرات ووفود وأضرابات ومظاهرات تطالب بزيادة الاجور وتقليل ساعات العمل ،وضمان اجتماعي وخدمات ....وهكذا جيب ليل وخذ عتابه ثم أستدرك قائلا حقا انه أقتراح وجيه وجدير بالدراسة نأمل ان يتحقق يوما ما).
(( ومرت الايام والسنون وحصل انقلاب شباط 1963 وأنقطعت الصله بيننا فقد تشردت أنا واعتقل (عبد رسن) وسيق إلى السجن ,استغربت من أعتقاله وسجنه لانه غير مرتبط بالحزب ولا يمارس أي نشاط سياسي ، فما السر بالموضوع ؟. وفي عام 1965 وبعد اطلاق سراح عدد من السجناء السياسين ,التقيته صدفةً ،قبالة ناحية الفجر ،حيث اعيد معلما هناك ، وعند الاستفسار منه عن سبب أعتقاله وسجنه أجاب قائلا بأسلوب ممثل كوميدي (انت تعرف يا أخي مدى حبي واحترامي لك ومع هذا لم اسمح لنفسي ان التقي بك امام المعلمين ونحن في اعماق الهور _حيث لا شرطي ولا جندي_ للتحوط من السؤال والجواب ولكن في صبيحة يوم 8 شباط 1963 وبينما انا اتجول في السوق انطلقت مظاهرة صاخبه في مدينة الحي تندد بالانقلاب وتهتف بحياة الزعيم عبد الكريم قاسم وبدون أي مقدمات وجدت نفسي على دكة احد المحلات واخذت اهتف باعلى صوتي والجماهير تردد ورائي يسقط ويعيش وبعدها حملت على الاعناق داعيا الجماهير بالسيطره على المناطق الحساسه بالمدينة ، ولا ادري من اين جاءت (تسواهن) .التي تزغرد وتهزج بين الجماهير ورائي .وتحولت بين لحظة واخرى إلى قائد جماهيري يشار لي بالبنان .وبعد فشل المقاومه وسيطرة الانقلابيين ،كانت الجهود منصبه على اعتقالي ،بعدها وجدت نفسي مطروحا على الارض وحولي مجاميع من الحرس القومي والامن والشرطة يتدافعون فيمابينهم ليأخذ كلا منهم حصته ، هذا بصونده . وآخر بعصا وثالث بركله ورابع بلكمه وهكذا .. تصورت في تلك اللحظه كأني فريسه تناهشتها الذئاب الجائعه كلٍ منهم يريد ان يأخذ سهمه . او كأني (بلا تشبيه) مقام يريد الجميع ان يتبركون به . وفي المحكمه وبعد سرد الاجراءات المتعارف عليها سالني شاكر مدحت السعود رئيس المجلس العرفي العسكري الثاني هل تعطي براءه من الحزب الشيوعي ؟ ترددت اولا عن الاجابه نظرت إلى ( تسواهن) التي كانت موجوده بين الحاضرين وكأن لسان حالها يقول أصمد يا ولدي وبدلا ان أقول لها والله لن أحرمك حلاوه الزغروده والهوسه التي تتهيئين لها . أجبت رئيس المجلس باعلى صوتي .كلا.. كلا لن أعطي براءه .عندها هزت (تسواهن) قاعة المحكمه بالزغاريد والهوسات ،انتبه رئيس المحكمه للضجة التي أحدثتها الزغرودة فعشت حينها حاله من القلق خوفا من زيادة عدد سنوات الحكم الا ان الشرطة اخرجتها من القاعه ودفع الله ما كان ).وبقي هذا المناضل كما هو الا انه رحل عنا وعزاءه انه شهد نهاية الطاغيه صدام )).
وصل ترحيلي الحزبي من منظمة المعلمين في بغداد إلى الشطرة ونسبت عضوا في لجنة القضاء التي تتالف من اربعة اعضاء هم الرفيق(هاشم ..) يعمل موظفا في دائرة الماليه ،من أهالي ناحية قلعة سكر يقود منظمة مدينة الشطرة .والرفيق (جبار كنهر) يعمل مزارعاً من أهالي ناحية الدوايه منطقة حطيمان يقود المنظمه الحزبيه في الدوايه . ورفيق يعرف بأسم (حسام) مزارعاً يسكن ريف ناحية النصر يقود تنظيم ناحية النصر .علما ان ناحية النصر تابعه اداريا إلى قضاء الرفاعي وحزبيا إلى قضاء الشطرة .وانا اقود منظمة ريف الشطرة . و مسؤول لجنة القضاء معلم يدعى ( حسين ياسين )(1) ، استلم المسؤولية من بعده الشهيد ( محسن وارد)(2) . كانت لجنة ريف الشطرة تتكون من (سيد جاسم الياسري)(3) وهو صاحب ماطور.مسؤول منظمة ريف بني زيد. ، و الرفيق (عذافه) مسؤول ريف آل سعد .والرفيق (رحيم حسن كَاطع ) الطالب في ثانوية الشطرة والمقيم في البيت الحزبي العائد إلى منظمة ريف الشطرة ومسوؤل لتنظيم حزبي اخر في الريف القريب لمرقد السيد علي .والرفيق( رزاق مكَطوف) الطالب في متوسطة الشطرة مسوؤل ريف ابو العجول وهي من أنشط المنظمات الريفيه لأن قيادتها تتكون من رفاق جيدين أبرزهم الرفيق عطيه مكطوف الذي لعب دوراً مهماً في قيادة الفلاحين وحل مشاكلهم . والرفيق (قاسم حسين) وهو معلم مسوؤل منظمه الهلالية الريفيه الواقعه شمال مدينة الشطرة والتابعه اداريا إلى ناحية النصر.
يتمتع بجماهيرية واسعة في الريف والمدينة عزاءه الوحيد انه شاهد نهاية الطاغية واكتحلت عينه وهو يلاحظ حركة الرفاق في مقر الحزب الذي ظل يتردد عليه إلى يوم رحيله .
كانت هذه الفتره مفعمه بالنشاط فقد تطور العمل الحزبي في عموم البلاد بالارتباط مع تصاعد الاحداث والتطورات السياسية فقد شن الحزب حملة واسعة شملت جميع انحاء البلاد شارك فيها الرفاق بدون استثناء بنشاطات يومية متواصلة من خلال توزيع البيانات ولصق البوسترات والكتابة على الجدران وجمع التواقيع وتشكيل الوفود لمقابلة المسؤولين والشخصيات السياسية والوجوه الاجتماعية والقيام بمظاهرات محدودة وخاطفة كل في منطقته من اجل ايقاف القتال الدائر في كردستان وحل المسألة الكردية حلا سلميا وديمقراطيا عادلا ولم يقتصر تحرك الحزب على الداخل وانما ناشد القوى والاحزاب والمنظمات التقدمية والإنسانية على النطاق العربي والعالمي وفي المقدمة منها الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية والاحزاب الشيوعية لممارسة الضغوط على الحكومة العراقية لايقاف الحرب الدائرة في كردستان العراق ، ولهذا التحرك الواسع من قبل الحزب ما يبرره فان حل القضية الكردية يرتبط بتحقيق الديمقراطية التي يناضل من اجل تحقيقها ولان الخطر التأمري يهدد البلد على اعتبار ان الحرب الدائرة في كردستان هي احد الممرات الرئيسية للتأمر خاصة بعد صدور قانون رقم (80) لسنة 1961 الذي استرجع بموجبه كافة الاراضي الغير مستثمرة من شركات النفط الاحتكارية ولم يتاخر الحزب عن دعوة كافة القوى الوطنية والتقدمية والقومية التي نفظت ايديها من النشاط التأمري للتنسيق فيما بينها واقامة جبهة عريضة تضم كل من له مصلحة في انجاز مهام المرحلة التي تمر بها البلاد بما فيها قاسم نفسه ، جرى هذا كله في وقت كانت فيه ( الجبهة القومية ) التي شكلت في اذار 1961 تعاني من خلافات حادة بين اوساطها في مثل هذه الاجواء اعلن عن انتخابات الدورة الثالثة لنقابة المعلمين في بداية شباط 1962كانت منظمة الحزب في الشطرة بشكل خاص وفي الناصريه بشكل عام تتمتع بنفوذ واسع بين اوساط المعلمين ولديها عشرات الكوادر المعروفه في هذا الوسط وفعلا اعلن عن تشكيل ( القائمة المهنية ) التي ارتبطت تاريخيا باسم الحزب الشيوعي في حين ارتبطت قائمة ( الجبهة التعليمية ) باسم القوى القومية والرجعية المتحالفة معها وكما هو معروف فان نقابة المعلمين تحضى باهمية كبيرة ولها تاثيرها السياسي الكبير على اوساط مهمة وفاعلة في المجتمع العراقي لذلك جرت تهيئة واسعة من قبل المنظمات الحزبية تتناسب ومستوى هذه المهمة وشخصت العناصر التي تم ترشيحها للقائمة المهنية في الناصريه بعد دراستها بشكل دقيق اخذين بنظر الاعتبار مستواهم العلمي و موقعهم الاجتماعي وتأريخهم السياسي فضلا عن الجراة والشجاعة وجرت احصائية دقيقة لعدد المصوتين لصالح القائمة مصحوبة بحملة واسعة لشرح برنامجها الانتخابي في حين لم تبذل القائمة المنافسة أي جهد وانما لجأت إلى اساليب بوليسية ملتوية فقد وضعت شارات معينة على صدور مؤيديها لتميزهم عن المعلمين الاخرين وفي صبيحة يوم الانتخابات جندت عدد من العصابات بالتعاون مع اجهزة الامن والشرطة رابطت في الشوارع المؤدية للمركز الانتخابي وقامت بالاعتداء على المعلمين ومنعهم من الوصول إلى المركز الانتخابي بعدها اجهزت على المعلمين الذين تمكنوا من التسلل بغفلة من هذه العصابات وتجمعوا قرب المركز الانتخابي بالضرب بالهراوات واطلاق الرصاص وهكذا فازت قائمة ( الجبهة التعليمية ) بالتزكية اذ لم يسمح بالتصويت الا لمعلم واحد فقط من مدرسة الجبايش وهو الصوت الوحيد الذي حازت عليه القائمة المهنية وبهذه الطريقة أيضاً فازت قائمة ( الجبهة التعليمية ) على نطاق العراق وبنفس الاسلوب بل ابشع بكثير باستثناء العماره حيث فازت القائمه المهنيه لان منظمة الحزب بذلت جهوداً استثنائيه وحشدت قوى جماهيريه كبيرة من العمال والفلاحين لاسناد المعلمين وتامين وصولهم إلى صناديق الاقتراع ، أن فوز القائمة المهنية في العمارة يدلل على أن خسارة القائمة في بغداد والمحافظات الاخرى يعود بالاساس الى السلبية والانكماش المسيطر على القاعدة الحزبية والجماهير . والتي استمرت لغاية انقلاب شباط 1963. وكانت أحد العوامل التي ساعدت الانقلابيين بالسيطرة على المرافق الحساسة بالعاصمة وفشل المقاومة ، وليس لضعف التأييد الجماهيري الذي يحظى به الحزب كما يحلو للبعض . وهذا ينطبق على الانتخابات التي حصلت لجميع النقابات والجمعيات والمنظمات المهنية الاخرى . ويتحمل الحزب هنا مسؤولية ذلك فالمفروض زج الشيوعيين والجماهير الملتفة حولهم في نضالات جماهيرية يومية مطلبية وسياسية لكسر حالة الجمود والسلبية التي تعيشها المنظمات الحزبية ورفع الروح الجهادية لديها . ولغرض تقييم النشاط الانتخابي والنتائج التي تمخضت عنها وما رافقها من تجاوزات عقد اجتماع في مقر ( القائمة المهنية ) الكائن في منطقة البتاوين حضره ممثلون عن كافة المحافظات وكنت واحداً منهم ممثلا للناصريه. تقرر فيه تشكيل عدة وفود انطلقت في حينها من مقر القائمة لمقابلة المسؤولين واطلاعهم على التجاوزات الفضة التي مورست ضد المعلمين، كنت ضمن الوفد الذي كان بقيادة المناضلة المعروفة المرحومة ( فخرية عبد الكريم ) فقد قابلنا وزير الاسكان الذي تعاطف معنا واعترف بانحياز الاجهزة الرسمية إلى جانب (الجبهة التعليمية) و شجب الاساليب والاعمال الارهابية التي تعرض لها المعلمون كما قابلنا المرحوم الشهيد العقيد ( فاضل عباس المهداوي ) رئيس محكمة الشعب الذي رحب بالوفد وتعاطف معه دون ان نشرح له أي شيء لانه كان على علم بادق التفاصيل التي حصلت في جميع انحاء العراق و اعلن عن استعداده لوضع كل هذه الحقائق امام قاسم منتقدا الطريقة التي تعالج بها الامور مقتنعا انها ستؤدي بالنهاية إلى ضرب الثورة والقضاء على منجزاتها وسيكون قاسم اول ضحاياها .
كنت في تلك الفترة اتردد على بيت احد الرفاق المعلمين المدعو ( قاسم غنتاب ) وهو من ابناء مدينة (الحي) يسكن مدينة الشطرة ، قدمت لي عائلته الكثير من الخدمات التي ساعدتني على تجاوز الكثير من المصاعب والمعوقات سواءً ما يتعلق منها بحياتي الشخصية من طعام وشراب وسكن ورعاية أو ما يخص عملي الحزبي وخاصة الام التي كانت تعتبرني احد اولادها وتتعامل معي على هذا الاساس وكثيرا ما ضحت براحتها من اجلي فالف تحية لها وهي في مثواها الاخير والف تحية إلى ابنائها الذين ساهم كل منهم بقسطه في مواصلة هذه المسيرة.
 

1- حسين ياسين/ من اهالي ناحية الفهود ينتمي إلى عائلة محافظة لها مكانة اجتماعية مرموقة في المنطقة، والده رجل دين معروف ، متزوج وله طفلة واحدة نقل اداريا إلى مدرسة تابعة لريف الشطرة واستقر هو وعائلته في المدينة بقي فترة قصيرة على رأس المنظمة لانه قدم للمحاكمه امام المجلس العرفي العسكري بتهمة ملفقة وحكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات قضى قسما منها في سجن الكوت وقد بذل والده جهودا كبيرة من اجل اطلاق سراحه وقابل الزعيم عبد الكريم قاسم لهذا الغرض الا ان الزعيم لم يستجب إلى توسلاته رغم كبر سنه ووضعه الاقتصادي المزري.
2- محسن وارد/ وهو معلم ايضا مفصول سياسيا خرج توا من السجن بعد ان قضى محكوميته وهو من اهالي ناحية (الدواية) يمتاز بهدوءه وشجاعته وتفانيه في العمل واخلاصه للحزب ينحدر من عائلة معدمة توفي والده وهو لا يزال طالبا عملت وشقت والدته كثيرا من اجل مساعدته في اكمال دراسته تربطه معي علاقة وثيقة حيث عشنا سوية ثلاث سنوات في القسم الداخلي لدار المعلمين الابتدائية في بعقوبة ودرسنا في صف واحد وتخرجنا في دورة واحدة للعام الدراسي 1957 ـ 1958.
3- سيد جاسم الياسري/ يسكن منطقة الفوار في ريف بني زيد قضاء الشطرة ، صاحب ماطور للنقل المائي . أحد الكوادر الحزبية في ريف الشطرة ، قدم الكثير للحزب والرفاق . تشرد بعد انقلاب 1963 ووضعت الدولة اليد على أملاكه ، عاش متخفياً اكثر من خمس سنوات ، قضى فترة منها في الأهوار ، حكم عليه غيابياً من قبل المجلس العرفي العسكري لمدة عشر سنوات ، قضى قسماً منها في السجن بعد القاء القبض عليه .

يتبع


¤ الحلقة العاشرة

¤ الحلقة التاسعة

¤ الحلقة الثامنة

¤ الحلقة السابعة

¤ الحلقة السادسة

¤ الحلقة الخامسة

¤ الحلقة الرابعة

¤ الحلقة الثالثة

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى

 

الأحد 4/3/ 2007

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة